رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات alsharq
23 ورقة بحثية في اليوم الثاني من مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية

شهد اليوم الثاني من مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية في دورته السابعة الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة خلال الفترة 23-25 مارس الجاري، تقديم 23 ورقة بحثية في أربعة مسارات متوازية. وقد تناول تلك الأوراق البحثية قضايا منهجية متعددة، تتعلق بمجالات فلسفية وإبستيمولوجية (علم المعرفة) وسوسيولوجية (عِلْمٌ يَدْرُسُ الْمُجْتَمعاتِ الإِنْسانِيَّةَ والْمَجْموعاتِ البَشَرِيَّةَ ، وَظَواهِرَها الاجْتِماعِيَّة)، ولسانية وتاريخية وغيرها. كما شهد محاضرة عامّة قدّمها الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركز بعنوان في أولوية الفهم على المنهج. وأكد بشارة خلال المحاضرة أنّ منهجَ البحثِ ليس شيئًا جاهزًا إلّا في ما ننسِّقُه وننمِّطُه من أساليبَ في البحثِ لغاياتٍ مدرسية، فالمهمُّ، هو ما نصنَعُه نحن في عمليةِ البحثِ نفسِها، وهذه العمليةُ هي التي تفرضُ منهجَها بما يتجاوزُ ما يمكن وصفُه بـ عبادة المنهج السائدةِ التي تبدأُ في معظمِ الدراساتِ العربيةِ تقليديًا ببَيانِ المنهجِ وتحديدِه. وبيّن بشارة أنّ ما يسمَّى عربيًّا مناهجَ البحث ويدرّس تحت هذا العنوان، هو أدواتٌ وتقنيات. ولا مانع أن تسمى مناهج طالما فهم أن المقصود هو أدوات وتقنيات غالبًا ما تكون عابرةً للتخصّصات، أما المناهج بالمعنى المستخدم حسب رأيه فهي مقاربات تحليلية مختلفة وتفسيرات مختلفة للظواهرِ الاجتماعيةِ تقدِّمُها نظرياتٌ مختلفة. وقال إنّ المناهج في العلومِ الاجتماعية، هي في الحقيقةِ مقارباتٌ في شرحِ ظواهرَ اجتماعيةٍ ناجمةٍ عن نظرياتٍ مختلفة ولذلك لا نجدُ في العلومِ الطبيعيةِ مثيلًا للنقاشاتِ حولَ المنهجِ في العلومِ الاجتماعية. فليست هذه مناهجَ في البحثِ بقدرِ ما هي مقارباتٌ مختلفةٌ في التفسير، كما أنها ليستْ نظريةً علميةً، قد تكونُ فكرةً أو رأيًا فلسفيًّا أو غيرَه، لأنّ النظريةَ العلميةَ هي نسقٌ من مقولاتٍ عامةٍ متماسكةٍ منطقيًّا عن ظواهرَ اجتماعيةٍ تكشفُ عن بنيةٍ متكرّرةٍ أو نمطِ علاقةٍ بين متغيِّراتٍ أي انتظام ما في العلاقة بين متغيرات وينجمُ عنها مقارَبةٌ أو منهجٌ في شرحِه مميزاتِ الظاهرة وشروط وجودِها وتوقّع مسارِ تطوّرِها.

1505

| 24 مارس 2019

تقارير وحوارات alsharq
خبراء يناقشون اخراط المسلحين في العمل السلمي

بشارة: الاستبداد لا يترك أي مجالٍ للإصلاح السياسي والتغيير السلمي أجندات سياسية في لعبة تبادل المصالح تحت شعار محاربة الإرهاب المصطفى: تغيرات هيكلية للحركات الإسلامية المسلحة في سوريا بعد التدخل الروسي حيدر سعيد يستعرض التحولات في جيش المهدي في العراق كميليشيا وتنظيم سياسي فرانك بيرل يعرض تجربته في مجال محاورة مسلحي منظمة فارك في كولومبيا انطلقت أمس أعمال ندوة من السلاح إلى السلام: التحوّلات من العمل السياسي المسلّح إلى العمل السياسي السلمي، التي يعقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مقره بالدوحة، الندوة هي الأولى من نوعها في المنطقة العربية، من ناحية المضمون العلمي، إذ تبحث في حالات الانتقال من العمل السياسي المسلّح إلى النشاط السياسي غير المسلّح، من خلال نماذج مختلفة من العالم، ومن ناحية الخبرات السياسية والأكاديمية المشاركة في أعمالها من خلال أوراق ودراسات علمية معمّقة. افتتح الدكتور عزمي بشارة الندوة بمحاضرة بعنوان أربع ملاحظات في موضوع التحول من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي. حيث أشار الى أن هذا الموضوع يتطلب مقاربة منهجية تكاملية ومركبة الأبعاد في العلوم السياسية وعلم الاجتماع والتاريخ الراهن، وقدم بشارة بعض الملاحظات المتعلقة بمنهجية الرؤية والمعالجة البحثية، ففي عرضه للملاحظة الأولى رأى بشارة أن أسوأ ما جرى لهذا الموضوع بوصفه موضوعًا للدراسة والبحث هو أنّه يُقارَب منذ بداية قرننا الحالي من زاوية ما نمّطته تسمية الحرب على الإرهاب وما أفرزته من أفكار وسياسات عملية، ما عرقل دراستَه بمنهجٍ علمي، وأخضعه إلى أجندات سياسيّة مباشرة من دول كبرى وأنظمة إقليمية ومحلية دخلت في لعبة تبادل المصالح في شراكات واتفاقات، أو معاهدات حول ما يدعى بـ محاربة الإرهاب. أما الملاحظة الثانية، فتكمن في مقاربة الموضوع تحت العنوان العام الانتقال من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي، وأكد بشارة أنه يجب ألا تطمس الفوارق بين أنواع العمل المسلح وأنواع العمل السياسي السلمي. والعلوم السياسيّة في سعيها للتخلص مما تسميه أحكام القيمة، غالبًا ما تنزلقُ إلى عدم التمييز بين سلاحٍ وآخر. وجادل بشارة في الملاحظة الثالثة البحث في موضوع الانتقال إلى السلم ضمن إطار فروع العلوم السياسية المقارنة، فهي تبحث في الانتقال جميعها، هو بحث تيليولوجي، أي أن غايته الوصول إلى السلم. ومهما أنكر العاملون فيه والمهتمون به انحيازاتهم، فإنهم منحازون غالبًا إلى ما ينظّرون للانتقال إليه بأدوات العلوم الاجتماعية. وفي الملاحظة الرابعة ناقش بشارة التحول من العمل السلمي إلى العمل المسلح. خاصة أن التجربة العربيّة في الأعوام الأخيرة تُبيّنُ أنّ الاستبداد الذي لا يترك أي مجالٍ للإصلاح السياسي والتغيير السلمي، إذا اجتمع مع سياسة تهميش اجتماعي وممارسات إذلال جسدي ونفسي لفئات واسعة من المواطنين يخلقُ بيئة مناسبة للعمل المسلح. من مسلحين الى سلميين وقدم عمر عاشور منسق الندوة، ورئيس برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، دراسة بعنوان من مسلحين إلى سلميين: كيف ولماذا تتحول الجماعات المسلحة إلى النشاط السياسي اللاعنفي؟وعرض عاشور ما وصلت إليه الدراسات فيما يخص كيفية حدوث تلك التحولات وأسبابها، وشروط البدء والاستمرارية، كما تناول ما ينقص الأجندة البحثية في هذا المجال، وإمكانية تحديثها وتطويرها، وكيف يمكن أن تؤثر إيجاباً في صياغة سياسات رسمية تساعد على دعم التخلي عن العنف والتطرف واستمراره والتحول نحو السلمية والسلام. وعقب كلمة عاشور قدم فرانك بيرل محاضرة بعنوان محاورة المسلحين: ملاحظات حول تنظيم القوات المسلحة الثورية الفارك واتّفاقات السلام الكولومبية. حملت المداخلة شهادة حول خبرة بيرل الشخصية في الحوار والتفاوض مع التنظيمات الثورية المسلحة في كولومبيا، وكيفية تحولها من السلاح إلى السلام، وتحديات بدء عملية التحول نحو النشاط السياسي السلمي، لاسيما أنه بدأ مسيرته المهنية في الحكومة الكولومبية عام 2006 بدورٍ بارزٍ في اطلاق عملية دمج المقاتلين السابقين الذين كانوا ينتمون إلى مجموعات مسلحة وشبه المسلحة في كولومبيا، وقد أجرى بيرل عام 2009 اتصالات سرية أدت إلى إرساء عملية السلام مع جماعة القوات المسلحة الثورية الكولومبية فارك وجيش التحرير الوطني، كما شارك ضمن الفريق الحكومي الكولومبي الذي وقع على اتفاقية السلام مع جماعة الفارك. الانتقال من السلاح الى السلام: حالات عربية ركزت أعمال الجلسة الأولى من الندوة على دراسة حالات عربية في كل من مصر والعراق وسورية. قدم خليل العناني دراسة بعنوان تحولات جماعة الإخوان المسلمون في مصر: جدل العلاقة بين القمع والعنف والمراجعات. عالج فيها العلاقة بين القمع الذي تتعرض له الحركات الاجتماعية المعارضة للسلطة، من خلال نموذج الإخوان المسلمين في مصر، واستجابة أعضاء تلك الحركات لهذا القمع. كما حاولت الدراسة تجاوز الأطروحات والافتراضات الكلاسيكية والمختزلة حول العلاقة بين القمع والعنف إلى البحث في أسباب اختلاف استجابة أعضاء الحركات الاجتماعية للقمع. في السياق ذاته، قدم حيدر سعيد دراسة بعنوان جيش المهدي في سياق ظاهرة ما بعد الحزب. وقد حاجج سعيد بأن جيش المهدي لم ينشأ بوصفه ذراعا مسلحة لتنظيم سياسي، وأن العلاقة بينه وبين التيار الصدري هي ليست كالعلاقة التقليدية بين الأحزاب الإيديولوجية التي تنشأ ثم تؤسس لها لاحقا ذراعا عسكرية، بل إن الاثنين نشآ معا. ويرى حيدر أن جيش المهدي يشكل إطارا واسعا وفضفاضًا لمجموعة من الوظائف، فهو ميليشيا، وهو تنظيم سياسي، وهو مؤسسة خدمات. كما يرى كثير من الباحثين أن النفوذ السياسي للتيار الصدري يتحقق من خلال ذراعه المسلحة، في حين أن الأطروحة الأساسية في هذه الدراسة هي أن التيار الصدري تطور بالاتجاه المعاكس، وأن مساره السياسي نما بإضعاف الفصيل المسلح، وليس تقويته، أي أن الميليشيا عُزلت لصالح الحزب، ولم يقو الحزب من خلال قوتها. المداخلة الثالثة قدمها حمزة المصطفى بعنوان من السلاح إلى المفاوضات: تقييم تحولات الحركات الإسلامية السورية: دراسة مقارنة بين أحرار الشام، وجيش الإسلام، وفيلق الشام. وقد عرض فيها التغيرات الخطابية والسلوكية والهيكلية التي مست الحركات الإسلامية المسلحة في سوريا منذ التدخل الروسي في 2015 وتغير موازين القوى لصالح النظام السوري. وركز الباحث على نماذج أحرار الشام وجيش الإسلام وفيلق الشام في محاولة لاستقصاء آليات عملها السياسي ومحدداته وسياقاته الظرفية والبنيوية، وتقييم مدى تأثيرها في إستراتيجيتها الراهنة والمستقبلية. تجارب أوروبية عُنيت الجلسة الثانية من أعمال اليوم الأول بحالات الانتقال في أوروبا، وقد عالجت المداخلة الأولى التي قدمها غوردون كلوب تحت عنوان انسحاب أم هزيمة؟ كيف انتقل الجيش الجمهوري الإيرلندي من السلاح إلى السلام، على تحليل حالة الجيش الإيرلندي والانتقال الحاصل ما بعد اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 الذي نص على دعوة البروتستانت إلى تقاسم السلطة السياسية في إيرلندا الشمالية مع الأقلية الكاثوليكية وتعطي جمهورية إيرلندا رأيًا في شؤون إيرلندا الشمالية، وبالتالي وضع حد للنزاع في صورة نهائية، وتحقيق التعايش السلمي بين طوائف إيرلندا الشمالية، وبينها وبين جمهورية إيرلندا. أما المداخلة الثانية فعرضها لنيك هاتشين بعنوان التحولات بعد الهزائم؟ منظمة إيتا (أرض الباسك والحرية) في إسبانيا نموذجًا. وقد ركزت دراسته في بحث أسباب وظروف تحول إيتا من حركة انفصالية عنيفة إلى حركة سلمية. كما طرح في الدراسة تأثير سياسة مكافحة الإرهاب، إضافةً إلى النقاش الداخلي ضمن منظمة إيتا نفسها، في تحوّل الفصائل ضمن الحركة الانفصالية. وقدم مراد يشلتاش دراسته التي حملت عنوان عندما لا تكون السياسة كافية: فهم فشل انتقال حزب العمال الكردستاني من النشاط المسلح إلى النشاط السياسي غير المسلح. وعرض فيها العلاقات بين الهوية والأمن والسياسة؛ كمدخل لفهم أسباب فشل عملية الانتقال من العمل السياسي المسلح الى العمل السياسي السلمي لحل القضية الكردية، ولإجراء تعديلات على حزب العمال الكردستاني في تركيا. وقد ركز الباحث على مسألة سياسات الهوية وعوامل الأمن، وكيف أسفرت عن معضلة أمنية دائمة بين تركيا والحزب. أمريكا اللاتينية والكاريبي عالجت الجلسة الثالثة من أعمال الندوة حالات الانتقال من السلاح إلى السلام في أمريكا اللاتينية والكاريبي. وقدمت خلال هذه الجلسة أربع دراسات تنوعت مواضيعها ومناهجها ونماذج التحول المدروسة خلالها. قدم الورقة الأولى ألدو مارشيسي وبعنوان تحولات بعد الهزيمة: حالات حركة التوباماروز في الأورغواي واليسار المسلّح في تشيلي والأرجنتين. وحاول من خلالها التوصل إلى نموذج تفسيري مركب لنجاح التنظيمات السياسية المسلحة سابقًا في بلدان جنوبي أمريكا اللاتينية في التكيف مع الأنظمة الديمقراطية الجديدة خلال ثمانينيات القرن الماضي. وفي السياق ذاته، قدمت ماريا جيمينا دوزان دراسة بعنوان إعادة الدمج السياسي للمقاتلين المسرَّحين في كولومبيا. وعرضت دوزان في بحثها نموذج الفارك في كولومبيا وعمليات التفكيك المبرمج الذي تعرضت له الفارك من الحكومة الكولومبية وما تلا ذلك من تسريح لمقاتليها وتحول جزء منهم إلى العمل السياسي. أما المداخلة الثالثة التي حملت عنوان من الحركة الثورية إلى الدولة الثورية: حالة كوبا، حلل فيها سنتياغو بيريز السياق الذي تشكّلت فيه حركة 26 يوليو الثورية في كوبا، واستعرض ملامحها والتقاليد السياسية للنشاطات الثورية الكوبية التي استمدت منها سلوكها. كما يعالج البحث سياق انتصار الحركة الثورية والتحولات التي حققتها الدولة الثورية في حقل الثقافة السياسية والتعبئة والأيديولوجيا والميادين الاجتماعية والتنظيمية، ومنها القطاعان العسكري والأمني. واختتمت أعمال الجلسة الثالثة ببحث قدمه روبرتو كاخينا بعنوان روح التغيير في جيش نيكاراغوا: ثلاث مراحل وثلاث هويات مختلفة، حاول فيها الباحث تأطير المراحل المختلفة لتطور مؤسسة الجيش في نيكاراغوا وأسبابها والبيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بها.

704

| 04 نوفمبر 2018

محليات alsharq
"تقدير موقف المركز العربي".. هل باتت مهمة بنكيران مستحيلة بتشكيل الحكومة؟

بعد مرور نحو خمسة أشهر على إجراء المغرب ثاني انتخابات له بعد الإصلاح الدستوري الذي عرفته البلاد عام 2011، وبعد مشاورات ماراثونية مع مختلف القوى والأحزاب السياسية؛ لم ينجح رئيس الحكومة المكلف عبد الإله بنكيران في تشكيل حكومته. ويحتاج حزب العدالة والتنمية الذي فاز بالمرتبة الأولى في انتخابات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016 العامة، وبواقع 125 مقعدًا، إلى تأييد 198 نائبًا في البرلمان، من أصل 395، حتى تحظى حكومته بالثقة المطلوبة، ما يعني أنه بحاجة إلى الائتلاف مع عدد من الأحزاب تتوفّر على العدد المطلوب من المقاعد لكسب الثقة، وهي مهمة لا تبدو سهلة. لماذا التأخير؟ وفي تقدير موقفللمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فإنه خلافًا للمعهود في دول أخرى؛ لم تُحدَّد في المغرب آجال دستورية لتشكيل الحكومة، إذ صمت الدستور المغربي لعام 2011 عن هذا الأمر، كما صمت عما يترتب عليه من فشل رئيس الحكومة المعين في تشكيل حكومته، ليفتح الباب على مصراعيه أمام تأويلات مختلفة للدستور. وتشير الدراسة إلى أنه يمكن لرئيسَ الحكومة المكلف، ما دام قد قبل بالتكليف، أن يأخذ ما يشاء من وقت في تشكيل حكومته؛ ما يضع البلاد أمام مأزق حكم، ويدخلها في حالة من الشلل، من حيث تبقى الحكومة القائمة حكومةَ تصريف أعمال، تقتصر مهماتها على تسيير الشؤون اليومية، من دون أن تكون قادرة على اتخاذ قرارات على المستوى الإستراتيجي. على أن هذه ليست المرة الأولى التي يتعثر فيها تشكيل الحكومة، إذ تطلب تشكيل حكومة بنكيران الثانية في عام 2013 أكثر من أربعة أشهر. وتقول الدراسة أن تعثر تشكيل الحكومة يمثل نتيجة طبيعية لانتخابات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016، والتي كان ينتظر منها – في ما يبدو - أن تنهي تداعيات مرحلة الثورات والانتفاضات العربية التي أنتجت دستور 2011، وتطوي معها هامش الحريات والتعددية السياسية الذي سمحت به. ومع استمرار تعثر جهد تشكيل الحكومة تتعزز الشكوك اليوم في وجود اتجاه داخل دوائر صنع القرار؛ يسعى لحرمان حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومته الثالثة، وهو الحق الذي كفله الدستور للحزب الفائز بالمرتبة الأولى، والدفع، ربما، باتجاه إجراء انتخابات جديدة. منظومة الضبط الانتخابي يدور نقاش واسع في المغرب حول وجود حالة من عدم الرضا لدى أوساط المخزن عن الفرصة التي أتاحتها التعديلات الدستورية للعدالة والتنمية بعد عام 2011، ومحاولات جرت لإسقاطه في انتخابات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016. وهذا الأمر لم ينجح على الرغم من إشراف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية، وعلى الرغم من النظام الانتخابي الذي يحول دون فوز حزب واحد بأغلبية تسمح له بتشكيل الحكومة منفردًا، ويعد إشراف وزارة الداخلية على الانتخابات بدل " لجنة مستقلة للانتخابات" أحد الضمانات التي تملكها المؤسسة الحاكمة في المغرب، من حيث كون الوزارة ظلّت دائمًا وزارة سيادة تتبع القصر، ولم تنجح حكومتا عبد الرحمن اليوسفي وعبد الإله بنكيران في تغيير هذا الواقع. وتحتكر وزارة الداخلية "اللوائح الانتخابية" التي تسجّل فيها قوائم المواطنين المخولين بالمشاركة في الانتخابات، والتي تجدَّد باستمرار عبر تسجيل مواطنين جدد، بلغوا سن الاقتراع (18 سنة) أو شطب المتوفَّيْن منهم. كما تحتكر وزارة الداخلية معايير الترشيح؛ إذ بإمكانها رفض ترشح أفراد معينين لأسباب قانونية، بعضها فضفاض ويقبل التأويل. وقد اشتكى حزب العدالة والتنمية خلال المدّة السابقة للانتخابات من ممارسات وزارة الداخلية ضد مرشحيه وقواعده الانتخابية؛ إذ عمدت وزارة الداخلية إلى منع بعض مرشحيه من المشاركة في الانتخابات. كما اشتكى الحزب من تشتيت قواعده الانتخابية في مراكز اقتراع بعيدة من أماكن سكنهم، لمنعهم من المشاركة يوم الانتخابات. واتهمت مجموعة من الأحزاب - من بينها العدالة والتنمية وفدرالية اليسار (تحالف ثلاثة أحزاب يسارية) - وزارة الداخلية بالتدخل لدعم مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة، والذي يُعدُّ قريبًا من القصر. لكن معركة ضبط نتائج الانتخابات لم تبدأ فقط قبيل موعدها، وإنما بدأت مبكرًا مع المفاوضات التي جرت بين الداخلية والأحزاب السياسية حول خريطة التقسيم الانتخابي الجديد، ولائحة الدوائر الانتخابية قبل اعتمادها رسميًا صيف 2015. واشتكى عدد من الأحزاب السياسية من التقسيم الانتخابي المقترح الذي يهدف إلى التحكم بنتائج الانتخابات قبل إجرائها. وباحتكارها للتفاصيل الجزئية للانتخابات في المغرب عبر تاريخها الطويل وتطورها، يكون بإمكان وزارة الداخلية تفكيك الدوائر الانتخابية وإعادة تشكيلها لتحويل الأغلبيات إلى أقليات والعكس. وأضيف إلى موضوع التقسيم الانتخابي، موضوع آخر متعلق بالعتبة الانتخابية؛ إذ جرت مفاوضات طويلة حوله بين وزارة الداخلية التي طالبت بإلغاء العتبة الانتخابية السابقة المتمثلة بـ 6 في المئة للسماح للأحزاب الصغيرة بالتمثيل في البرلمان، والأحزاب السياسية الكبيرة التي تريد إبقاء العتبة عالية، وتتهم الداخلية بالرغبة في تفتيت المشهد الانتخابي لمنع تشكيل أغلبيات مريحة. وقد توصل بنكيران إلى تفاهم مع وزير الداخلية حول تخفيض العتبة إلى 3 في المئة كحل وسط. وكان واضحًا أن العدالة والتنمية بوصفه أكبر حزب سياسي في المغرب؛ سيكون المتضرر الأكبر من خفض العتبة الانتخابية، ما سيسمح لأحزاب صغيرة بتقاسم بعض المقاعد النيابية معه. ويبقى النظام الانتخابي هو الضمانة الأساسية في المغرب لمنع حصول أي حزب سياسي للأغلبية التي تمكنه من الحكم منفردًا. ويقوم هذا النظام على التمثيل النسبي مع قاعدة تقاسم الأحزاب الأصوات المتبقية، كل بحسب حجمه. وتتجلى أهمية هذا النظام الانتخابي في قدرته على تمثيل أكبر عدد ممكن من الأحزاب السياسية في البرلمان، لكنه أيضًا يؤدي إلى تفتيت المشهد السياسي وبعثرة الأصوات. وإذًا، إنتاج حكومات ائتلافية غير مستقرة وغير متجانسة عادة. تمثل هذه الأدوات مجتمعة (النظام الانتخابي، والعتبة، والتقسيم الانتخابي، وإشراف الداخلية) منظومة الضبط الانتخابي في المغرب، والتي تمنع حدوث أي مفاجأة تخل بقواعد النظام السياسي الذي يسمح بهامش من التعددية السياسية والمشاركة الانتخابية المضبوطة. مأزق النظام السياسي نجحت منظومة الضبط الانتخابي في منع حصول مفاجآت منذ عام 1997 مع تجربة حكومة التناوب إلى حين الانتخابات الجهوية عام 2015، والتي قوضت هذا النمط من الاقتراع على المستوى المحلي، إذ نجح حزب العدالة والتنمية في الفوز بالأغلبية الساحقة في مجالس المدن الكبيرة بالمغرب، وبأغلبية مريحة، على الرغم من العائق الكبير الذي ظل يشكله نمط الاقتراع. وكانت تلك أولى علامات تصدع منظومة الضبط الانتخابي، قبل أن تأتي انتخابات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتوجه لها ضربة جديدة، بفوز حزب العدالة والتنمية بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية في تاريخ التجربة الانتخابية المغربية. فالنظام السياسي الذي فقد أدوات الضبط غير قادر على العودة إلى الخلف والانقلاب على نتائج العملية الانتخابية، ولا هو قادر على المضي قدمًا نحو مرحلة جديدة يخسر فيها بعضًا من سلطته ونفوذه لمصلحة صندوق الاقتراع. كما أن الحزب المتصدر للانتخابات وحلفائه لا يستطيعون تشكيل حكومة بمفردهم، مع تكتل كل الأحزاب الإدارية في خندق واحد هدفه منع ترجمة انتصار السابع من تشرين الأول/ أكتوبر على أرض الواقع وفي التشكيلة الحكومية. سيناريوهات الحل عرّت أزمة تشكيل الحكومة الحالية، واقع الأزمة الهيكلية في بنية النظام السياسي المغربي الذي يوصف في الأدبيات السياسية بأنه "نظام هجين" Hybrid Regime، يخلط ممارسات ديمقراطية حديثة بأخرى سلطوية تقليدية، فلا هو نظام ديمقراطي حقيقي ولا هو نظام استبدادي صرف. يجد هذا النظام نفسه اليوم أمام سيناريوهين محتملين للخروج من المأزق الراهن: السيناريو الأول: هو الوصول إلى "صفقة جديدة" تشبه تلك التي جاءت بحكومة بنكيران الأولى بعد اندلاع احتجاجات عام 2011، وإقرار التعديلات الدستورية. وقد كان عنوان هذه الصفقة "الإصلاح في ظل الاستقرار"، وضمان الملكية وحدة البلاد، أي إمكان إجراء إصلاحات سياسية ودستورية في النظام المغربي لضمان انتقال ديمقراطي سلمي، لا يعرض البلد لخضّات سياسية وأمنية واقتصادية عالية، في بلد يعرف تعددية لغوية وثقافية وأيديولوجية كبيرة. السيناريو الثاني: هو عدم التوصل إلى اتفاق، وفشل بنكيران في تشكيل حكومته الجديدة. ومن ثم، تقديم استقالته إلى الملك محمد السادس. ويبقى الدستور المغربي غير حاسم في ما يترتب على هذه الحالة، إذ توجد قراءتان دستوريتان لهذه الوضعية: الأولى، تتبنى التأويل الديمقراطي للدستور، وترى أنه في حالة فشل رئيس الحكومة المعين في تشكيل حكومته تعود الشرعية الانتخابية إلى الشعب الذي يعيد ممارسة سلطته، عبر صناديق الاقتراع في انتخابات جديدة. وتبقى هذه القراءة هي الأقرب إلى مضمون الدستور المغربي، على الرغم من أنها لا تضمن أن تأتي الانتخابات المقبلة بأغلبية واضحة، بسبب قانون الانتخاب وطريقة إجراء الانتخابات التي تجعل الأمر في غاية الصعوبة. وفي حالة أجريت انتخابات جديدة تبقى حظوظ حزب العدالة والتنمية كبيرة للفوز بها، وربما بعدد أكبر من المقاعد، وذلك لقدراته التنظيمية وخبرته الانتخابية الطويلة. الثانية، تتبنى تأويلًا غير ديمقراطي للدستور؛ إذ تطالب بتعيين أمين عام الحزب الثاني (حزب الأصالة والمعاصرة) رئيسًا للحكومة في حالة فشل أمين عام الحزب الأول (العدالة والتنمية) في تشكيل أغلبيته الحكومية. وعلى الرغم من أن الدستور المغربي لا ينص على هذا الإمكان إطلاقًا، فإن الحزب الثاني طالب بذلك من خلال مذكرة موجهة إلى الملك محمد السادس بإجراء تعديلات على الدستور تسمح بهذا الإمكان. ويبقى هذا الاحتمال متداولًا بكثافة في الأوساط السياسية المغربية، بوصفه حلًّا عمليًّا لتعثر تشكيل الحكومة، بعد أن نجح تحالف من الحزب الثاني وعدد من الأحزاب السياسية الأخرى في إيصال مرشح من المعارضة إلى رئاسة البرلمان، وهو ما يوحي بامتلاكه أغلبية برلمانية جاهزة تحت تصرفه. ولكن تبقى فرضية التوصل إلى اتفاق بين بنكيران والمؤسسة الملكية هي الأرجح، وذلك لحاجة الطرفين أحدهما إلى الآخر في هذه المرحلة على الأقل؛ إذ دشن المغرب مؤخرًا مرحلة جديدة من الانفتاح على أفريقيا، والسعي لحل قضية الصحراء من خلال دبلوماسية إقليمية وقارية فاعلة، مستفيدًا من انهيار نظام القذافي في ليبيا، وانشغال الجزائر بترتيبات ما بعد الرئيس بوتفليقة. بناءً عليه؛ يحتاج المغرب في هذه المرحلة إلى توحيد جبهته الداخلية، ووجود حكومة تحظى بشرعية شعبية، حتى يستطيع تقديم نموذجه الناجح المتمثل بمرونة النظام الملكي، و"الإصلاح في ظل الاستقرار" للإقليمين العربي والأفريقي. أما داخليًا، فالبلاد مقبلة على إجراءات اقتصادية واجتماعية تتطلب حكومة قوية وذات شرعية انتخابية لتمرير حزمة من القرارات "غير الشعبية"، من قبيل رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية، والتعويم التدريجي للعملة والذي بدأ توًّا. وفي حالة عدم وجود حكومة تحظى بثقة الشعب، فإن هذه القرارات سوف تسبب مزيدًا من الاحتقان الاجتماعي بما في ذلك مخاطر على الاستقرار السياسي في البلاد.

359

| 04 مارس 2017