رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي

3074

سكان قطاع غزة يتحدون الموت بالاحتفاء بالحياة

31 مايو 2021 , 07:00ص
alsharq
غزة - حنان مطير

كل فلسطيني يقف أمامكم على شاطئ بحر غزة متأملا في الأفق أو غائصا في البحر أو متمددا على الرمل هو ناج من عدوان صهيوني بغيض علمت آثاره في نفسه ووجدانه.

وكل أم اتخذت لنفسها مقعدا على الشاطئ أو افترشت الرمل تراقب أطفالها الذين يلقون بأنفسهم في الماء بسعادة هي أم احتاجت البحر بقدر ما اجتاحتها المخاوف بالفقد، احتاجته كي تلقي به همومها وتتنفس نفسا عميقا بعيدا عن أنفاس البارود التي استنشقتها في أيام العدوان الاحد عشر التي حرمت غزة من عيد الفطر.

وكل فتاة وشابة أمسكتْ بالهاتف النقال وراحت تلتقط لنفسها صور "السلفي" برفقة صديقاتها أو قريباتها على الشاطئ كن بأمس الحاجة للخروج من البيت الذي تزلزل فوق رؤوسهن بفعل القصف الصهيوني المجنون، فهن لم يتوقعن أن يخرجن منه سوى شهيدات.

اكتظ شاطئ بحر غزة بالغزيين من أقصى شماله لأقصى الجنوب حتى لتظن ألا عدوان كان ولا ذعر ولا دموع ولا آلام كانت منذ أيام، فابتسامات الأهالي ترفرف في السماء كما الطائرات الورقية التي يمسك بخيوطها الأطفال، أولئك الذين تعالت ضحكاتهم فغطت على أصوات طائرات الاستطلاع التي لا تفارق سماء القطاع والشاطئ بالطبع.

*عودة للحياة

إنها الحياة تعود لغزة من جديد، وإن كانت ما تزال الجراح غائرة، والعيون على الدموع قابضة، فقد تعلمنا من كل الاعتداءات السابقة على القطاع أن النصر لا يكون بدون تضحيات وأن دحر المحتل وانسحابه لا يكون إلا بالفداء، وكلنا للقدس والمسجد الأقصى فداء.

"الشرق"التقت بأم عوض البطران البالغة 55 عاما، والتي قضت آخر 12 عاما منها وما تزال متطوعة في تحفيظ القرآن الكريم في المساجد وتقديم الدورات الدينية، كانت تجلس على مقعد قريب من الشاطئ تجاورها ابنتها فيما يسبح أطفالها في البحر قريبا منها والذين أكل الذعر قلوبهم بفعل القصف – وفق وصفها-.

وتقول لـ"الشرق":" جئت اليوم لمشاركة ابنتي وأحفادي جلستهم ورحلتهم، فأنا وإن كنت لا أخشى قصف المحتل وأوكل أمري كله لله، إلا أن الصغار لا يقدرون على تقدير الأمور مثلنا، فقد تعرضوا لخوف شديد، وكانوا بأمس الحاجة للخروج للشاطئ والركض والصراخ في الفضاء وتفريغ كل حملته قلوبهم من رعب".

وتضيف:" أحمد الله أن غزة تحظى بوجود بحر، فهو المتنفس الأوحد لكل الغزيين".

وتبين أم عوض أن المسؤولية في دعم أسرتها من ناحية نفسية في ظل القصف العنيف والتدمير كان واقعا عليها، تعبر:" مع كل صاروخ كنت أكبر بصوت عال وأقول اللهم اجعل نارهم بردا وسلاما على أهل غزة، فذلك الاحتلال الذي اعتدنا على إجرامه يرهبه تكبيرنا وصمودنا".

وتدعو الله أن لا تكون نهايتها إلا شهيدة بعد أن تصلي في المسجد الأقصى المبارك وتتحرر فلسطين.

أما الفتاة سحر البطران ذات السبعة عشر عاما، فقد غمرت نفسها في البحر ولم تمل، قائلة بابتسامة لـ"الشرق":" إنني أتخلص من كل ما اعتراني من خوف في العدوان، ففي كل لحظة عشتها في العدوان كنت أتوقع أن يسقط البيت فوق رؤوسنا، فأخبئ رأسي بذراعي وهذا رد فعل طبيعي، وحين كنت أسمع صوت صواريخ مقاومتنا تنطلق إلى المدن المحتلة التي نميزها بدقة، أعود لرفع رأسي بعز وقوة وأشعر بأن الأمل يتجدد في قلبي ويزول الرعب".

وتضيف: "أختي ذات العام والنصف كانت هي الأخرى تخفي رأسها في حضن أمي وتصرخ "طخ.. طخ"، الأطفال يكبرون ويترعرعون على صوت الصواريخ والقصف وكثيرا ما يستشهدون من القصف أيضا، لكننا صامدون حتى التحرير".

*تجديد الصمود

وتتبع: "ربما يتخيل الاحتلال أننا نعيش بأمراض نفسية بعد انتهاء العدوان، لكن صدقا إننا نخرج أقوى من الأول، وإن تعذبنا، ويتجدد فينا حب المقاومة والتحدي والصمود، وإن تأثرنا وتعبنا نفسيا".

فيما أم يزن أبو طبق -30 عاما- من شمال غزة والتي كان صغيرها يطير طائرة ورقية بحب فتقول: "كان الضرب عشوائيا ولم أعرف في أي اتجاه أروح، لأن الصوت والقصف في كل ناحية، اتخذت زاوية فإذ بابني ذي الخمس سنوات والذي أحتضنه بقوة يدعو كالكبار بصوت عال ويكرر "يا رب احمينا" أما الأكبر يزن ذي الثمانية فيقول "بدناش نموت، أخبريهم أننا لم نفعل شيئا". فذلك الصغير يظن أن الاحتلال لا يقصف ويستهدف إلا من فعل شيئا، لم يكبر بعد ليعلم أن الاحتلال أكثر إجراما مما قد يتصور العقل.

أما الطفل أمير فتنفس الصعداء حين علم أن عائلته ستزور البحر، جهز ملابسه من الأمس وانطلق صباحا للشاطئ يمرح ويسبح لكن الخوف ما زال يسيطر عليه فيقول لـ"الشرق":" الله لا يعيد القصف، فأنا بين الفترة والأخرى أتخيل أن صاروخا سيسقط علينا ونحن نسبح في البحر".

أيضا، الأختان فرح – 19 عاما- ومرح -15 عاما- اللتين كانتا تجلسان أمام الشاطئ والابتسامة لا تفارقهما، تتناولان التسالي وتحتسيان الشاي.. تقول فرح لـ"الشرق": "نحن مناصرون للمقاومة، وإن دمر الاحتلال الكثير وتجبر في عدوانه هذا، إلا أنني كنت سعيدة بمقاومتنا التي أبلت بلاء حسنا وأشفت صدورنا".

وتضيف:" انتهى العدوان لكنه لم ينته للأبد، وإن أتى فنحن جاهزون نفسيا ودينيا لذلك، ونحن صامدون وها نحن نسترجع قوتنا ونستجم أمام شاطئ البحر ونشحن أنفسنا من جديد بالأمل رغم الخوف الذي عشناه".

وتضيف:" تمنيت لو أن صواريخنا ظلت تضرب المحتل حتى دحرته عن بلادنا، حتى وإن كنت شهيدة، فأنا لست أفضل ممكن فقدوا أرواحهم في هذا العدوان، إنني أفدى المسجد الأقصى وفلسطين بروحي".

وهذا الشاب أحمد عفانة -18 عاما- يعود لحياته الطبيعية، يدور على الشاطئ ويبحث عن رزقه من خلال سلق وبيع الذرة الطازجة، وكذلك الطفل تامر أبو وردة الذي لم يتجاوز التاسعة، كان يدور بين الناس يبيع "الشتوي المغلف بالشكولاتة السمراء، ويحكي لـ"الشرق": "أتعب كثيرا وأنا أدور بين الناس لكنني أحب العمل، وأحب أن أسمع أمي ترضى عني حين أقدم لها ما جمعْته من مال يسير تشتري لنا به طعاما".

مساحة إعلانية