رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أخشى أن تفلت من أيدينا اللحظة التاريخية الرائعة التي تعيشها مصر هذه الأيام، فنفوِّت فرصة لا تعوض لاستدعاء الحلم إلى أرض الواقع، ويصبح الجيش عبئا على الثورة ليس عونا لها.
(1)
في الأسبوع الماضي تلقى مدير فرع أحد المصارف في مصر الجديدة اتصالا هاتفيا من سيدة أبلغته فيه بأن في حسابها الشخصي أربعة آلاف دولار أمريكي وترغب في تحويلها إلى جنيهات مصرية، أثار الطلب دهشة الرجل الذي كان يعرفها جيدا، فقال لها إن كثيرين من الظروف الراهنة يحولون مدخراتهم من الجنيه المصري إلى الدولار تحسبا للطوارئ. ولكنها ردت عليه قائلة إنها لهذا السبب تحديدا تريد أن تفعل العكس. إذ تريد أن تقوي الجنيه المصري ولا تضعفه. فوجئ الرجل بما سمعه فلم يتمالك نفسه، وجفف دمعة سقطت من إحدى عينيه.
تلك واحدة من القصص الكثيرة التي صرنا نسمع عنها هذه الأيام، في سياق التدليل على أن ثمة روحا جديدة أصبحت تسري بين المصريين بعد الثورة، أيقظت فيهم ما كان كامنا أو خامدا من مشاعر الانتماء للوطن والاعتزاز به، والذين أنصتوا للغة المصريين واهتموا برصد سلوكهم منذ قامت الثورة يدرك أن ثمة تحولا مثيرا في ذلك السلوك تبدى فيما لا حصر له من الشواهد والوقائع، التي تبعث برسالة خلاصتها أن المصريين أدركوا أن الثورة ردت إليهم وطنهم من خاطفيه، وأنه صار وديعة يتعين عليهم أن يحتشدوا للحفاظ عليها والدفاع عنها بكل السبل.
قبل أيام تلقيت على هاتفي المحمول رسالة ممن لا أعرف هذا نصها: من اليوم هذه بلدك أنت. لا تلق القمامة في أي مكان. لا تتجاوز إشارة المرور. لا تدفع رشوة لكائن من كان. لا تلجأ إلى تزوير أي محرر. لا تسكت على تقصير تجده في أي مكان. وفي ختام الرسالة دعوة إلى تعميمها على أوسع نطاق ممكن.
لم أكن وحدي الذي تلقيت الرسالة، لأنني صادفت كثيرين استقبلوها وتحمسوا لها. كما أني صرت أتلقى اتصالات من أناس لا أعرفهم يسألونني عما يمكن أن يفعلوه لأجل البلد، وسمعت عن مناقشات جارية بين مجموعات من الشباب في القاهرة والإسكندرية والسويس تدور حول كيفية المساهمة في تغيير الواقع وعلاج مظاهر التردي فيه. وبعث إلي آخرون بأوراق تحدثت عن إستراتيجيات المستقبل وخيارات النهوض به. ولست أشك في أن ما حدث معي تكرر مع غيري ممن هم أهم وأخبر مني.
ما أريد أن أقوله إن ثورة الشعب على النظام حين استدعت المجتمع وردت إليه روحه المغيبة، فإنها أطلقت في ذات الوقت ثورة في التوقعات. كأن الجماهير التي غيبت طويلا أصبحت متلهفة على تعويض ما فاتها وراغبة في إسراع الخطى صوب تحقيق أحلامها، وهو ما يبعث على التفاؤل والثقة لا ريب، لكنه يفتح الأبواب للقلق أيضا ــ سأقول لك لماذا.
(2)
شواهد الواقع تدل على أن ثمة مسافة ملحوظة بين التوقعات والممارسات. ذلك أن الثورة في مفهومها المبسط تعني إزاحة نظام وطي صفحته. وإقامة نظام جديد مختلف عنه. إلا أن ما حدث في مصر حتى الآن ليس كذلك بالضبط. وعند الحد الأدنى فإن القائمين على أمر البلد بعد نجاح الثورة تعاملوا مع ما جرى من منظور مختلف، حيث لم ينطلقوا من فكرة قطع الصلة بالنظام السابق وإقامة نظام جديد مكانه. آية ذلك أن رئيس الحكومة وثلاثة من الوزراء المرفوضين شعبيا يشكلون امتدادا للنظام السابق. وكذلك كل المحافظين ورؤساء الجامعات والقيادات الإعلامية والأمنية. وهو ما يعني أننا فيما خص السلطة صرنا بصدد صورة معدلة للنظام القديم. كما أنه يعني أن الوضع المستجد لا يعد تجسيدا حقيقيا لفكرة «الثورة»، وأن إطلاق ذلك الوصف عليها هو من قبيل التعبير المجازي أو الحماسي. الأمر الذي يضعها في سياق ثورات أخرى جرى الحديث عنها، مثل ثورة المعلومات والثورة الإدارية أو الزراعية.. إلخ. كأن الملايين التي خرجت معلنة رفضها لنظام ما قبل 25 يناير، وكذلك مئات الشهداء ونظراؤهم الذين اختطفوا وعذبوا أو اختفوا، غير الآلاف الذين تعرضوا للإصابات والعاهات كانت هذه التضحيات كلها قدمت لكي تكتب بالدم شهادة ترميم النظام السابق، وإدخال بعض التعديلات على شخوصه وسياساته.
هذا الاختلاف في قراءة ما جرى في 25 يناير (رئيس الحكومة وصفه بأنه حركة وليس ثورة) أحدث فجوة بين التوقعات والممارسات. وبدا أن سقف الأولى أعلى بكثير من الثانية. ذلك أننا يجب أن نعترف بأن سقف التوقعات كان عاليا. لأن الإحساس بالمهانة والظلم كان كبيرا، الأمر الذي جعل شوق الناس شديدا للتخلص من كل ما هو صلة بذلك الماضي الكئيب، وحين سقط رأس النظام تصور الناس أن بقية الأركان المحمولة عليه سقطت بدورها. وظنوا أنهم أوشكوا أن يلمسوا حلمهم بأيديهم ويروه قائما على الأرض.
من ناحية أخرى، فإن القادة العسكريين وجدوا أنفسهم بصدد حمل ثقيل وتركة تنوء بحملها الجبال. وفوجئوا بتراكمات ثلاثين عاما من الجمود السياسي والفساد الاقتصادي قد وضعت بين أيديهم. ناهيك عما لا نراه من ضغوط خارجية، وما لا نعرفه من التزامات وتعهدات قدمها السابقون للأبعدين والأقربين. وإذا أضفنا إلى ما سبق أن أولئك العسكريين لم يكونوا طرفا في اللعبة السياسية، وأن تحملهم للمسؤولية لم تمض عليه سوى أسابيع محدودة، فستدرك أنهم في موقف لا يحسدون عليه.
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن ارتفاع سقف توقعات الجماهير له ما يبرره، وأن ثمة أسبابا أن تساق لتفهم موقف القادة العسكريين وأعذارهم. لكن ذلك لا ينفي حقيقة وجود الفجوة بين التطلعات والممارسات.
(3)
إذا جاز لنا أن نلخص ما سبق فسنقول إن ثمة سببا جوهريا للفجوة الراهنة يتمثل في الاختلاف في قراءة الحدث الكبير، وهل هو ثورة على النظام الذي سبق ذلك التاريخ، تؤدي إلى طي صفحته، أم أنه ترميم لذلك النظام من شأنه إسقاط رأسه وإدخال بعض التعديلات على جسمه. إلى جانب هذه النقطة المفصلية فهناك عناصر أخرى فرعية تتمثل في تراكم المشاكل وتعددها وفي قصر الفترة الزمنية وخبرة القادة العسكريين والتزامات مصر تجاه الأطراف الخارجية خصوصا الولايات المتحدة وإسرائيل.. إلخ.
هذه الخلفية تستدعي السؤال التالي: إزاء الاختلاف في قراءة الحدث الكبير، كيف يمكن الترجيح بين الكفتين، كفة بناء نظام جديد ينطلق من كونها ثورة حقيقية، أم ترميم النظام القديم بما يقرب الحدث من الثورة الإدارية؟ ــ لا نستطيع أن نجيب عن السؤال قبل أن نتفق على تحديد من الذي صنع الثورة ودفع ثمنها، هل هو الجيش الذي قادها انتصارا للشعب، أم أنه الشعب الذي فجرها وتدخل فيها الجيش تضامنا مع الشعب؟
إن غاية مرادنا في تحرير هذه النقطة أن نتعرف على طبيعة الأدوار، وبالتالي حدود وحقوق كل طرف، بما يسمح لنا بأن نحسم عملية الترجيح بين الكفتين. وهي عملية ليست صعبة لأن وقائع الحدث الفريد تمت تحت أعين الجميع في مصر وفي العالم أجمع. من ثَمَّ فليس هناك خلاف على أن الشعب هو الذي تقدم الصف حين قام بالمغامرة ودفع الثمن، وأن الجيش تدخل لاحقا وأدى واجبه الوطني في الدفاع عن الشعب. إن شئت فقل إن الشعب هو الذي صنع الثورة وإن الجيش هو الذي تولى حراستها. وذلك الدور العظيم الذي قام به الشعب هو المفاجأة الكبرى، وهو الذي أضفى على الثورة فرادتها وأدخلها التاريخ من أوسع أبوابه، إذ العكس هو المألوف، حيث اعتدنا على أن يتولى الجيش قيادة الثورة، ثم يستدعي بعد ذلك المجتمع لكي يلحق به.
في ضوء هذا التحليل يصح لنا أن نتساءل: إذا أعلن الشعب أنه يريد إسقاط النظام ودعا إلى القطيعة معه بعد سقوطه، ومن ثم أرادها ثورة حقيقية تنقل البلد من عهد إلى آخر، وإذا جاء الجيش وسماها ثورة أيضا، لكنه أرادها امتدادا محسنا لنظام مبارك، فإلى أي طرف ننحاز؟ ? ردي المباشر إن الشعب هو صاحب الثورة، وإن الجيش الذي أعلن تضامنه مع الشعب ينبغي أن يواصل أداء واجب حمايته، من خلال الإصغاء إلى مطالبه التي اعترف بمشروعيتها منذ اللحظة الأولى لتحركه.. وإذا ما حدثت الفجوة بين مطلب الشعب وبين موقف الجيش، الذي يرعى الحكومة، فإن ذلك قد يحمل على محمل الحيرة والارتباك والتقصير في مرحلة. أما إذا استمرت الفجوة أو اتسعت، فلن نجد لذلك تفسيرا سوى أن الجيش تراجع عن موقفه، وبدل أن يكون رافعا وحاميا للثورة، فإنه يغدو عائقا أمام تحقيق أهدافها. وهو ظن أرجو أن يخيب وأن تكذبه الأيام المقبلة.
(4)
في هذا السياق لا أخفي مخاوف لا تستند فقط إلى تحليل لمعطيات الواقع وتقدير احتمالاته، وإنما لا أستبعد تأثري أيضا بما هو كامن ومخزون في الذاكرة التاريخية، التي تحتل فيها فكرة «الطغيان الفرعوني» موقعا بارزا. ولست صاحب الفكرة أو المصطلح، التي عني بتحقيقها الدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية المبرر، في الجزء الثاني من مؤلفه الموسوعي «شخصية مصر». إذ ذهب إلى أن مصر بطبيعتها بيئة صانعة للفراعنة. ذلك أنها كدولة زراعية تعتمد اعتمادا كليا على فيضان النيل. ولأن الفرعون كان مالك الأرض، وهو الذي يتحكم في توزيع مياهه التي هي شريان الحياة، فقد اعتبر المصريون القدماء الفرعون واهب الحياة والموت. حتى صارت مصر في حقيقة الأمر «ضيعة الحاكم» ــ والتعبير للدكتور حمدان ــ الذي شرحه على الوجه التالي: إن الطغيان الفرعوني نتيجة حتمية للدولة المركزية، وكانت الدولة المركزية ضرورة حتمية للبيئة الفيضية. وكما كان لهذه المعادلة مزاياها الواضحة، فقد كان لها عيوبها الأوضح. إذ كانت مصر أول وحدة سياسية أو أول دولة موحدة في التاريخ، لكنها أيضا صارت بها على الأرجح أول طغيان في الأرض وأقدم وأعرق حكومة مركزية في العالم. بالتالي فإنها أصبحت تمثل أقدم وأعرض استبداد أيضا.. فقد دفع المصري منذ البداية ثمن وحدته السياسية المبكرة من حريته السياسية. واشترى الأمن الاجتماعي بالحرية الاجتماعية. وفي النتيجة أصبحت العلاقة عكسية بين المواطن والدولة، فتضاءل وزن الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم. وكلما كبرت الحكومة صغر الشعب.
اقتبس نصا عن نصيحة وجهها الملك خيتي لابنه مر يكارع (حوالي 2000 سنة قبل الميلاد) قال فيه: «إذا وجدت في المدينة رجلا خطرا يتكلم أكثر من اللازم ومثيرا للاضطراب، فاقض عليه واقتله وامح اسمه وأزل جنسه وذكراه وكذلك أنصاره الذين يحبونه.. فإن رجلا يتكلم أكثر من اللازم لهو كارثة على المدينة». وخلص الدكتور حمدان من ذلك إلى أنه منذ ذلك الأمد البعيد فإن المصريين كانوا مطالبين بالصمت. وهي قيمة فسرها بعض الباحثين بحسبانها دعوة إلى الهدوء والسلبية والسكون، وإلى الخضوع والمذلة والانكسار.
لست واثقا من صحة ذلك التحليل، لاقتناعي بأن الخبرة المصرية على مدار التاريخ يتعذر اختزالها في دور البيئة الفيضية في صناعة التاريخ، لكني لا أخفي أن الخوف من هاجس صناعة الفراعنة يلح عليّ طول الوقت.
حتى لا تكونوا من إخوان الشياطين
عندما وصف رب العزة والجلال فئة من البشر بأنهم من إخوان الشياطين لم يكن ذلك الوصف إلا حقيقة... اقرأ المزيد
219
| 06 يوليو 2026
يد تعطي.. قلبٌ يرتوي
في نسيج الحياة المتشابك، تكمن أجمل صور الإنسانية في مدّ يد العون لمن يحتاجها. إن مساعدة الناس ليست... اقرأ المزيد
159
| 06 يوليو 2026
الشباب.. قوة قطر وصُنّاع مستقبلها
في مسيرة الأوطان، تبقى الثروة الحقيقية هي الإنسان، وتظل قدرة الدول على صناعة أجيال واعية ومؤهلة المعيار الأصدق... اقرأ المزيد
87
| 06 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4545
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3486
| 01 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
2559
| 04 يوليو 2026