رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي alsharq
نتنياهو وترامب.. الاستيطان أولاً ( تقدير موقف للمركز العربي للأبحاث)

أثار فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية البهجة لدى الحكومة الإسرائيلية وعند قطاعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما في أوساط اليمين واليمين المتطرف. واعتبرت حكومة بنيامين نتنياهو فوز ترامب فاتحة مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقات مع الإدارة الأميركية بعد سنوات من التوتر في العلاقات مع إدارة باراك أوباما، وأنه يمنح إسرائيل فرصةً تاريخيةً للقيام بحملة استيطانية في جميع أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة. وتشير دراسة "تقدير موقف" للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنسبة للجانب الإسرائيلي وقضية الإستيطان، وحصلت"بوابة الشرق" نسخة منها أنه بعد فوز ترامب، أجرت حكومة نتنياهو سلسلةً من الاتصالات معه ومع مساعديه، وتعززت هذه الاتصالات بين الطرفين عشية تولي ترامب مقاليد الحكم رسميًا وبعده. وهدف نتنياهو من هذه الاتصالات إلى التعرّف إلى توجهات ترامب ومواقفه بعد تشكيل إدارته الجديدة إزاء جملة من القضايا في مقدمتها الاستيطان اليهودي في المناطق الفلسطينية المحتلة. فالتجارب الماضية أثبتت أنّ ثمة فروقًا بين ما يصرّح به المرشحون لرئاسة أميركا أثناء الحملة الانتخابية وبين موقفهم وتوجهاتهم بعد توليهم مقاليد الحكم. وفي هذا السياق، أرسل نتنياهو سرًا كلًا من رئيس الموساد يوسي كوهين والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي يعقوب نيجل إلى الولايات المتحدة مرتين للاجتماع مع مستشاري الرئيس ترامب بغية التعرّف إلى المواقف وتبادل المعلومات وتنسيق المواقف بين الجانبين. وقد جرت الزيارة الأولى في بداية كانون الأول/ ديسمبر 2016 أما الزيارة الثانية فكانت في الثامن عشر من كانون الثاني/ يناير 2017، أي قبل يومين من تنصيب ترامب رئيسًا. وقد اجتمعا بمستشار الأمن القومي الجنرال السابق مايكل فلين ومسؤولين آخرين. وفي السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير أيضًا زار إسرائيل رودي جولياني رئيس بلدية نيويورك السابق، المقرّب من الرئيس ترامب، واجتمع بنتنياهو ونقل له رسالةً من ترامب، لم يكشف النقاب عنها ويُعتقد أنها تطرقت إلى قرارات إسرائيل بشأن الاستيطان تمهيدًا للقاء نتنياهو بترامب. استقبال ترامب بالاستيطانوتقول الدراسة أنّ سلسلة الاتصالات والمشاورات التي أجرتها حكومة نتنياهو مع مستشاري ترامب وإدارته الجديدة، التي تجاذبتها اتجاهات متناقضة بشأن الموقف من الاستيطان والقضية الفلسطينية، خلقت انطباعًا لدى نتنياهو بأنّ قيام إسرائيل بحملة استيطانية مكثفة في هذه الفترة لن تقود إلى رد فعل سلبي أو حاد من إدارة ترامب، ولا سيما في ضوء دعم تصريحات ترامب للاستيطان في حملته الانتخابية. ويبدو أن نتنياهو أراد أن يستغل الأيام الأولى من رئاسة ترامب، لتعزيز الاستيطان ووضع الإدارة الجديدة أمام الأمر الواقع، قبل أن تبلور سياساتها النهائية بشأن الاستيطان. وبعد تولي ترامب مقاليد الحكم بيومين، أعلن نتنياهو، في اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي السياسي - الأمني "الكابينيت"، أنه قرر إزالة جميع القيود السياسية المفروضة على بناء الوحدات السكنية في القدس الشرقية المحتلة، وأكد في الوقت نفسه أن جميع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية. وفي اليوم نفسه، أقرت بلدية الاحتلال في القدس الغربية بناء 556 وحدة استيطانية في القدس الشرقية المحتلة. وكانت بلدية الاحتلال قد أقرت بناء 450 وحدة استيطانية سكنية في القدس الشرقية المحتلة فور الإعلان عن فوز ترامب في انتخابات الرئاسة. وفي الرابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي أعلن نتنياهو ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان أنهما أقرا بناء 2500 وحدة سكنية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وفي الحادي والثلاثين من الشهر نفسه أعلن ليبرمان أنه أقر بناء 3000 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة الفلسطينية المحتلة. وفي السابع من شباط/ فبراير الجاري أقر الكنيست قانونًا خطيرًا للغاية يستبيح الأراضي الفلسطينية المحتلة ويمكّن سلطات الاحتلال الإسرائيلية من نهب الأراضي الفلسطينية الخاصة والعامة في الضفة الغربية المحتلة ومصادرتها ومنحها للمستوطنين الكولونياليين اليهود، ويمنح في الوقت نفسه صفة قانونية للبؤر الاستيطانية اليهودية التي أقامها المستوطنون اليهود عنوة على الأراضي الفلسطينية الخاصة في العقود الماضية. ردات فعل إدارة ترامبوترى دراسة المركز العربي للأبحاث، أنه خلافًا لمواقف الإدارات الأميركية السابقة في العقود الخمسة الماضية وخلافًا لموقف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أجمع على إدانة قرارات إسرائيل الاستيطانية، لم تدن إدارة ترامب هذه القرارات وكذلك لم تدن قانون نهب الأراضي الفلسطينية الذي سنّه الكنيست. بيد أنها أصدرت بيانًا أوضحت فيه أنها لا ترى أن المستوطنات القائمة تشكل عقبة أمام تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن توسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة قد يشوّش على عملية السلام بينهما. وأوضح البيان أن إدارة ترامب الجديدة لم تبلور بعد سياستها الرسمية تجاه الاستيطان ولكنه أشار إلى أن رغبة الولايات المتحدة في تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ما زالت قائمة من دون تغيير منذ نحو خمسين عامًا وأن بناء مستوطنات جديدة أو توسيع المستوطنات القائمة خارج حدودها الحالية قد لا يفيد تحقيق هذا الهدف؛ وهو موقف مخفف للغاية، من حيث الانتقال من اعتبار الاستيطان غير قانوني وغير شرعي إلى اعتباره عقبة أمام السلام، ثم إلى اعتباره "غير مفيد" في تحقيق السلام. وفي مقابلته في العاشر من شباط/ فبراير الجاري مع صحيفة يسرائيل هيوم، المؤيدة لنتنياهو والتي يصدرها الملياردير اليهودي الصهيوني المتطرف شلدون اديلسون، قال ترامب "إن الاستيطان لا يساعد عملية السلام، فالأرض التي بقيت محدودة، وكلما تأخذ أرضًا للمستوطنات تبقى أرض أقل. فالمستوطنات ليست شيئًا إيجابيًا في ما يخص التوصل إلى السلام، وأنا لا أعتقد أن بناء المستوطنات يساعد في تحقيق السلام". وأكد ترامب في هذه المقابلة أنه يسعى للتوصل إلى صفقة مرضية بين إسرائيل والفلسطينيين. وأضاف أنه "يعمل معي العديد من الأشخاص الأذكياء الذين يعرفون إسرائيل والفلسطينيين ويقولون إنه ليس بالإمكان تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. أما أنا فأعتقد إنه بالإمكان التوصل إلى سلام بينهما، وينبغي فعل ذلك". أما في ما يتعلق بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس فقد قال ترامب، بعد طرح السؤال عليه ثلاث مرات، وبعد حديثه عن ضرورة تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، قبل أن يجيب عن هذا السؤال، إنه يدرس الموضوع وإن هذا ليس قرارًا سهلًا ولم يشأ أحد أن يتخذ هذا القرار، و"أنا أفكر بهذا الأمر بشكل جدي للغاية وسنرى ماذا سيحدث". مشاورات نتنياهو قبل الاجتماععقد نتنياهو في الأسبوع الأخير عدة اجتماعات تمهيدًا للقائه بالرئيس ترامب، شارك فيها قادة الأجهزة الأمنية وفي مقدمتهم رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) ورئيس الموساد ورئيس قسم الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية ورئيس لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي وكبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي وفي وزارة الخارجية وسفير إسرائيل في واشنطن. وجرى بحث جملة من الموضوعات في هذا الاجتماع، والتي ستطرح في لقاء نتنياهو مع ترامب وشملت العلاقات الثنائية الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة وكيفية تعزيزيها، والقضية الفلسطينية ولا سيما الاستيطان الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة، والملف النووي الإيراني ودور إيران في المنطقة، والوضع في سورية والعلاقات الإسرائيلية والأميركية مع الدول العربية. ويوضِح حضور رئيس لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية هذه الاجتماعات بأن موضوع الملف النووي الإسرائيلي والموقف الأميركي منه قد نوقش فيها. وفي الثاني عشر من شباط/ فبراير الجاري عقد نتنياهو اجتماعًا للكابينيت السياسي – الأمني خُصص لبحث اجتماعه مع ترامب، واستمر أكثر من أربع ساعات. وساد اتفاق في هذا الاجتماع على معظم القضايا التي جرى طرحها باستثناء القضية الفلسطينية التي استحوذت على وقت كبير فيه؛ فقد طلب نفتالي بنيت وأييلت شاكيد من حزب البيت اليهودي أن يعرض نتنياهو على ترامب موقفًا واضحًا يعارض "حل الدولتين"، ويرفض إقامة دولة فلسطينية في المناطق الفلسطينية المحتلة، وأن يشير إلى أن إسرائيل ستستمر في الاستيطان في مختلف أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة، وأن يطلب من ترامب أن لا تضع إدارته قيودًا على استمرار الاستيطان اليهودي في المناطق الفلسطينية المحتلة. وقد تحدث عدد من وزراء الليكود في الاجتماع وتبنوا مواقف مشابهة لموقفهما. وفي ضوء ذلك، كشف نتنياهو النقاب في هذا الاجتماع عن مضمون محادثته الهاتفية التي أجراها مع ترامب بعد يومين من توليه الرئاسة. وأخبرهم نتنياهو بأن ترامب كان معنيًا في معرفة موقف نتنياهو من العملية السلمية، وسأله إن كان يريد السير في العملية السلمية مع الفلسطينيين وكيف سيكون ذلك؟ فأجابه نتنياهو بأنه يؤيد حل الدولتين ويؤيد التوصل إلى حل دائم مع الفلسطينيين، وأنه حمّل القيادة الفلسطينية مسؤولية فشل المفاوضات لرفضها الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ورفضها تقديم التنازلات. وقال نتنياهو إن ترامب أجابه بأن "الفلسطينيين يريدون التوصل إلى سلام دائم وأنهم سيقدمون تنازلات"، وأن ترامب يؤمن بإمكانية التوصل إلى صفقة بين إسرائيل والفلسطينيين، وأنه يتعين الأخذ في الحسبان "طابع شخصية ترامب"، وينبغي أن "نكون حذرين وألا نفعل أمورًا تقود إلى المواجهة وكسر ما لا يمكن إصلاحه معه". وأضاف نتنياهو بأنه سيؤكد لترامب التزامه بحل الدولتين وأنه سيحمل الفلسطينيين مسؤولية عدم التوصل إلى حل. يسعى نتنياهو في اجتماعه الأول مع الرئيس الأميركي ترامب إلى بناء علاقات ثقة شخصية وإلى التوصل إلى فرضيات عمل مشتركة بينهما بشأن مصالح إسرائيل الإستراتيجية والتفاهم على الخطوط الحمراء. ويسعى نتنياهو للتوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الأكثر حيوية لإسرائيل والتي تشمل العلاقات الثنائية بين إسرائيل والولايات المتحدة بما في ذلك الموقف الأميركي من السلاح النووي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني والنفوذ الإيراني في المنطقة، ولا سيما في سورية، و"الإرهاب"، والوضع في سورية، والسعي لتطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية قبل إيجاد حل للقضية الفلسطينية. وفي ما يخص العلاقات الثنائية بين الدولتين، يسعى نتنياهو إلى تجديد التزام الإدارة الأميركية الجديدة في الحفاظ على تفوق إسرائيل النوعي في الأسلحة التقليدية المتطورة على جميع الدول العربية وإيران. وكذلك تجديد التفاهم السري بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن حيازة إسرائيل للسلاح النووي. أما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية فعلى الرغم من أن نتنياهو عمل ويعمل كل ما في وسعه لمنع قيام دولة فلسطينية، ومع أن مشروعه الأساسي في ما يخص هذه القضية هو توسيع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة وتعزيزه، فإنه سيطرح في هذا الاجتماع أنه يؤيد "حل الدولتين" كمناورة مع أنه يعلم أن أميركا لا تضغط لتطبيق حل ما، بل "ترضى بأي اتفاق يتوصل إليه الطرفان" كما ورد أكثر من مرة في عبارات ترامب الضبابية. وفي الوقت نفسه، سيحاول التوصل إلى تفاهمات تستند إلى منح الإدارة الأميركية شرعية للاستيطان القائم في المناطق الفلسطينية المحتلة في عام 1967، لا سيما في ما يطلق عليه "الكتل الاستيطانية"، والسماح لإسرائيل باستمرار الاستيطان في هذه "الكتل". وسيحاول نتنياهو استصدار موقف من إدارة ترامب يتبنى تصريح الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بأن أي حل بين إسرائيل والفلسطينيين ينبغي أن يأخذ في الحسبان الواقع الديموغرافي القائم في الكتل الاستيطانية في المناطق الفلسطينية المحتلة. إلى جانب ذلك، يسعى نتنياهو إلى أن يحظى بتسامح إدارة الرئيس ترامب إزاء زيادة الاستيطان اليهودي في البؤر والمستوطنات اليهودية القائمة خارج الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بالاتفاق المسبق معها، تحت ذريعة الزيادة الطبيعية للسكان. وسيعمل نتنياهو كذلك على الحصول على التزام بعدم ممارسة أي ضغط على إسرائيل في مختلف ملفات القضية الفلسطينية، وصد أي ضغط دولي عليها، بما في ذلك استعمال حق النقض في مجلس الأمن ضد أي قرار يدينها. أما في ما يخص مسألة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، فإن نتنياهو سوف يساوم في هذه المسألة مقابل تساهل إدارة ترامب مع الاستيطان.

366

| 15 فبراير 2017

تقارير وحوارات alsharq
تقرير للمركز العربي: لا علاقة لزيارة شكري إلى إسرائيل بأي تسوية سلمية

نفى تقرير صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أي علاقة لزيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري بأي تسوية مستقبلية شاملة في المنطقة ولا بقضية فلسطين.وأكد التقرير أن كلّ عوامل انطلاق هذه التسوية غائبة بدءًا بموازين القوى على الأرض، وواقع الإنقسام الفلسطيني وصولًا إلى إنشغال الأمريكيين بانتخاباتهم الرئاسية، فقضية فلسطين تُستخدم أداةً إعلامية فقط. وحتى في هذا السياق فإنّ إسرائيل أيّدت التحرك المصري وفضّلته على الفرنسي بوصفه لا يستند إلى أيّ مرجعية دولية. وما يمكن أن تسفر عنه هذه الجهود هو تبادلٌ للأسرى بين حماس وإسرائيل، يخدم حاجة نتنياهو إلى مكاسب سياسية آنية بينما يفتح المجال أمام نظام السيسي لاستعادة العلاقة مع واشنطن، من بابٍ يبدو مضمونًا، وهو خدمة مصالح إسرائيل الأمنية وتقديم نفسه بوصفه عدوًا لدودًا للتطرف الإسلامي، وهي بضاعة تبدو سوقها مزدهرة هذه الأيام في الغرب. الزيارة خطوة لتوثيق العلاقات مع إسرائيل وتطبيعها واستعادة الاتصالات مع واشنطن وأضاف التقرير أنه خلافًا لذلك، يبدو تصوّر حدود أوسع للدور المصري صعبًا خلال هذه المرحلة، على مستوى استعادة التوازن إقليميًا في مواجهة القوى غير العربية التي يتضخم دورها على حساب الدور العربي، وعلى مستوى الحفاظ على متطلبات الأمن القومي المصري نفسه أيضًا. وحتى التحرّك المصري المستجدّ على صعيد الوساطة الفلسطينية الإسرائيلية، غدَا مرهونًا بإرادة قوى إقليمية أخرى بات بمقدورها إلزام التحركات المصرية بسقف محدد لا تستطيع تجاوزه. والاتفاق التركي- الإسرائيلي الأخير بشأن غزة مثالٌ على هذه الحقيقة.ونوه التقرير إلى طبيعة الزيارة التي تمت في العاشر من يوليو 2016، حيث التقى وزير الخارجية المصري سامح شكري خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وعلى الرغم من أنّ الهدف المعلن لزيارة شكري بحسب المتحدث باسم الخارجية المصرية هو "توجيه دفعة لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية"، فقد أثار هدف الزيارة وتوقيتها تساؤلات جدية، في ظل شكوك عميقة تحيط بنيّة إسرائيل خوض مباحثات جدية مع الطرف الفلسطيني في هذه الفترة، بخاصة في ضوء رفض نتنياهو المبادرة العربية أساسًا للسلام، وعدم تعامله مع هدف الزيارة المعلن بجدية، إذ قامت حكومته في يوم الزيارة بإقرار خطة جديدة لتوسيع المستوطنات في الخليل وعمومًا سبق أن فضّلت إسرائيل التحرك المصري على المبادرة الفرنسية، وذلك بالضبط لعدم توافر أفكار محددة فيه، ولأنّه لا يستند إلى أيّ مرجعيات دولية واضحة.هدف الزيارة وتوقيتهابدَا الجانب الإسرائيلي مهتمًا بفكرة الزيارة ذاتها وعودة التطبيع مع مصر التي لا يخفي تأييده لنظامها، وبتناول ملفات محددة تحقق له مكاسبَ سياسية سريعة مثل الإفراج عن جنود أسرى، أو استعادة رفات جنود قتلى، بدلًا من الانخراط جديًا في عملية سلام حقيقية، بما يترتب عليها من انسحابات ووقف للاستيطان ومناقشة موضوع القدس، وغيرها. ويبدو أنّ المسعى الإسرائيلي كان في قلب زيارة شكري القدس المحتلة، حيث عرض توسّط القاهرة لدى حماس في إطار عملية تفاوضية تحت شعار "بناء الثقة"، لإعادة رفات عدد من الجنود الإسرائيليين، وإخلاء سبيل جنديين آخرَين، قيل إنّ حماس تحتجزهما، مقابل الإفراج عن عدد من المعتقلين من بين الآلاف ممّن تحتجزهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي.أثار توقيت زيارة شكري تكهنات بخصوص وجود أهداف أخرى لها أيضًا، إذ تمّت الزيارة التي لم يعلن عنها سوى عشية وصوله إلى مطار بن جوريون، بعد قمة عقدها رئيس الوزراء الإسرائيلي في عنتيبي الأوغندية مع سبعة قادة دول إفريقية بينها دولٌ تشترك في حوض النيل، أعلن خلالها عن برنامج موسّع للتعاون مع هذه الدول، بما في ذلك التعاون في ملف الريّ وإدارة الموارد المائية المثير لقلق القاهرة، والمتعلق مباشرة بأحد أهمّ الأعصاب الحساسة لأمنها القومي.وما أثار القلق أكثر هو الشق المتعلق بإقامة تعاون إسرائيلي أوسع مع إثيوبيا في هذا الملف، وهي المشتبكة في خلاف حادّ حول سد النهضة مع القاهرة، وترفض تقديم تنازلات للحدّ من آثارٍ تخشاها مصر على حصتها المائية. وكان ملفتًا أنّ مصر لم تعلّق على القمة الإسرائيلية- الإفريقية، ولم يتطرق وزير خارجيتها خلال زيارته إلى هذا التحرك الإسرائيلي في إفريقيا باعتباره يمسّ مباشرةً أمن مصر المائي. ما عزز الشكوك في أنّ القاهرة قد تكون طلبت وساطة إسرائيلية لدفع المفاوضات العالقة مع إثيوبيا.سقف جديد للتطبيعلم يكن تصريح السيسي المشار إليه في بيان وزير الخارجية خلال الزيارة، الذي حثّ على "التوصّل إلى حلٍ شامل وعادل للقضية الفلسطينية"، ولا دعوة سابقة تزامنت مع ذكرى النكبة الثامنة والستين، دعا فيها السيسي إلى ما أسماه "سلامًا دافئا" مع إسرائيل، من الإشارات الأولى إلى حصول تغيير في بوصلة السياسة المصرية، وتوجّه نحو تقاربٍ غير مسبوق مع إسرائيل ربما يفوق بمراحل ما كانت عليه الحال في أيام مبارك. كما أنّ الأمر لم يقتصر على حالة "الإطراء" السياسي المتبادل الذي تصاعد بين السيسي ونتنياهو خلال الشهور الأخيرة، بل تجاوز ذلك كلّه إلى خطواتٍ ملموسة بادر إليها الجانب المصري منذ مدة، وكان أبرزها إعادة السفير المصري إلى تل أبيب، بتعيين الدبلوماسي حازم خيرت سفيرًا في منتصف 2015، وإطلاق سراح عودة الترابين الذي أدين بالتجسس لمصلحة إسرائيل قبل 15 عامًا. هذا، فضلًا عن تدشين مبنى جديد للسفارة الإسرائيلية في القاهرة، ضمن حالة نشاط لافتة لحركة السفير الإسرائيلي في القاهرة، حاييم كورين، الذي أثار أزمة داخلية حين قام بزيارة أحد أعضاء البرلمان المقرّبين من النظام في قريته بوسط الدلتا.ويمكن القول إنّ تقارب نظام السيسي مع إسرائيل بدأ منذ الساعات الأولى للانقلاب الذي وصفه عاموس جلعاد، رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية، بـ"معجزة أمنية لإسرائيل"، ففي أغسطس 2013، وصل وفد أمني إسرائيلي إلى القاهرة، التقى قيادة الجيش المصري، وفقًا لهدفٍ معلن في بيان الزيارة، وهو التأكد من تواصل التعاون الأمني بين الجانبين. وعلى الرغم من أنّ السيسي التقى نتنياهو لأول مرة على هامش قمة باريس للمناخ في ديسمبر 2015، فقد بينت تقارير إخبارية إسرائيلية أنّهما قد ظلّا على اتصال وتنسيق دائمَين منذ لحظة تولّي السيسي الرئاسة قبل ما يربو على العامين. ويصف تقرير لموقع "وَلّا" الإسرائيلي السيسي بأنّه أحد أكثر المسؤولين الأجانب تواصلًا عبر الهاتف مع نتنياهو بصورة غير معلنة. ويمكن قراءة إيفاد وزير الخارجية شكري إلى إسرائيل في هذا السياق وفي هذه الأوضاع بوصفه خطوة أخرى نحو توثيق العلاقات مع إسرائيل وتطبيعها الذي تتسارع خطواته وتتكشّف أبعاده بمرور الوقت.رهانات ملتبسةوفقًا ليائير لابيد النائب في الكنيست عن حزب "يش عتيد"، فإنّ "المصالح المشتركة المتمثلة بمكافحة الإرهاب تخلق فرصةً لتسوية، ما يسمح بتشكيل محور يضمّ الدول المعتدلة في منطقة الشرق الأوسط". وتأتي عملية الربط المشار إليها بين إقامة محور أمني يضمّ الدول العربية "المعتدلة" مع إسرائيل وبين وعودٍ بتسوية مفترضة غير واضحة المعالم للقضية الفلسطينية في إطار السعي للاستفادة من وجود توافق دولي على محاربة الإرهاب.في هذا السياق، تراهن إسرائيل على تكرار سيناريو "مسيرة مدريد" لإعطاء الانطباع بوجود فرصة للتسوية نتيجة لظرف أمني ضاغط وتوافق دولي بضرورة التعاون بين دول المنطقة لمواجهة مخاطر كبرى، وينتهي الأمر كما في كلّ مرة بتحقيق الغايات الدولية والإسرائيلية، بينما تغوص التسوية في تفاصيل وترجمات لا تنتهي، تستمر خلالها سياسات تغيير الواقع على الأرض بالاستيطان والاستيلاء على الأراضي وتغيير ديموغرافية المكان.هذا على الجانب الإسرائيلي، أمّا على الجانب المصري، فيستفيد نظام السيسي من هذا التوافق في تسويق نفسه دوليًا بوصفه قلعة للاعتدال في مواجهة التطرف، كما أنّه يكسب بذلك دعم إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في واشنطن لإصلاح ما فسد في العلاقة مع القوى الكبرى في العالم منذ الانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر. وواقع الأمر أنّ إسرائيل تضطلع منذ انقلاب 3 يوليو 2013 بمهمة تسويق السيسي في واشنطن بوصفه حليفًا في مواجهة المخاطر التي تتعرض لها إسرائيل، بحيث أكّد أعضاء لجنة الخارجية والأمن التابعة للبرلمان الإسرائيلي برئاسة الليكودي تساحي هنغبي، خلال زيارتهم أخيرًا العاصمة الأمريكية واشنطن أمام صنّاع القرار والمشرعين الأمريكيين، أهمية الدور الإيجابي الذي يقوم به نظام السيسي في مواجهة الإرهاب. وكانت إسرائيل بذلت جهدًا كبيرًا لدى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة لكي تتجنب واشنطن وصف ما حدث في مصر في يوليو 2013 بالانقلاب العسكري، وهو ما يعني - بحسب القانون الأمريكي - أن توقف أمريكا الدعم الذي ترسله إلى مصر كون حكومتها حكومة انقلاب عسكري.وفي إطار سعيه لتحقيق تقارب مع الولايات المتحدة عبر البوابة الإسرائيلية، ولمكافأة إسرائيل على "مساعيها الحميدة" في أمريكا والغرب بصورة عامة، ذهب النظام المصري إلى حدود غير مألوفة سابقًا في التعاون الأمني معها في سيناء، وصولًا إلى مطابقة المواقف بينهما إزاء حماس. السيسي يسعى لتقارب غير مسبوق مع إسرائيل يفوق عصر حسني مبارك وخلال محاضرة في مدينة بئر السبع يوم 6 فبراير 2016، كشف يوفال شتاينتس وزير البنية التحتية في الحكومة الإسرائيلية، والعضو المراقب في المجلس السياسي- الأمني المصغر، والمسؤول السابق عن تنسيق أعمال المخابرات، أنّ مصر تعمل على هدم أنفاق غزة وإغراقها بناءً على طلب إسرائيل، واصفًا التنسيق الأمني الراهن بين الطرفين بـ"غير المسبوق"، فهو وفقًا له "الأفضل منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد في 1979".وفي السياق نفسه، يمكن أيضًا فهم السماح بدخول إسرائيل على خط أزمة سقوط الطائرة الروسية، سواء بالصمت على دورها في تتبّع مكالمات عناصر تنظيم الدولة التي استندت إليها المخابرات البريطانية والأمريكية في ترجيح سقوط الطائرة بعمل إرهابي [14]، أو حتى القبول بمشاركتها في أعمال البحث عن الحطام. ولم تكن معلومات التعاون العسكري في سيناء محلًا للإخفاء والتعتيم، بدءًا من تقديم إسرائيل الدعم للجيش المصري في سيناء الذي "يتمثل بالصواريخ الاعتراضية والمعلومات الأمنية عن المسلحين هناك"، ومساهمة مصر في مساعي منع تهريب السلاح إلى قطاع غزة عبر الأراضي السودانية، وصولًا إلى قيام إسرائيل بعمليات "قنص" منتمِين إلى تنظيمات جهادية في سيناء، بطائرات من دون طيار (درونز) بموافقة مصرية. إضافةً إلى التعاون الأمني غير المسبوق، دعمت مصر طلب إسرائيل منحها عضوية لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي التابعة للأمم المتحدة، في حين لم يكن هناك أيّ ضغوط لاتّباع هذا السلوك التصويتي.

496

| 14 يوليو 2016