رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عند تشكيل الدولة الإسرائيلية رسمياً في عام 1948 وفي بيان الإعلان عنها، تم التأكيد على عدة مبادئ من بينها:"الدولة اليهودية" و"قانون العودة", وبموجب هذين المبدأين فإن"إسرائيل ملتزمة بلم شمل اليهود من مختلف أنحاء العالم أو من يتهودون والذين لهم الحق في العودة, والحصول على الجنسية, والعيش في إسرائيل كمواطنين إسرائيليين".
هذا إضافة إلى الاستمرار في الترويج لمفهوم "الشعب اليهودي" و "القومية اليهودية" و"الأمة اليهودية".
منذ تلك اللحظة فإن إسرائيل تسعى لتحصين "يهودية دولتها".. مؤخراً وإبّان تسلم تسيبي ليفني لحقيبة الخارجية, عملت على إعادة إحياء هذا الشعار القديم الجديد، نتنياهو وعند تسلمه رئاسة الحكومة الإسرائيلية أخذ هذه الفكرة وطورّها إلى, ضرورة اعتراف دولي بها، بالفعل اعترفت به دول عديدة في العالم من بينها: الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى غيرهما، لم يكتف نتنياهو بذلك بل أخذ يشترط على العرب والفلسطينيين: الاعتراف بها مقابل إجراء التسويات (والتي هي حلول إسرائيلية) للصراع مع الطرفين.
كترجمة عملية لهذا الشعار, بدأت إسرائيل مؤخراً سنّ مشاريع قوانين في الكنيست توضح وتفصّل فيها الأسس الإستراتيجية القانونية للشعار، لقد سارع رئيس كتلة الائتلاف الحاكم النائب المستوطن ياريف لفين إلى إعادة ما يسمى "قانون دولة القومية" وهو مشروع قرار كانت قد اقترحته الأطراف الأكثر تشدداً في الكنيست السابقة, وبسبب من حل الكنيست لم تتم قراءته الثانية والثالثة ليصبح قانوناً، خلال الكنيست الحالية (وهي الأكثر تطرفاً من السابقة), فإن صياغة القانون تحولت إلى"أرض إسرائيل هي وطن الشعب اليهودي".
ليس هذا فقط, وإنما تمت صياغة قانون آخر سيجري تقديمه إلى الكنيست الحالية تحت عنوان "اللوبي من أجل أرض إسرائيل".. في الشرح (المبُهم) للقانون يحدد "أرض إسرائيل" بــ"أرض فلسطين التاريخية" التي تعني كل فلسطين عملياً (من النهر إلى البحر).. في حالة سن مثل هذا القانون فإنه سيقطع الطريق على أية حكومة إسرائيلية حالية أو قادمة, الانسحاب من الضفة الغربية (التي هي بالمفهوم الإسرائيلي يهودا والسامرة). وبذلك سوف لن يتم إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف, هذه هي المرحلة الأولى، أما ما قد يحصل مستقبلاً من تطوير للقانون, فقد يتحول إلى"أرض إسرائيل التاريخية"، وهذا ليس ببعيد بالطبع, وسيصبح تفسير القانون بأنه "أرض إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات".
مشروع قانون آخر يقترحه لفين (وللعلم فإن ما حصل عليه المشروعان من أصوات مؤيدة بين أعضاء الكنيست بعد القراءة الأولى تؤهلانهما ليصبحا قانونين بعد القراءتين الثانية والثالثة في الكنيست) جاء بصيغة "إعطاء الأولوية في التطبيق القانوني, للقيم اليهودية".. أي أن المرجعية الأساسية لتفسيرات القوانين الإسرائيلية هي "القيم اليهودية"، وليس النظام الديمقراطي (الذي تدّعيه إسرائيل)، في تفسير المشروعينْ يرد: الحق في الحصول على الأرض والمسكن هو لليهود.
كما يدعو مشروع القانون إلى شطب اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في الكيان الصهيوني، هذا المشروع له أساس قانوني في إسرائيل, إذ من المعروف أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحيم بيغين قامت بتحصين الطابع اليهودي للدولة في القوانين والتعليمات الإسرائيلية فيما يتعلق بقرارات محكمة العدل العليا،وذلك بإصدار قانون ينص على ما يلي:"عندما تواجه المحكمة بسؤال قانوني يتطلب قراراً لا يوجد له جواب في القانون الوصفي- قانون الحالة- أو من خلال التحليل, "يتوجب على المحكمة أن تقرر في ضوء مبادئ الحرية العدالة المساواة والسلام الخاصة بالتراث اليهودي".
كما يُلاحظ , فإن شعار يهودية الدولة يجري على مراحل, ولم تكن إسرائيل متسرعة في تطبيقه وإنما يجيء هذا التطبيق بعد فرضها لوقائع كثيرة على الأرض, حيث هناك تقبل فلسطيني رسمي وعربي رسمي لوجودها في المنطقة، ولذلك كانت اتفاقيات أوسلو وكمب ديفيد ووادي عربة, ثم فيما بعد جاءت ما تسمى"بمبادرة السلام العربية" التي أطلقتها قمة بيروت في عام 2002.. إن الاعتراف "بيهودية إسرائيل" يعني:
أولاً: اعتراف بالأساطير التضليلية للحركة الصهيونية: "شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب" و"فلسطين الوطن التاريخي لليهود"، و"أرض الميعاد" ,"الحق التاريخي لليهود في فلسطين" وغيرها.. ذلك يعني صحة الرواية الإسرائيلية لتاريخ فلسطين منذ ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد وحتى هذه اللحظة، بالمقابل يعني أيضا: عدم صحة التاريخ العربي والإسلامي لفلسطين، وأن العرب والفلسطينيين ليسوا أكثر من "غزاة احتلوا أرض فلسطين عنوة".. وجاءت إسرائيل لتحرر يهودا والسامرة من استعمارهم, ولتعيد الحق إلى نصابه، وأن التحرير لم يكتمل بعد ولن يكتمل إلا بإقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. ذلك يعني أيضاً: نفي الأسماء العربية عن المدن الفلسطينية المحتلة وكذلك القرى والمناطق والجبال وغيرها، وصحة الخطوة الإسرائيلية في هدم أكثر من 475 قرية فلسطينية وإزالتها عن الخارطة وهكذا دواليك.
ثانياً: إسقاط قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق الفلسطينية بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولة مستقلة مثل باقي دول العالم، كما يعني صحة ومشروعية "تهويد القدس"، وبأن"المدينة المقدسية هي العاصمة التاريخية والأبدية لدولة إسرائيل" وصحة وجود هيكل سليمان في مكان المسجد الأقصى، وإضفاء شرعية على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في عام 1967, وهذا يخدم أيضاً مقولة عدم الانسحاب من الضفة الغربية باعتبارها"يهودا والسامرة"، وتعني أيضاً أن إسرائيل "تتكرم" عندما توافق على إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً منزوعاً من أي سيادة, وصحة القرارات الإسرائيلية بالتواجد العسكري الإسرائيلي في منطقة غور الأردن, وحق الجيش الإسرائيلي في اقتحام المناطق الفلسطينية كلما رأى ذلك ضرورياً.
ثالثاً: صحة ودقة التعريف الإسرائيلي لمفهوم "الأمن"، وأن من واجب السلطة الفلسطينية والدول العربية كافة العمل للحفاظ على هذا الأمن, وأنه ممنوع على الدول العربية ودول المنطقة (التي تهدد إسرائيل) امتلاك أية أسلحة ثقيلة قد تهدد الأمن الإسرائيلي, لا الآن ولا مستقبلاً، وأن من حق إسرائيل امتلاك أحدث أنواع الأسلحة (باعتبارها لا تقوم بتهديد الدول العربية وإنما الأخيرة هي من تقوم بتهديدها).
رابعاً: إسقاط حل الدولتين, ففلسطين هي"الوطن التاريخي للشعب اليهودي"، وبالتالي أين حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم؟ كما يعني إسقاط حل الدولة الديمقراطية الواحدة, فلن يعيش في فلسطين سوى اليهود والفلسطينيين غرباء فأين الحق بإعطائهم دولة؟ الاعتراف "بيهودية إسرائيل" يعني أيضاً: إسقاط إمكانية الدولة الثنائية القومية, فلن يعيش في فلسطين سوى أبناء "القومية اليهودية" فلا وجود لقومية أخرى في إسرائيل.. كما يعني إسقاط حل"الدولة لكل مواطنيها" فلا مجال للقوميات والإثنيات الأخرى للعيش في دولة إسرائيل.
خامساً:إمكانية إجراء ترانسفير لأهالي منطقة 48, وقد بدأت إسرائيل هذه الخطوة باقتراح نقل منطقة المثلث (المكتظة بالفلسطينيين –حوالي 300 ألف فلسطيني) إلى مناطق السلطة الفلسطينية, أما حول الترانسفير فربما يجري بطريقة غير مباشرة, من خلال: وضع الفلسطينيين في منطقة 48 في أحوال سياسية اقتصادية اجتماعية تسوء بشكل متسارع، الأمر الذي يؤدي بهم إلى الخروج الطوعي من فلسطين, وربما ستأتي ظروف مواتية لطرد العرب مباشرةً.
أيضاً فإن ذلك يعني حق إسرائيل في الاستيطان في الضفة الغربية(باعتبارها أرضاً إسرائيلية).. ويعني صحة الخطوة الإسرائيلية في طرد وتهجير حوالي ثلاثة أرباع مليون فلسطيني في عام 1948 والاستيلاء على أراضيهم وغيرها من أشكال الاعتراف بما تقوم به إسرائيل.
يبقى القول: أن إسرائيل تدرك ما تعنيه "يهوديتها" لذا تصر على الاعتراف الفلسطيني والعربي بهذا الشعار؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026