رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

اقتصاد محلي

152

يستعرض لـ"الشرق" الإدارة المالية الناجحة والاستثمار الآمن..

الخبير الاقتصادي محمد البهزاد: أطالب بتدريس التخطيط المالي كمادة إلزامية لطلاب الثانوية

06 يوليو 2026 , 07:00ص
الشرق
❖ حوار - سيد محمد

- 3 نصائح ذهبية لكل موظف جديد وصندوق الطوارئ أولاً

- أقترح إصدار سجل تجاري منزلي للموظفة المحالة للتقاعد

- الكثير من الشباب للأسف «يطلع من شلة يطيح في غيلة»

- الراتب الأول اختبار لقدرة الموظف على حسن إدارة المال إدارة جيدة

 

ملف الاستهلاك والقروض والإدارة المالية الناجحة لتسيير ميزانية الأسرة تسييرا سليما، أو إدارة راتبك إدارة معقلنة، أو تنفيذ مشروعك بالشكل الذي يضمن نجاحه، كلها أمور تؤرق كل فرد، سواء من تمكن من تخطيها وتجاوزها بنجاح، أو سواء من سقط في براثنها وأخذته الديون والقروض إلى مآلات لم تكن في الحسبان. في هذا اللقاء الثري والحصري مع الخبير الاقتصادي السيد محمد يوسف البهزاد، الذي راكم تجربة تنموية ناجحة في مختلف المجالات من إدارة القطاعات المعنية بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وانتهاء بالمنظمات الإقليمية والدولية، وإدارة التخطيط الاقتصادي، للحديث حول هذا الملف الشائك الذي يهم كل واحد منا، سواء في بيته أو مشروعه أو شركته. 

وفيما يلي نص اللقاء: 

 بما أن حديثنا سيتركز حول الاستهلاك والانفاق الأسري، لأهمية ذلك في الحياة العامة للمجتمع ولتأثيره كذلك على الدورة الاقتصادية للبلد.

◄ ما أكثر الأخطاء المالية التي يقع فيها الموظفون الجدد عند استلام أول راتب؟

 نتيجة لبعض المفاهيم المغلوطة وغير الدقيقة في أذهان بعض الموظفين القطريين خاصة في القطاع الحكومي، حيث بعضهم يعتقد أن الراتب الوظيفي سيستمر في التدفق دون انقطاع وإلى أمد بعيد، وهناك فئة أخرى تعتقد بأن الراتب الأول هو اختبار لقدرة الموظف على الانفاق والشراء وليس اختبارا لقدرته على حسن إدارة المال إدارة جيدة، مما يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات مالية متسرعة – يندم عليها لاحقا - منها على سبيل المثال لا الحصر، أنه منذ استلام الراتب الأول يبدأ الموظف مسلسل القروض الاستهلاكية اللا منتهية، ( يطلع من شلة يطيح في غيلة) كما يقول المثل الشعبي الخليجي. وذلك لغرض التمتع باقتناء السلع الكمالية ناهيك عن قروض الزواج والمناسبات والسكن، وقد يبتاع سيارة فارهة تفوق قدرته المالية وترهقه بأقساطها العالية، وذلك في بداية حياته المهنية، وقبل تكوين قاعدة مالية متينة يستند إليها في الانفاق والاستثمار لاحقا، اضف إلى ذلك الافراط عند مشترياته في استخدام البطاقات الاتمانية دون تحسب لتبعاتها لاحقا من أقساط أو كشف حسابه البنكي، وتقليد نمط حياة الآخرين بتطلعاته البورجوازية والاورستقراطية بدخله الحالي المحدود، وعدم تخصيص جزء أساسي ثابت منتظم من دخله للادخار. ويفترض أن الراتب الأول ليس نقطة انطلاق نحو الاستهلاك الكبير، بقدر ما يجب اعتباره نقطة انطلاق لبناء مستقبل مالي مستقر، يضمن له حياة كريمة حاليا ومستقبلا دون ضغوطات.

◄ من وجهة نظر اقتصادية وعلمية، كيف يوازن الموظف بين الاستمتاع بالراتب في حياته الاجتماعية، وضمان عدم التبذير والدخول في مشاكل مالية؟

 من المهم التذكير هنا بأنه من المعلوم لدى الجميع أن الراتب الشهري جعل لتحسين جودة حياة الموظف، لا تقييدها بالديون وأقساطها الشهرية المرهقة، ولذلك المطلوب هو الوسطية والتوازن في تنظيم المحاور الأساسية لحياة الموظف وهي (الادخار والإنفاق والاستثمار). ويمكن للموظف في بداية حياته المهنية – إذا ما أراد استقرارا ماليا في حاضره وبناء ثروة في مستقبله -، أن يلتزم بالحد الأدنى من الثقافة المالية والتخطيط المالي، فيقوم مثلا بوضع ميزانية مالية ثابتة يجدول فيها راتبه الشهري مبدئياً على النحو التالي: للمصاريف الأساسية 60 %، للادخار 20%، للاستثمار 10%، ثم للترفيه والهوايات 10 %، وبهذه الطريقة يستمتع الموظف بحياته دون أن يضحي بتوازنه الاقتصادي الحالي ومستقبله المالي.

◄ هل يمكننا تصنيف ضعف الثقافة المالية على انها سبب رئيسي لتراكم الديون لدى بعض الموظفين وعدم استقراء عواقبها المستقبلية؟

 نعم بلا شك، لكن من متابعتي الحالية للممارسات الاقتصادية للجيل الحاضر- وإلى حد كبير ولله الحمد بدأت هذه الظاهرة تنحسر تدريجيا ولأسباب كثيرة، أهمها نماء الوعي المالي والاقتصادي لدى معظم جيل الشباب المعاصر بسبب التعليم واللغات الأجنبية، والسفر والاحتكاك بالأجنبي، وتوافر البدائل الاقتصادية العديدة، ودعم ومساندة الدولة في اقتصاد الرفاهية، ثم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ولله الفضل والمنة، ( والله لا يغير علينا ). وربما هناك فئة شبابية مراهقة ما زالت دون الوعي والتخطيط المالي لكنهم قلة، ( والمعروف أن شواذ القاعدة ليس معيارا يؤخذ به في قياس الظاهرة الاجتماعية المالية).

◄ هل يمكن النظر لمحدودية الراتب على أنه عائق اساسي للتخطيط المالي المنظم للحياة الاقتصادية لدى الموظف أو العامل ؟؟ 

 المشكلة ليست في حجم الراتب بقدر ما هي في طريقة إدارته وتوزيعه. فكثير من الشباب يبدأ حياته المهنية براتب جيد، لكنه يفتقر إلى المعرفة المالية المتعلقة بالميزانية المنظمة للعناصر الأساسية الثلاثة ( الادخار، الانفاق والاستثمار) ولاحظ اولها في الترتيب جاء من قاعدة ذهبية مفادها: ادخر ثم انفق وليس العكس. بطبيعة المنطق المالي، حينما تدخر الآن تستطيع ان تنفق وتستثمر لاحقا.

أما المقولة الشعبية التي مفادها: «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» هذه مدعاة للتفاؤل، وابعاد شبح البخل والتقتير عن الفرد خاصة في انفاقه على العائلة والالتزامات الأسرية الضرورية. لكنها لا تصلح لإدارة الأموال بنجاح. لأن الإدارة المالية الناجحة تقوم على التخطيط وليس على التوقعات أو المآلات المحتملة.

وبالمناسبة، يلاحظ في قطر، كما في كثير من الدول الخليجية، أن هناك بعض الأفراد يقعون تحت ضغط اجتماعي يدفعهم إلى الإنفاق الاستعراضي على السيارات والسفر والكماليات والعزب والشاليهات، قبل بناء قاعدة مالية قوية خاصة في بداية حياته الوظيفية ( الراتبية ).

◄ في ضوء هذه المعطيات التي تتعلق بالموظف والعامل أساسا، هل يمكننا تقدبم خطة تتضمن نسباً مثالية لتوزيعات الراتب الشهري؟

 في الحقيقة، لا توجد نسب نموذجية موحدة، تناسب الجميع لأنها معيارية تقديرية، لكن في الواقع العملي، الحد الأدنى من المنطق المالي المتبع في اغلب دول العالم، تكون ما بين 50 إلى 60 % للمصاريف الأساسية، وما بين 15 إلى 20 % للادخار، وما بين 10 إلى 15 % للاستثمار، وما بين 10 إلى 15 % للترفيه. وكلما اخذت بالحد الأقصى لتلك المعدلات النسبية كان أجدى لك ماليا. كما ينبغي على الموظف ان يضع في اعتباره، انه كلما ارتفع الدخل/‏‏ الراتب، ينبغي أن ترتفع معه نسبة الادخار والاستثمار، لا نسبة الإنفاق. خاصة الانفاق الاستهلاكي بالممارسات الشرائية المبالغ فيها نسبيا، لأنه لو زاد عن حده المعقول، ساهم مباشرة في زيادة حدة التضخم وارتفاع الأسعار القياسية. مما ينتج عنه تآكل القوة الشرائية تدريجيا وانخفاض الدخل الحقيقي للموظف المستهلك.

◄ في ضوء هذه المقاربة الممتازة للتسيير المالي والاستثمار، كيف يمكن للموظف البدء في بناء ادخار حقيقي حتى لو كان راتبه محدوداً؟ 

 الادخار لا يبدأ بالمبلغ الكبير، بل بالعادة المالية الصحيحة الدائمة المستمرة، من منطلق قاعدة « قليل مستمر خير من كثير منقطع «. وفي العرف المالي المتبع، مثلا إذا ادخر الموظف 20% فقط من راتبه شهرياً بشكل منتظم، فإنه سيبني خلال سنوات قليلة احتياطياً مالياً مهماً، يستطيع معه بدء الاستثمارعلى هامش وظيفته المعتادة.. وهنا، يجب التمييز بين الثراء الحقيقي ومظاهر الثراء؛ فالثراء الحقيقي يبنى بالادخار، والاستثمار، وتملك الأصول من ( اسهم، سندات، عقارات، مصانع، مزارع، شركات انتاجية..). بينما مظاهر الثراء تبنى بالديون والقروض.

◄ هل يمكننا أن ننصح جمهور القراء، أفرادا ورجال أعمال، وهل الأفضل البدء بالاستثمار مباشرة أم ببناء صندوق طوارئ أولا ؟

 في تقديري المتواضع، الأولوية يجب أن تكون لصندوق الطوارئ ، حيث ينبغي أن يمتلك الموظف احتياطياً ماليا يغطي به من 3 إلى 6 أشهر إن لم يكن عاما، مصروفاته الأساسية الضرورية، قبل التوسع في الاستثمار. لأن ( ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع )، ولأن الاستثمار قد يحقق عوائد، لكنه ينطوي أيضاً على مخاطر، بينما صندوق الطوارئ يوفر الأمان المالي عند فقدان الوظيفة لأي سبب من الأسباب، نتيجة حدوث ظروف غير متوقعة، وهذا من وحي القاعدة الذهبية القائلة: الأمان أولاً، والاستثمار ثانياً.

◄ للخروج من هذا الحديث الشيق بخلاصات عملية، ما أهم نصيحة مالية تقدمها لكل موظف قطري جديد، وما النصائح العامة التي يمكن أن نسديها للمجتمع ككل فيما يخص ترشيد الانفاق والاستهلاك دون المساس برغبة الأفراد في الرفاه وتحقيق متطلبات الحياة بأريحية ومرونة؟

 إذا أردت مني تلخيص الأمر في نصيحة واحدة فسأقول: «عش أقل من دخلك اليومي، لكي تعيش أفضل من غيرك غداً»، وأضيف عليها ثلاث قواعد ذهبية: أولها، لا تأخذ قرضاً استهلاكياً إلا للضرورة القصوى بأي حال من الأحوال، والثانية، ادخر قبل أن تنفق، وليس العكس، والثالثة، استثمر في تطوير معرفتك ومهاراتك المهنية بنفس قدر استثمارك في أموالك. وأفضل استثمار في السنوات الأولى من العمل ليس فقط في الأسهم أو العقارات فحسب، بل في الإنسان نفسه وقدراته ومواهبه وابداعاته، لأن زيادة المعرفة والمهارات الذاتية هي أسرع طريق لزيادة الدخل وتحقيق الاستقلال المالي. واقول لجموع الموظفين وهم الأغلبية الساحقة في قطر، حيث اقتصاد قطر يعرف «باقتصاد الأجور»، وخاصة الجدد او المستجدين منهم: أن الراتب الأول ليس اختباراً لقدرتك على الإنفاق والشراء، بقدر ما هو اختبار لقدرتك على إدارة المال ادارة مالية ناجحة سعيا لتأمين مستقبلك وأسرتك في تكوين تدريجي لثروة حقيقية وتحقيق استقرار مالي، بعيدا عن المغامرات والمقامرات غير المحسوبة. وعليه، فمن يكتسب العادات المالية الصحيحة في أول سنة مالية من حياته المهنية، غالباً ما يحقق استقراراً ماليا وثروة ويكون حظه جيدا وأكبر بكثير، ممن يبدأ براتب أعلى، لكنه يفتقد الانضباط والتخطيط المالي للحاضر والمستقبل. لماذا ؟؟ لأن «النجاح المالي لا يصنعه حجم الدخل وحده، بل تصنعه حسن إدارة الدخل».

◄ ختاماً ما أهم توصياتك التي توصي بها المستهلكين عامة في المجتمع القطري؟

 بعد كل ما تحدثنا عنه، أقترح مبدئيا التوجه نحو ما يلي: تدريس مادة التخطيط المالي كمادة الزامية في المرحلة الثانوية (الأول الثانوي)، واصدار سجل تجاري منزلي، للموظفة القطرية المحالة للتقاعد المبكر أو حين بلوغ السن القانونية لها، لمساعدتها على ادارة مشاريعها التجارية الخاصة بمنزلها، وانشاء جمعية أهلية لحماية المستهلك، تسعى للتنسيق والدعم والمساندة لادارة حماية المستهلك الحكومية، لتحقيق أفضل النتائج لكافة المستهلكين من الجنسين بمختلف أعمارهم وخبراتهم المتنوعة.

مساحة إعلانية