رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تزال قضية تجديد الخطاب الديني الإسلامي من القضايا المحورية والهامة في فكرنا الإسلامي المعاصر، لما يمثله الخطاب من أولوية في فكرنا الراهن، خاصة الذي يتصل بالقيم الإسلامية، وانعكاس ذلك على سلوك وثقافة المسلمين كنتيجة لهذا الخطاب وسطوته على تصوراتنا الدينية في الحياة والممارسة الحياتية.
لذلك أصبح تجديد الخطاب الديني ملحاً وهاماً، خاصة في ظل تصاعد الكثير من الخطابات الفكرية في عصرنا الراهن، في ظل التحولات الفكرية وتصاعد مد العولمة وإرهاصات الاختراق الفضائي عالمياً، مع بروز بعض الخطابات الدينية المتطرفة والتي لا تمثل فكراً إسلامياً مستمدا من الرؤية الصحيحة للإسلام، ويقابله من جانب آخر بعض الخطابات الأخرى التي تطرح خطاباً تغريبيا بعيدا عن قيم الأمة وتراثها، ولا ينبعث من واقع فكرنا الإسلامي ولا يلامس قضاياه الصحيحة في ظل وجود خطاب ديني تقليدي سكوني وثابت على مقولات وخطابات وتراث السابقين الذين خاطبوا عصرهم بظروفه ومشكلاته، لكنها ـ أي هذه الخطابات ـ في بعض مضامينها لا تتناسب وراهننا الحالي بتحدياته المتعددة، مع تقديرنا واحترامنا لهذا التراث، ومكانته في فكرنا الإسلامي.
من هنا أصبح من الضروري تجديد الخطاب الإسلامي بما يلامس واقعنا، ويحرك الساكن الفكري، لأن مهمتنا الأساسية ليست القبض على التاريخ وقضاياه، بل إصلاح الواقع مع توظيف ماضي الأمة العريق والقويم في النهوض بالواقع وإصلاحه، وعلينا أن نوضح في مسألة تجديد الخطاب الديني أن نفرق بين الفكر الإسلامي البشري، وبين نصوص الوحي وقطعياته الثابتة، فالمحدد في الخطاب الإسلامي في عمومه هو التزامه بالمرجعية الإسلامية، وضرورة ألا يحيد عن منهجها في الرؤية والهدف، لكن عليه أن يكون واعياً للتحولات الثقافية والتغيرات الفكرية والسياسية في عالم اليوم، وأن يدرك أن الخطاب الساكن الجامد غير المتابع والراصد لكل التحولات الراهنة، لا يستطيع أن يضع الخطاب المناسب والعميق لما يدور حوله ويظل رهين آليات الفهم التقليدية في الخطاب الذي لا يجد الاستجابة والتأثير في الداخل، أو الإقناع والتفهم في الخارج.
ونتيجة للالتباس والخلط في مفهوم التجديد أصبح البعض من العلماء والمشتغلين بالفكر الإسلامي يتوجسون من مقولات التجديد وضروراته لعصرنا، لأن الكثير من المدعين دخلوا على خط هذه المشروعية الإسلامية، وحاولوا أن يطرحوا بعض القضايا والمفاهيم المغايرة لمفهوم التجديد الإسلامي ومضامينه، والبعض الآخر يقصر مهمة التجديد في التحذير من البدع والمحدثات التي توصف بأنها شر الأمور، وهناك من يحصر التجديد في الجانب السياسي أو الاقتصادي لا غير، وهناك من يكتفي بربط القرآن الكريم بما جد من حقائق العلم والمعرفة، معتبراً أن التجديد هو التفسير العلمي للقرآن الكريم، بل هناك من يوسع مفهوم التجديد الديني حتى يكاد أن يشتت ويبدد تحت شعار الحداثة وما ستتبعها من كلام غليظ، وهناك من يركن للتقليد والانكماش ولسان حاله يقول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان".
والواقع أن مهمة التجديد ليست مقتصرة على فهم خاص أو جانب من جوانب الإشكالات في الفكر الإسلامي أو ظاهرة حياتية في واقعنا واقتصارها عليه، وإنما التجديد كما جاء في مشروعيته يرتبط بحاجتنا لهذا التجديد ومراميه وأهدافه بصورة جلية ومفتوحة بما يطرح من إعادة النظر في قضايا مستجدة وملحة طرأت على واقع الأمة وجعلت مسألة التجديد قضية تحتاج إلى حراك فكري إسلامي تستعيد الفهم الصحيح لهذا الدين، والتبصر بما سيكون عليه حاضرنا والتخطيط السليم للمستقبل، وفي الوقت نفسه لا تحيد عن المرجعية الإسلامية في طرح ما نراه ضرورياً وملحاً في قضايا ومسائل التجديد، لكننا أيضاً علينا أن نستفيد من معطيات العصر ومنجزاته وتطوراته العلمية في عالم اليوم.
ولا شك أن التجديد عند العديد من المجددين ـ كما يقول د/ أحمد عرفات القاضي ـ على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم الفكرية واهتماماتهم الفقهية هو عملية تفاعل لما قد يستجد في مضامين الفكر ومعطياته الواقعية في داخل الجماعة التي تؤمن بعقيدة واحدة وقيم مشتركة وتحتكم للشريعة الإلهية تهتدي بها في سعيها الدنيوي، وتمهد لها سبيل الخلاص في الآخرة. وعلى هذا فإن الفكر الإسلامي في مراميه البعيدة ومجالات نشاطه، لا يقف عند حد إلا ما حددته الشريعة الإسلامية بنص قطعي معلوم من الدين بالضرورة.
وما عدا ذلك فينبغي أن يخضع للفكر وتمحيصه على ضوء مستجدات الزمان والمكان، وتطور مناهج العلم ووسائله التطبيقية للحكم فيه بما تقتضيه مصالح المسلمين على تعاقب أجيالهم.
كما أن هذا التجديد لا يعني الانقطاع التام عن التراث الفقهي للسابقين من الأئمة والعلماء، لكن يجب أن نقوم بدراسة هذا التراث ونقده عندما يستدعي ذلك واستيعابه والأخذ منه بما يوافق عصرنا وواقعنا في ضوء العصر وتحولاته ومشكلاته القائمة لمواجهة ما يطرأ من تحديات على واقع الأمة، وبذلك تتحقق أهداف التجديد في أن يكون فاعلاً ومؤثراً في طرحه وملامسته لحاجات الأمة وتطلعاتها، ذلك أن التجديد ضرورة دينية لحفظ دين الأمة ذاته من الكثير من التأثيرات والآراء التي قد تكون بعيدة عن حقيقة الدين وجوهره الأصيل، والعودة إلى منهج النبوة في الإصلاح والحق الذي جاء به هدي الإسلام.
وليس هذا ما يتناقض مع الدين وحقائقه الثابتة، فالبعض قد يتوهم أن التجديد يناقض ثوابت الإسلام، واكتماله، فيرفضون مبدأ التجديد كلية ويعتبرونه تهديما للدين نفسه، وهذا ليس صحيحاً ـ كما يقول د/ محمد عمارة، فالتجديد هو "السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل وثوابته إلى الميادين الجديدة، والأمور المستحدثة، والضمان لبقاء ((الأصول)) صالحة دائماً لكل زمان ومكان.. أي أنه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة الخلود الذي أراده الله، ولولا مد ((التجديد)) الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات، وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذي يطرحه تطور الحياة.. ولولا تجديده الدائم الذي يجلو الوجه الحقيقي والجوهر النقي لأصول الدين وثوابته.. لولا دور ((التجديد)) هذا في حياة الإسلام ومسيرته لنسخت وطمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام، أو بتشويه البدع – عندما تتراكم – لجوهر هذه الأصول"..
فالتجديد، إذن، هو السبيل لاستمرارية الدين الكامل "الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وليس نافياً لثبات واكتمال هذا الدين؟! لذلك على أمتنا أن تعي أهمية تجديد الخطاب الإسلامي لواقعها، وللتحديات التي تحيط بها من كل جانب ـ كما أشرنا في فصل تحديات الخطاب الإسلامي ـ فالمهمة الأساسية لنا ليست فهم التاريخ وإعادة إنتاجه، وإنما إصلاح الواقع ومشكلاته وتحدياته، فالانشغال بالماضي ومحاولة فهمه من الأمور التي تستهلك الكثير من طاقاتنا وأوقاتنا، فإذا وصلنا إلى النقطة الجوهرية في الموضوع، وهي كيفية توظيف الماضي في النهوض بالواقع، وكيفية استخدام التاريخ أداة لتربية الأجيال الجديدة – وجدنا أذهاننا مرتبكة وطاقاتنا مستنفذة، وفي بعض الأحيان أشعر بأننا لا نبحث عن مستقبل هو تطوير للواقع.
والإشكالية أن في الساحة العربية والإسلامية الكثير من الدعوات للتجديد، وتأويل النص القرآني أو قراءته أو تجديد الخطاب الديني... إلخ، الواقع أن مسألة تجديد الفكر الإسلامي أو إعادة فهمه أو قراءته ليس مرفوضاً أو مستهجناً، كمنتوج بشري قابل للأخذ والعطاء والمراجعة، لكن الذي يرفض هو استحداث رأي أو تجديد ما يطرح عند البعض من الكتاب في النص القرآني وتأويله أو رفض بعض أحكامه بحجة "تاريخية" نصوصه لمرحلة معينة، فالنص الديني وضع إلهي خالد معصوم غير تاريخي، مجرد عن قيدي الزمان والمكان، نزل إلى الأرض من مقام مكنون (لا يمسه إلا المطهرون)، أما قراءته أو فقهه فهو وضع بشري تاريخي يتقادم، وقابل للأخذ والعطاء وفقا لما تدركه النفوس من جدة أصول الإسلام مع واقع العصر ومتغيراته.
وعليه فإن الشريعة مقدسة لا يتسرب إليها الخطأ، ولا تتناقض، ولا يوجد فيها أي تعارض على الإطلاق، أما فهمها فقد يختلط بفهم آخر أو بمعرفة أخرى، يتعارض معها أو يتوافق، كما أن علماء الدين قد يخطئ بعضهم بعضا، ولكن لا أحد منهم يخطئ الدين، ومع تمام الاحترام والتقدير لمقامهم وجهودهم، إلا أنه لا يمكن أن يكون فهمهم للشريعة مقدسا وكاملا وواحدا.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9633
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2631
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2394
| 22 أكتوبر 2026