رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي

2093

قطاف الزيتون في فلسطين.. موسم تأكيد الارتباط بالأرض

24 أكتوبر 2021 , 07:00ص
معتز لوّا يقطف الزيتون
معتز لوّا يقطف الزيتون
غزة - حنان مطير

تقطّعت كلماتُ أم تامر القانوع بفعلِ دقاتِ قلبِها المتسارعة وهي تصارع العجين بذراعيها في وعاءٍ أمامَها، لكن ابتسامتَها ما خبأت عن مبسمِها وهي تتحدث عن غيرة أبي تامر عليها وهي خارجةٌ للعمل وإن تجاوزت الستّين.

برزت عروق أم تامر واشتدت في وجهها ويديها، وما تزال تلكُمُ كومة العجين تارةً وتداويها بزيت الزيّتون الطازج تارةً أخرى فتلين.

تحت ظلال جريد النخيل في مزرعة نماء اليانعة بأشجار الزيتون شرق جباليا في قطاع غزة أضحى العجين جاهزًا للتقطيع والرقّ ثم الخبز على نار الأحطاب فوق قطعة الصَّاج، لقد أوقد الشباب النار قبل دقائق بحُبّ، فيما انشغلت الصبايا بتقطيع حبات الطماطم الطازجة والفلفل الأخضر والثوم.

افترشت أم تامر الأرض غير آبهة بما قد يعلق بثوبِها من أتربة وأغبرة، وراحت تفرد العجين "بالشوبك" ثم بيديها وتلقيه فوق قطعة الصاج المتربعة على جمر الأحطاب، لقد بدت متمرّسةً لا تسمح لأحدٍ أن ينافسَها، حتى السيد ماهر حميد الذي سبقها ولفّ جبينَه بكوفيةٍ وشمّر عن ذراعيه ونزل يعارك كومة من العجين فصنعها بحبّ وإتقانٍ، لتَجْبُرَ أمّ تامر خاطره وتخبره أنها ممتازة.

فاحت رائحة خبز الصاجّ فداعبتْ أنوفَ الشباب المُجتمِعين لقضاء يومٍ تطوّعيّ يقطفون فيه الزيتون ويصدحون بالمواويل القديمة في أجواءٍ مبهجةٍ هي أشبه بعرسٍ تراثيّ فلسطيني، واقتربت "قلاية" البندورة على النضج وكذلك الشاي.

كان الشاب المتطوع علاء دردونة يقطف الزيتون بجد وسعادة، فهو لا يمل من العمل متطوعًا خاصة في الأعمال المتعلقة بالتراث إذ يجد نفسَه وسعادته في تلك الأعمال التي تشعره بارتباطه الوثيق بأرضه وتراب بلده يعبر:" وهل هناك ارتباط تراثي أكبر من الارتباط بأشجار الزيتون العريقة؟ إنها سحر الماضي والحاضر".

*عُمال المزرعة

في جانب آخر من المزرعة وتحت شمس الظهيرة الحارّة يتسلقُ الشباب أشجار الزيتون وآخرون يعتلون السلالم ويقطفون حبات الزيتون الخضراء، لقد جاؤوا عاملين بعد أن انتظروا هذا الموسم عامًا كاملًا ليحصلوا على رزقٍ يسير وينعشون أيامهم شيئا ولو قليلًا خلال عدة أيام.

محمد لَوَّا -27 عامًا- أبٌ لطفلين، درس إدارة الأعمال وتخرّج عام 2016، لم يترك مؤسسةً إلا ولجأ لطلب العمل معها، لكنه صُدِم بواقع البطالة، حتى ملّ البحث عن عملٍ.

يقول لـ"الشرق":" أيقنتُ أن دراستي الجامعية لن تسعفني في تحصيل قوت يومي من خلال وظيفةٍ تناسب تخصصي، فنحّيتُ التفكير بذلك جانبًا، وبحثت عن عمل آخر". ويضيف:" لم أجد غير الأرض تحتضنني فعملت في الحرث بالمِجرَفة "الطورية" كلما طلب أحدهم مني ذلك، وفي جمع سنابل القمح في موسمها وغيرها من الأعمال اليومية التي قد تتوفر يومًا ولا تتوفر أيامًا أُخَر".

ويصف محمد أن مشاعره كانت سيئة للغاية حين طلب منه ابنه ذات ليلةٍ أن يعطيه "شيكلًا" واحدًا ليشتري شيئًا من الحلوى من السوبرماركيت، فلم يكن يملكه، وأخبره أنه سيعطيه الشيكل صباح الغد.

يعلق:" لم أنَم ليلتي وانطلقت من الفجر كالمجنون أدور في الشوارع، أتنقل من مصنع لآخر ومن محل لثاني وثالث علّني أجد من يشغّلني معه".

ويقضي محمد أيامًا في موسم قطاف الزيتون الذي ينتظره على نار من العام للعام التالي، فهو مصدر رزقٍ يسير يأتيه فيخفف عنه عناء الأيام وفقر الحال.

يقول:" الشمس حارة والعمل مرهق لكن ذلك لا يهم أمام توفير رزقٍ يسير يحفظ لنا كرامتنا في هذه الأيام الصعبة".

ويضيف:" لا تمرّ ساعة إلا ونتحدث عن الحال الذي وصل إليها الشباب في غزة لكننا سرعان ما نعود للحديث عن أمور إيجابية تخفف عنا وتسعد ساعاتنا".

*ظروف صعبة

أما معتز لَوّا فهو الآخر قريب محمد، تخرج قبل عام من الجامعة بتخصص المحاسبة، متزوج منذ عمر 18 ولديه 4 أطفال يعيش على المساعدات الخيرية من الجمعيات، بسبب عدم توفر فرصة عمل تعيله وتعيل أسرته، لكنه لا يدخر وقتًا ولا جهدًا في النبش عن عمل.

يقول: "أعمل يومًا وأبحث عن عمل عشرة، هذه هي حياتنا في غزة، حتى يأتينا موسم قطاف الزيتون فأنطلق من الفجر أقضي وقتًا جميلًا في العمل برفقة العمال الذين يعيشون نفس ظروفي".

ويضيف:" يرهقنا العمل لكن ذلك أمر اعتيادي مقابل توفير شيء من المال، نفطر سويًا ونصنع إبريق شاي على النار ونتحدث عن أحوالنا ونغني المواويل لتنتهي الساعات سعيدة ونعود لبيوتنا برزق يسير". ويعلق:" يا ليت موسم الزيتون لا ينتهي".

ومجد صالح -30 عامًا- الذي كان يتربع وسط شجرة الزيتون ويستمع لإحدى الأغنيات عبر أثير إحدى الإذاعات، يخبر "الشرق" أنه نام مبكرًا بعد صلاة العشاء مباشرةً وكله شوق لبزوغ الفجر كي ينطلق للعمل في مزرعة الزيتون، يمتع نظرَه بخضرتها وسمعَه بأصوات طيورها، ويجني رزقه اليومي اليسير على مدار بضعة أيام لا أكثر.

ورغم أن الكثير من طقوس الاحتفال بموسم قطاف الزيتون قد اندثرت، لكن الفلسطينيين يعدون هذا الموسم أشبه بعرس فلسطيني يعود بهم لماضي الأجداد الجميل قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948، وترتدي فيه النساء والصبايا والطفلات الثوب الفلسطيني المطرز، ويتزيّنَّ بالكوفية ويصدحون بالأناشيد الوطنية والمواويل التراثية، وتُنظّم فيه المؤسساتُ الرحلاتِ والفعاليات الوطنية لإحياء زمن التراث الجميل.

مرّ الساعات فعدت إلى أم تامر والشباب من حولها وقد انتهت من تجهيز الخبز وباتت مقلاة البندورة جاهزة وأطباق الزعتر والزيت مصفوفةً وإبريق الشاي بنكهة النار يفوح برائحة النعناع فينعش معدتي وكلمتي.

سكبته لي في كأسي الشابة بسمة بابتسامتها اللطيفة وروحها الإيجابية العالية، وقد تألقت بالثوب الفلسطيني الأنيق لتبدو كجوريةٍ في بستان منطقة جباليا الشرقية.

مساحة إعلانية