رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

اقتصاد

3805

الصناعة كلمة السر الذهبية لفتح بوابات المستقبل

31 أكتوبر 2021 , 07:00ص
alsharq
الدوحة- الشرق

يختصر مصطلح « البلدان الصناعية» شرحاً طويلاً للدلالة على رقي الدول والشعوب في هذا العالم، لأن البلدان التي احتضنت تطبيقات واقعية لـ « الثورة الصناعية» خلال قرون مضت، استطاعت تحقيق سبق تنموي لافت شمل كافة المجالات، ولم تعد هذه البلدان مجرد مصانع وماكينات إنتاج سلعي، بل بلدان تقانة وفتوحات علمية في مختلف المجالات التي تخدم أوجه الحضارة الإنسانية.. بالتالي ارتقى التراكم العلمي بمفهوم «البلد الصناعي» إلى حالة حضارية راسخة شاملة لمختلف أوجه النشاط على مستويات البحث العلمي والتقنية الذكية والطب إضافة إلى الاقتصاد والخدمات وكافة أوجه النشاط الاجتماعي والثقافي والبشري.

قاطرة تنموية

من هنا جاءت مقولة «الصناعة قاطرة التنمية».. التنمية بمفهومها واسع الطيف، وبات البلد الذي لم يوطّن القدر الكافي من المنشآت الصناعية، يغرق فيما يشبه التهمة بالتأخّر عن اللحاق بركب الحضارة، في عالم لم يعد يعترف بالضعفاء ولا يُصافح إلا الأقوياء، وكأننا أمام حالة اصطفاء جديدة لكن بمفردات رأس المال هذه المرة، وموارد رأس المال.. واستدامة هذه الموارد.

فقد أثبتت تجارب العصر الحديث أن من يمتلك الصناعة، يمتلك الثروة ويمتلك حق إضافة مصطلحات جديدة إلى قواميس اللغة تتعلق بأسماء المنتجات السلعية والتقنية وكذلك العلمية التي تتبع بلدان المنشأ، فلا الراديو غدا «مذياع» ولا التلفزيون عرفه العالم باسم «الرائي» ومثلها كل المنتجات الحضارية الجديدة، فالصناعة هي ما يخلّد تراث الشعوب وثقافاتها..ويمنحها القوّة للبقاء وإثبات الحضور الحقيقي على الأرض..بالتالي نجد أن مقولة « في كل صدام بين الشرق والغرب كانت الصناعة الغربية تحسم المعركة» بالغة الدلالة ولها إثباتاتها على الأرض لا سيما في توزّع مراكز القوى في هذا العالم بما فيها القوة العسكرية.

صناعة «القوة»..

من يرغب بأن يحجز له مكاناً تحت الشمس، وموقعاً مرموقاً في هذا الزحام الحضاري الرّاهن، بات عليه أن يقتنع بحتميّة السّعي للنهوض بقدراته الصناعية، والانطلاق بداية من تحقيق كفايته من السلع والمنتجات، وتوطين بدائل محلية الصنع للسلع المستوردة، والتخلّص من حالة استلاب وإذعان مبطّنة للبلدان المصنعة، والتحول من بلد استهلاكي إلى بلد منتج، والأهم أن يدفع بمنتجاته إلى أسواق العالم، فالمنتج التصديري هو أهم أداة دعائية و»سفير نشط» للبلد المنتج بأسواق العالم، بما الأسواق هي بوابات صناعة المزاج العام والرأي العام والنظرة العامة إلى هذا البلد أو ذاك، فالكثير من البلدان لم تكن معروفة لكنها اشتهرت من خلال منتج ما « صنع في....» .

تحويل «التراب إلى نقود»

في خضم هذا الحديث عن الصناعة، يبدو لا بدّ من الوقوف قليلاً عند أهمية الصناعة كقطاع رائد وقائد في المجال التنموي، يحقق القيم المضافة لكافة القطاعات الأخرى، ويضمن حالة من التفاعل التنموي الشامل.

فالصناعة تضمن استخدام أمثل للموارد البشرية والطبيعية على نحو مناسب، وهي ما يُقال أنها تحوّل «التراب إلى نقود».. عن طريق توظيف واستهلاك المصادر الطبيعية بالطريقة المناسبة، وهي الأداة والوسيلة الأهم التي تساعد حل مشكلة البطالة، لأن طبيعة عمل قطاعات الصناعة يحتاج إلى الموارد البشرية وبالتالي ارتفاع نسب التوظيف فيها، والصناعة بما تنطوي عليه من قيم مضافة في سياق مخرجاتها، تحقق علاوات نقدية مالية مجزية وتساهم في تحسين عوائد الدخل القومي للدولة بالإضافة إلى تحسين معدل دخل الأفراد وتمكينهم على الادخار.

كما قلنا ..فالصناعة هي القاطرة الحقيقية للتنمية، فلا يقتصر الحراك في هذا القطاع على نطاق ضيق وإنما يمتد لتحريك كافة القطاعات الحيوية الأخرى، إذ يساهم قطاع الصناعة في دعم وتطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى، وذلك عندما تجمع الصناعات المواد الخام بهدف تحويلها إلى منتجات سلعية خصوصاً إن كانت منتجات ذات ميزات نسبية تعتمد على خصوصيات المادة الخام والمادة الأولية، الأمر الذي يساعد على تطوير الأسواق التي تعتمد على تلك المواد الخام، مما يؤدي إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز التجارة الخارجية.

محركات دفع أفقي

في الاقتصاد ودراسات التنمية بأبعادها المتكاملة، هناك ما يسمى الفرص غير المباشرة التي تتيحها بعض أشكال الحراك الاقتصادي، ويبدو قطاع الصناعة هو الأكثر إنتاجاً للفرص غير المباشرة، وهو الأقدر على تفعيل وتحريك قطاعات إستراتيجية أخرى تشكل حلقات مهمة في المشهد التنموي الكلّي لأي بلد، فالصناعة تساعد الصناعة في تطوير القطاعات الرئيسية والإستراتيجية المختلفة في أي دولة، ومنها قطاع النقل والطاقة والبناء وغيرها بالإضافة إلى المساهمة في توفير الإيرادات الحكومية من خلال جمع الضرائب المترتبة على استخدامها في إنشاء البنى التحتية.

كفاية واستقلال

من المهم أن الصناعة تحقِّق الاستقلال الاقتصادي على نحو أكبر، إذ يساعد إنتاج السلع الأساسّية المحلية في تقليل الاعتماد على استخدام الواردات الخارجية مع المحافظة على عملية التبادل التجاري الدول الأخرى. أي توفِّر الصناعة الاستقرار الاقتصادي للدولة التي لا تعتمد على قطاع واحد وذلك من خلال تحقيق الاتزان بين القطاعات الرئيسية في الاقتصاد، وبالتالي المساهمة في التنمية الشاملة بأفقها المتكامل. كما أن الصناعة تحقِّق الاكتفاء النقدي للدولة وزيادة الاحتياط النقدي للدولة، وذلك عند زيادة القطاعات الصناعية، فإنَّ الأرباح الناتجة ستزداد وسيرتفع معدل صادرات الدولة مقارنةً بانخفاض معدل الواردات من الخارج..

ويتوافق خبراء التنمية أن التطور الصناعي يوفر الدعم لعدة قطاعات أخرى في الدولة منها الزراعة والدفاع والاقتصاد وغيرها، وهذا ما بدا جلياً في الدول الصناعية التي حققت أشواطاً مديدة في مجال «الميكنة الزراعية» أي كان النهوض الزراعي مستنداً على النهضة الصناعية، كذلك التفوق في مجال القوة العسكرية إذ تزود الصناعة الدول بالأسلحة والذخيرة اللازمة لقطاع الدفاع من أجل توفير الحماية لها من المخاطر، بالإضافة إلى تحسين كافة القطاعات الأخرى مثل النقل والتمويل والاتصالات وغيرها بهدف توفير البنى التحتية المناسبة للدولة.

نمو سريع ومتسارع

باختصار تساهم التنمية الصناعية في تحقيق النمو السريع للدولة وذلك من خلال تحسين الاستثمار ومعدل الإنفاق وبالتالي زيادة دخل الأفراد ورفع مستوى المعيشة. تصنيفات القطاعات..فإن كان ثمة العديد من القطاعات التي يقوم عليها الاستثمار في بلد محدد أو دولة محددة، منها القطاع الزراعي والتجاري والصناعي، إلا أن القطاع الصناعي يبقى أهم القطاعات في أي بلد، لما له من إيراد مالي ومنفعة على البلد.

مقومات

هناك عدّة عوامل لازمة تؤثر وتتحكم بأي رؤية تطويرية لقطاع الصناعة، وهو ما يمكن تسميته بيئة التنمية الصناعية ..ومن أبرزها الموقع الجغرافي والإحداثيات على الأرض.. إذ أنّ المصانع تتم إقامتها في أنحاء بعيدة عن المناطق السكنية، وهذا يتعلق بالتخطيط ورسم ملامح المستقبل، ثم الأحوال المناخية وخواص المناخ بحيث تكون متوافقة مع أنواع الصناعات المراد توطينها، أي يجب الاهتمام بالرياح واتجاهاتها، بحيث لا تتوجه على الأنحاء السكنية، كما تلعب الخامات دوراً كبيراً في التنمية الصناعية بما أن الجدوى الاقتصادية هي عنوان إقرار إقامة أي مشروع.. أي توفر المواد الخام سواء كانت حيوانية، زراعية، معدنية، صخرية أو منابع طاقة، كل هذا إلى جانب الأيدي العاملة.. وهي العامل بالغ الأهمية في مقومات التنمية الصناعية، لأنّ العمال هم من يقوموا بالتطوير من عملية التصنيع وتشغيلها، كما يبقى رأس المال الشيء الضروري لنهضة أي صناعة أو مشروع مهما بدا بسيطاً، وللنقل والمواصلات أهميتها في مجال التطوير الصناعي، بحيث تتم إقامة المصانع في أنحاء توجد فيها الوسائل الخاصة بالنقل والمواصلات، وللسوق أيضاً أهميتها المطلقة بحيث يتم ضمان تسويق المنتج، وإلا تكدست المنتجات في المخازن الخاصة وفشلت العملية التصنيعية.

الإرادة هي الأهم

هذه هي المعايير التي تؤخذ بالحسبان عندما يجري التفكير في إقامة أي صناعة.. ولا نظن أن هناك بلدا في هذا العالم خالٍ من هذه المقومات لكن بتفاوت ووقائع نسبية، ليبقى العامل الأهم هو الإرادة.. إرادة التحوّل الصناعي ومغادرة قائمة الدول المستهلكة إلى قائمة الدول المنتجة، الإرادة هي الأساس.. فكم دولة من دول العالم الثالث تمتلك الكثير من المقومات لكنها بقيت دولاً مستهلكة .. وفي المضمار العربي هناك أمثلة كثيرة على وجود المقومات وغياب الإرادة، فعندما تتوفر الإرادة والإصرار سيكون المشهد مختلفاً وهكذا كان الأمر في دولة قطر.. فللصناعة في هذا البلد الذي يسابق الزمن بتطوره حكاية خاصة تستحق الوقوف والتأمل.

مساحة إعلانية