رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سنواجه مشكلة في الانتخابات الرئاسية المصرية القادمة، لا تخلو من مفارقة.. ذلك أن المرشح الذي يتجاسر ويقرر منافسة المشير السيسي لن يسلم من الاتهامات والتجريح.. أما إذا آثر المنافسون السلامة وأحجموا عن منازلته فإن انتخاب السيسي في هذه الحالة لن يسلم بدوره من الاتهام والتجريح.
وما أقوله ليس مجرد افتراض، لأن الشواهد والمقدمات التي بين أيدينا تنذر كل من تسول له نفسه أن ينافس الرجل بأوخم العواقب، ذلك أننا شهدنا خلال الأشهر السبعة الأخيرة ما الذي جرى للمعارضين، خصوصا حين تجرأ بعضهم وحاول توزيع ملصقات تحض على رفض الدستور، الذي روجت وسائل الإعلام للادعاء بأن التصويت لصالحه هو تصويت على السيسي.
إن الذين عارضوا السياسات التي صار السيسي رمزا لها دفعوا ثمنا باهظا لقاء ذلك، والمنظمات الحقوقية والمواقع المستقلة.. (ويكي ثورة مثلا) تحدثت عن 2665 قتيلا و15.913 مصابا و21.317 معتقلا.
وفي الذكرى الثالثة للثورة ــ يوم 25 يناير وحده ــ سقط تسعون قتيلا و277 مصابا إضافة إلى 1341 تم اعتقالهم، وإذا كان ذلك هو الثمن الذي دُفع لقاء معارضة النظام، فلك أن تتصور الثمن الذي يمكن أن يُدفع في حالة الاعتراض على شخص السيسي في الانتخابات الرئاسية.
لدينا أيضا رسالة أخرى تلقيناها خلال الأشهر الماضية تتمثل في عملية الاستباحة التي تعرضت لها كرامات المعارضين وأعراضهم حتى إذا كانوا من الأصدقاء والحلفاء.. وهى الحملة التي أقنعتنا بأنه إذا كان الخصوم يفقدون حقهم في الحياة فإن الحلفاء يفقدون حقهم في الكرامة..
لا أتحدث هنا فقط عما أصاب الحلفاء من الدكتور محمد البرادعي وصولا إلى الدكتور زياد بهاء الدين، لكنني أتحدث أيضا عن الشبان الذين رفضوا حكم الإخوان وانضموا إلى المحتجين الذين خرجوا في 30 يونيو، لكنهم أدركوا أن الأمور التي جرت لاحقا انحرفت عن الهدف الذي خرجوا من أجله، فلُفقت لهم التهم وألقوا في السجون واحدا تلو الآخر.
هذه الاستباحة لا تتطوع بها المنابر والأبواق الإعلامية وحدها، وإنما تعتمد بالدرجة الأولى على معلومات وتقارير الأجهزة الأمنية التي تسرب إلى أصابع تلك الأجهزة المبثوثين في مختلف المنابر، وليست بعيدة عن الأذهان التسريبات التي استهدفت اغتيال وتشويه نشطاء ثورة يناير من خلال التليفزيون أو الكتابات الصحفية.
في هذا الصدد، فإنه ما عاد سرا أن أي مرشح يفكر في منافسة المشير السيسي سوف يتعرض للتشويه والقصف الإعلامي والاغتيال المعنوي. وقد تابعنا ذلك في بعض البرامج التليفزيونية والتعليقات الصحفية، التي شرعت في قصف الفريق سامي عنان والسيد حمدين صباحي، رغم أن الحملة لا تزال في بداياتها ولم تدخل مرحلة الجد بعد.. وهو المصير الذي لابد أن يلقاه أي مرشح آخر، وينذر كل من يفكر في المنافسة بأنه لن يخرج سليما من المعركة.
الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ذكريات عصر مبارك، ناهيك عن أننا جميعا نعرف مدى الجرأة على الاتهام والإسفاف في التجريح الذي تلجأ إليه بعض الأصوات التي تتصدر المنابر الإعلامية، التي لا ترعى في أي معارض إلاًّ ولا ذمة.
المشكلة أن المتنافسين على منصب الرئاسة حين يقدمون أنفسهم إلى المجتمع لكي يكسبوا أصواتهم، فإنهم يضطرون ليس فقط لتقديم برامجهم ورؤاهم إلى الرأي العام، ولكنهم يلجأون إلى نقد بعضهم البعض، على الأقل لكي يثبت كل واحد منهم بأنه أولى بالثقة وأجدر بالمنصب.
وفي هذه الحالة، فإنه في ظل الهيستيريا السائدة فإن أي منافس للسيسي سوف يجد نفسه في خطر داهم، ويشتد ذلك الخطر إذا ما انتبهنا إلى أن كل ما يُعرف عن الرجل أنه ضابط نزيه ومحترف لم يحارب يوما ما، لكنه ليس له تاريخ معروف في الحرب أو في السياسة، وبالتالي فإن التساؤل عن مشروعه ورؤيته للمستقبل ونقد الاثنين يصبح مبررا وواجبا.
إذا فضل المرشحون أن يتركوا الساحة للمشير السيسي ليس فقط جراء ضمان فوزه، ولكن أيضا تجنبا للتشويه والتشهير، فإن ذلك سوف يثير شبهات وأقاويل كثيرة تسحب من رصيد الرجل وتشكك في ديمقراطية العملية الانتخابية، وفي صدق تعبيرها عن مدنية الدولة والثورة المصرية. ولأن الأمر كذلك فإنني لا أتمنى أن نلجأ إلى الأسلوب الذي اتبعته بعض الدول القابعة خارج التاريخ في احتيالها على الشكل الديمقراطي، بحيث يتم الاتفاق مع مرشح أو أكثر من المتعاونين مع النظام أو رجاله لكي ينافس الشخص المطلوب إنجاحه، بحيث يؤدى دور الكومبارس أو «الدوبلير» كما يقولون في لغة أهل السينما.
حدث في جمهورية أوزبكستان بعد انفصالها عن الاتحاد السوفييتي، حين ترأسها الأمين العام للحزب الشيوعي السابق إسلام كريموف، الذي أصر على احتكار السلطة بالأساليب الديمقراطية الملتوية الشائعة في العالم الثالث. ففي الانتخابات التي جرت عام 2000 رشحت «المعارضة» لمنافسته أحد أبناء النظام هو عبدالحافظ جلالوف.. وقد ذهب المنافس في وفائه لكريموف أنه أعلن على الملأ أنه سوف يصوت لصالحه، وقد فاز كريموف في تلك «المعركة» بنسبة 91.9٪ من الأصوات.. ولأن اللعبة كانت فجة ومكشوفة فإن الإخراج تغير في انتخابات عام 2007، بحيث رشح الحزب الديمقراطي الليبرالي (لاحظ التسمية) ثلاثة أشخاص لمنافسة كريموف، ولم يُقصِّر الثلاثة وكانوا عند حسن الظن، ولذلك أعلنوا تأييدهم للزعيم المحبوب، وفي ظل الإخراج الجديد الذي وسع من دائرة «المنافسة»، فاز الرجل بنسبة 88.1٪ من الأصوات لاغير..
هل نتوقع احتمال التفكير في ذلك الحل، خصوصا أن لدينا فرعا معتبرا للحزب الديمقراطي الليبرالي على الطريقة الأوزبكية، إضافة أن لدينا مخرجين أكفاء جاهزين للقيام باللازم؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4317
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3126
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1194
| 28 سبتمبر 2026