رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ثقافة وفنون

1632

"غوغان".. شاعر اللون

05 يناير 2014 , 09:40ص
الشرق
د. عبدالرازق عكاشة

كانت المسافة بين قريتي عرب الرمل بجوار بنها التي يقطعها القطار بسرعة عابراً الكوبرى الحديدي ضمن سلسة كباري صنعها المحتل الإنجليزي للسيطرة على أطراف مصر من مشرقها حتى مغربها، من القاهرة إلى الاسكندرية حتى الصعيد، على هذا الكوبرى الحديدي كانت أحلامي تقفز من الشباك الخشبي المتهالك والزجاج المكسور إلى وسط نهر النيل حيث مراكب الصيادين وحقول الفلاحين.

بعد مدينة بنها تزيد سرعة القطار وتزيد معه نبضات قلبي وطموحي أتوق عشقا إلى القاهرة حاملا أوراقي التي سوف أتقدم بها إلى سفارة فرنسا وأسبانيا في ذاك الوقت من عام 1992 كان جواز سفرى أبيض.. الصفحات جديدة لم تلمسها أختام السفارات ولا شعارات الغربة، غلافه زيتي تشعر بالحرج منه في القنصليات التي تعطي في العادة تأشيرة الرفض لأن الحرب العربية مشتعلة بين العراق والكويت، لكن أحلامي ملونة باللون الوردي، طموحي أكبر من حجم فضاء جوازي الذي يضع في الجيب، أحلامي تسابق الزمن وتخرج من قلب شاب على مشارف الثالثة والعشرين يحلم بأن يتبدل قطار حياتة بالطائرات ومحطات العمر: بنها قويسنا، عرب الرمل، القاهرة.. بمدريد برشلونة باريس.

باريس، حين ترن هذه الكلمة في أذني. أعود إلى الوراء مستنداً على ظل شجرة الأمل على صوت أقوى من الفعل وعلى فعل أقوى من ردته. بعد أن كنت أهرب وأتوه بين أفكارى لأجد نفسي أزحف إلى مقدمة القطار أريد أن أقوده بدلا من السائق لعلي أصل مبكرا بسرعة لكن إلى أين؟ إلى المتاحف ومشاهدة أعمال غوغان شاعر اللون والقصيدة الملونة في الفضاء البصري الخلاب.. إلى سيزان سيد التجديد ومعلم الضوء وساحر الجمال، إلى فان جوخ وحقول القمح الذهبية، الحزينة رغم شمسها الحارقة في اللوحة، فيها قسوة من عطر صديقة غوغان المتهم بقطع أذنه وحفيد جورج صاند، كانت أعمال فان جوخ تحمل قسوة زمان غوغان تاجر الأقطان الذي داهمته أحلام الطفولة على كبر في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين الماضي، ففكر في الرسم وترك ثروته وشغله وأقطانه من أجل زمانه الإبداعي الجديد، عاد ليتذكر رحلات ترحاله مع جدته المناضلة الشيوعية اليسارية ضد الرجال، الروائية الشاعرة والثائرة ضد حاكم فرنسا والتي تزوجت شوبان الموسيقار الفذ، "جورج صاند" الاسم الحركي لها، لكن هل تجارة الأقطان والبورصة في حياة غوغان تشبه التجارة والاقطان في قريتي وجرن الجمعية الزراعية الذي كانت تتجمع فية اكياس القطن فنسهر نلعب عليها طول الليل.

شاعر اللون وسيد اللوحة الحديثة، لصوت المطر عند العابرين شقاوة وللظل عند الرسامين جماليات، ولشمس غوغان أمل عند المشاهدين، مسكين هذا الفنان الذي ضحى بكل شىء من أجل فنه، وشمس لا تغيب عن ظهيرة اللوحة تنازل عن الحياة المادية وعشق الترحال, دخل عالم الإبداع سكنه الجنون وسكن الفن قلبه، حياة عامرة بالتناقضات بالغنى والثراء. تنازل عن ملابس النبلاء واستبدلها برائحة زيت الرسم الصعبة على أنوف السيدات.

غوغان لم يكتف بجن الفن الذي سكنه، لكنه بحث عن جن آخر اسمه الترحال، السفر والبحث عن الأمان، البحث عن الحب, الصدق في أرض لم تدمرها الانتهازية والغدر والحقد، بحث عن عاشقات من نوع جديد، هن عناقيد كرز ليست للشهوة العابرة، جمالهن بربري يقتسمه مع الجمهور، نساء عوالم أخرى لم يرسمهن أحد من قبل أو يقترب أو يتحدث عنهن أغنياء أوروبا، مستلهمًا إبداعه من هناك في أقاصي المحيط الهادي: (تاهيتي).

وصفة سحرية قدمها غوغان وحده، غوغان كان نبيلاً مع أصدقائه حين كان ثرياً كان يشتري ويبيع أعمالهم حتى يساعدهم على صعوبات الحياة كان يساعد بيسار ومونيه وسيزان لدرجة أنه أخذ شهرته كمقتن على حساب الفنان لكنه حين دخل معترك الفن لم يجد من يقف بجانبه.. اعتبره الرمزيون إماماً لهم والنقاد أضافوه مجاملة إلى الانطباعيين، وهو أضاف نفسه إلى البدائيين، وهناك من يقول إنه مصدر من مصادر "الوحشية".

مساحة إعلانية