رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدا المشهد اليمني في هذه اللحظات التاريخية أكثر تعقيداً ومهيئاً للانفجار والاحتراب والتشظي.. حيث يعتقد البعض أن القوة التي يسيطر بها الحوثيون وحليفهم الرئيس السابق «علي عبدالله صالح» ليست كفيلة باستقرار الوضع السياسي والحياة المدنية في اليمن.
هذه التحولات التي بدأت عشية الثورة لشباب اليمن في عام 2011م وانتهت بإقصاء الرئيس السابق وبعض رموز نظامه، وفق مبادرة خليجية، والتوافق على «هادي» رئيساً مؤقتاً لليمن لحين الوصول إلى دستور جديد متكئاً على نتائج الحوار بين القوى السياسية والاجتماعية، شارك فيه الجميع بمن فيهم الحوثيون وجماعة الرئيس السابق.
لكن التكتيك الذي اتبعته قوى الثورة المضادة المحلية في اليمن والإقليمية والدولية لإنهاء الأوضاع السياسية التي خلفتها الثورة أجهض حلم الثورة ونتائجها، وكانت نهايتها باستقالة الرئيس «هادي» وهو الشرعية الوحيدة التي تبقت من نتائج الثورة اليمنية، إذ إن مخرجات الحوار تم تجاوزها بالقوة وفي فرض اتفاق بين الرئاسة والقوى السياسية والحوثيين بعد سقوط صنعاء في سبتمبر 2014م، ثم سعت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) وحلفاؤهم من أتباع الرئيس السابق وقياداته والمكون الموالي من الجيش له إلى السيطرة وبسط النفوذ على محافظات الشمال والوسط لفرض الأمر الواقع، كان الهدف من التحالف (الحوثي - هادي – صالح)، هو إجهاض الثورة وإعادة ترتيب النفوذ والسلطة، ولكن ما حدث في الطريق أنَّ مقاومة رجال القبائل والقوى السياسية والشبابية وسكان المحافظات أوجدت حالة جديدة من التحدي، وأدت رغبة الحوثي بدوافع ذاتية وإيرانية إلى محاولة التمركز السريع في إطار شرعية الدولة ومواقعها للحصول على كل المواقع الحساسة والمؤثرة، وشعور الحوثيين بأن الرئيس «هادي» حجر عثرة في هذه اللحظة، وأنه قد انتهت مهمته بالنسبة لهم، حيث مازال التحالف الحوثي مع «علي عبدالله صالح» قائماً بما يحقق التفاهم في غياب «هادي»، وإيجاد مجلس رئاسي يوافق عليه البرلمان المسيطر عليه من رئيسه وغالبية أعضائه الموالين لـ"صالح»، لكن توافر اليقين عند رجال القبائل وشباب الثورة والقوى السياسية أن مخرجات الحوار قد دمرت، وأن البلد يسير في اتجاه دكتاتورية الحوثيين و"صالح" فانسحبت القوى من الحوار، واندلعت الحركات الشبابية في الشوارع، وتمنطقت القبائل بالسلاح في صنعاء ومأرب والجند وتعز استعداداً للمواجهة.
وسارع الحراك الجنوبي بالتحرك للعزل السياسي لصنعاء على المحافظات الجنوبية «عدن، حضرموت، وغيرها»، حيث استلمت القوى الأمنية واللجان الشعبية تأمين المؤسسات وعدم قبول أي أوامر من صنعاء.. وهنا اتضح أن اليمن والجميع في ورطة.
ورطة الحوثيين:
حيث إن الحوثيين بتعجلهم واستخدامهم للقوة أصحبوا في مقدمة المشهد، ويتحملون كافة المسؤولية فيما وصلت إليه الأمور من سقوط للدولة، وتفكك للبنى المدنية، والاستيلاء على مقدرات الجيش، فهم مقبلون ولا شك على احتراب مع القبائل ومواجهة الثورة الشبابية التي استأنفت حراكها من جديد، وعدم القدرة على إدارة الدولة، لقد ورطها «هادي»، و"علي صالح" محلياً، والإيرانيون وسكوت الأمريكيين ليكونوا في المقدمة والمسؤولية على حساب الاستقرار والاحتراب، ورغم سيطرتهم على صنعاء وارتهان «هادي» ووزرائه تحت الإقامة الجبرية، فإنهم في ورطة كبيرة سياسياً وميدانياً.
ورطة «هادي»:
لقد عمل «هادي» على عقد تفاهمات مع الحوثيين وقيادات في الجيش وقيادات في الحراك الجنوبي لتسهيل سقوط عمران، وتسهيل دخول الحوثيين لصنعاء، وتصفية قيادات الجيش التي وقفت مع الثورة كالقشيبي يرحمه الله، وعلي محسن الأحمر وأزاحتهم من المشهد، متوقعاً التصادم بين الحوثيين والإصلاح، ثم اللعب السياسي من أجل تصادم الحوثيين مع «علي عبدالله صالح» ليتفرد في إعادة توزيع السلطات والثروة، لكن تغول الحوثيين وتحالفهم مع «صالح» أدى في النهاية للضغط عليه لقبول شروط الحوثيين التي ركزت على التمركز والتمكن من الدولة وشرعيتها، مما أدى إلى استقالته وحصاره.
ورطة «صالح»:
لقد عمل «صالح» منذ اليوم الأول للثورة في 2011م على إجهاض الثورة ومحاربتها وبعد إسقاطه، وتحت ظل الحصانة التي أنقذته بدأ في ترتيب حساباته ليتحالف مع الحوثيين وقواه النافذة في الجيش بدعم إقليمي لاحتلال الحوثيين لصنعاء، وإنهاء معارضيه القبليين والسياسيين، ولكن يواجه اليوم تمكن الحوثيين من الدولة وهم اليد العليا، وقد حاول منذ أيام محاولة التوصل إلى اتفاق مع عبدالملك الحوثي، ولكن إلى الآن فشل هذا الاتفاق على اقتسام اليمن لعدم الثقة بين الطرفين، وهاهي تستأنف الثورة الشبابية من جديد لتضع «صالح» من جديد أمام مشهد سياسي غامض ومرتبك يهدد اليمن بالتمزق والذي لن يحصد من ورائه ما كان عليه به من النفوذ والسيطرة.
ورطة القوى السياسية والحركات السياسية في الجنوب:
لقد فشلت القوى السياسية والحراك الجنوبي في المحافظة على نجاح مشروع الثورة ومخرجات الحوار الوطني ودولة الأقاليم الستة، ونجاح قوى الثورة المضادة المحلية والإقليمية في تطويق مخرجات الثورة وإنهائها وإعادة اليمن إلى المربع الأول، بل إلى ما هو أسوأ منه، وهو السيطرة المسلحة على الدولة، وإنهاء شرعية الثورة، والتي لم يستطيعوا حماية مخرجاتها.
وهاهي القوى السياسية بمختلف توجهاتها تحصد نتائج تراخيها وثقتها المطلقة بالرئيس وحاشيته، رغم تكشف دوره في المؤامرة منذ سقوط عمران وصنعاء، وتقف الدولة اليوم بسببهم وضعفهم واختلافهم وسحبهم الثوار إلى مربع الحل السياسي أثبتت الأحداث والتحولات أنه كان خياراً خاطئاً.
لقد بات الشعب اليمني والشباب في مقدمتهم لا يثق اليوم بهذه القوى السياسية، فهم في ورطة حيث يتربص بهم تحالف الثورة المضادة من جهة، وتفرق الشارع عنهم وعدم ثقة شباب الثورة بهم من جهة أخرى.
ورطة الدول الخليجية:
لقد بادرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى حل سياسي يتوافق عليه أطراف الصراع في اليمن بعد ثورة الشباب في 2011م، ولكن دول الخليج تركت أطراف الثورة المضادة يتحركون بما يشاءون ويتحالفون مع الحوثيين لإسقاط نتائج المبادرة الخليجية، وربما هناك دول محددة في إطار الدول الخليجية دعمت الحوثيين و"علي عبدالله صالح"، لإعادة تمكنهم من مواجهة التيار الإصلاحي والشبابي، ظناً منهم أنهم يعيدون النظام السابق، ولكن ما حدث أن استيلاء الحوثيين على الدولة اليمنية بدعم إيراني وتوافق أمريكي سيجعل اليمن الطائفي الجديد خطراً استراتيجياً على المملكة العربية السعودية وعلى دول الخليج ومصالحها والمصالح العربية والإقليمية في خليج عدن والبحر الأحمر، ويُمكِّنْ بصورة أكبر لإيران ليكون لها دور في الشأن والقرار اليمني، لذا فإن دول الخليج اليوم في ورطة بعدما كان الحل والمبادرة الخليجية فرصة للتوافق والتفاهم في إدارة اليمن الجديد.
ورطة الإيرانيين:
رغم سيطرة الحوثيين، وهم الحلفاء المدعومون من إيران مادياً وعسكرياً، أعطى للإيرانيين فرصة جديدة وتواجداً ونفوذاً في اليمن، فإن الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية الجديدة على الإيرانيين ليست بقليلة، خصوصاً مع انخفاض أسعار النفط الذي أثر على الميزانيات العامة لإيران بما يخفض الدعم عن حلفائها في الخارج، أضف إلى أن تغول الحوثيين وتبعيتهم الدينية وتشيعهم أدى إلى تحرك مضاد سُني قبلي بما يرفع منسوب الطائفية في اليمن إلى حرب أهلية جديدة ستكلف إيران وحلفاءها الحوثيين بشكل كبير، فهل إيران وقعت في مصيدة العقدة اليمنية؟
ورطة الولايات المتحدة:
لقد مررت الولايات المتحدة بشكل كبير حل المبادرة الخليجية بالموافقة والضمانات الدولية، لكنها وبشكل تكتيكي كانت تنتقي ما تراه أنه يخدم مصالحها في إيجاد سلطة قادرة على محاربة «القاعدة» في اليمن، وتضمن سلامة الممرات البحرية، ومن عام 2009م والاتصالات بين الولايات المتحدة وأطراف حوثية مستمرة، كان من نتائجها إيقاف الحرب السابعة من الدولة على الحوثيين، واعتبار الحوثيين رغم استخدام القوة والسلاح جماعة سياسية محلية وليست إرهابية، مروراً بسقوط عمران وصنعاء، ولكن التصريحات الأخيرة للأمريكيين بعد تطورات المشهد اليمني والانقلاب على «هادي» من قبل الحوثيين، أكدت أن العلاقة بين الأمريكيين والحوثيين أكثر عمقاً، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنه لا يوجد ما يجعل الحوثيين لهم صلة بإيران، رغم المعلومات المؤكدة عند الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة خلاف ذلك.
لقد أرادت الولايات المتحدة أن تحقق من خلال صمتها وتجاوزها عن الحوثيين أن يكونوا الأداة المتمكنة لمواجهة «القاعدة» وتأمين الممرات البحرية في إطار تفاهمات شاملة مع الإيرانيين، ولكن الأمريكيين في ورطة، لأن الحوثيين لا يستطيعون أن يحققوا لهم ما يريدون، ولأن الحوثيين يعرفون أن حربهم ضد «القاعدة» ستنتقل عاجلاً أو آجلاً إلى صعدة، حيث إن «القاعدة» تنظيم قادر على أن يصل ويقوم بعمليات في عمق صعدة نفسها.
كما أن الحوثيين وهم مقبلون للتمركز والتمكن في الدولة لن يقوموا بهذه المهمة بشكل مطلق، لأنهم لا يريدون أن يتحولوا إلى معركة احترابية طائفية تفقدهم شرعية التواجد السياسي والأمني في الدولة؛ لذا فالحوثيون مترددون حول هذا الموضوع رغم الفرقعات السياسية والإعلامية.
لذا فإن تمركز الحوثيين يعطي قوة لإيران ونفوذاً في القرار الاستراتيجي لمنطقة تعتبرها الولايات المتحدة منطقة مهمة، وبالتالي فإن الولايات تورطت في الصمت عن تمكن الحوثيين الذين هم أقرب للإستراتيجية الإيرانية في حوارها مع الولايات المتحدة بشأن النووي وورقة رابحة للضغط في هذا الملف.
الحل:
ولأن الجميع في ورطة في اليمن، فإن المشهد السياسي يتجه نحو استئناف الثورة، وحشد الشوارع، وإسقاط الثورة المضادة المسلحة، لتعود الأوضاع من جديد إلى حالة الحوار والاستقرار، وأنه لن ينفع أحداً التغول على الدولة اليمنية وشعبها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
3042
| 23 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1299
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
789
| 24 مايو 2026