رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات alsharq
"الراب" يدخل معترك السياسة في تونس

كان الكثير من التونسيين في السابق يصنفون فنان الراب "الجنرال" على أنه أحد صناع الثورة التي مهدت للإطاحة بنظام الحكم الفردي للرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2011، لكن اليوم هناك انقسام في تقييم هذه الموسيقى الصاعدة في تونس. "الجنرال" بطل للثورة اشتهر طالب الصيدلة حمادة عمر "26 عاما"، والملقب بالجنرال، بأغنيته الشهيرة "رايس البلاد شعبك مات"، التي غناها في 2010، وانتشرت في مواقع الإنترنت، بينما كانت الثورة التي اندلعت شرارتها في مدينة سيدي بوزيد، في ديسمبر 2010 تهز أركان نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وتعتبر "رايس البلاد" من بين الأغاني النادرة التي تعرضت إلى فساد النظام بالنقد وإلى مشاكل البطالة والاقتصاد والفقر في الوقت الذي نأت فيه وسائل الإعلام آنذاك بنفسها عن الخوض في تلك المواضيع فيما اعتاد النظام على تشديد قبضته على الإنترنت وتضييق الخناق على النشطاء والمعارضة. وبعد انتشار أغنيته اعتقل "الجنرال" من قبل قوات الأمن التي داهمت منزله في الـ6 من يناير 2011، وأفرج عنه بعد يومين مع اشتداد حدة الاحتجاجات، وما لبث أن سقط النظام بعد أسبوع واحد من مغادرته السجن. واختير بعدها حمادة عمر من بين أقوى 100 شخصية في العالم في استفتاء أجرته مجلة "تايم" الأمريكية وقناة "سي إن إن" بفضل أغنية "رايس البلاد". وعموما تلخص تجربة الجنرال المكانة المرموقة التي باتت تحظى بها موسيقى "الراب" في تونس بعد الثورة بعد أن ظلت لفترة طويلة توصف بالفن الهابط. سلاح فعال ويقول رضا بن منصور، أستاذ العلوم الموسيقية بالمعهد الأعلى للموسيقى، "في التاريخ النضالي اعتمدت الحركات السياسية والقومية والإسلامية على العديد من الأغاني الملتزمة، فازدهرت منذ الستينيات العديد من المجموعات والمغنين في هذا الصنف". ويضيف بن منصور، "ثورة تونس لم يكن وراءها أي من هذه الحركات السياسية، بل كان المحرك لها هو الشباب الذي لم يعاصر أيا من هذه الحركات، لذلك فإن "الراب" كان الشكل الفني الوحيد المخاطب لهذه الفئة من المجتمع فازدهر قبل الثور وبعدها للتعبير عن الاحتقان والمشاكل التي يعيشها الشباب". ويتجاوز مفهوم موسيقى "الراب" مجرد التعبير إلى أحد أكثر الأسلحة فعالية لدى الشباب بتونس في مواجهة مؤسسات القمع حتى بعد الثورة. وتبرز قضية الفنان علاء اليعقوبي، الملقب بـ"ولد الكانز"، أي ابن الـ15، كأبرز مثال في تحدي مؤسسة الشرطة عندما أطلق أغنية "البوليسية كلاب" في فيديو كليب، واعتقل على إثرها في يونيو 2013 بتهمة إهانة الشرطة وقد قضت المحكمة بسجنه سنتين نافذتين قبل أن يتم التخفيض في الحكم في طور الاستئناف إلى 6 أشهر مع وقف التنفيذ. علاء اليعقوبي وكانت الأغنية سببا أيضا في إيقاف فنان الراب أحمد بن أحمد الملقب بـ"كلاي بيبي جي" لنفس التهمة بعد أن أعاد ترديد الأغنية على مسرح الحمامات الدولي في أغسطس 2013 بحضور رجال الشرطة الذين كانوا يؤمنون الحفل. مواقف متباينة وفي الواقع أحدث الصدام المتتالي بين فناني الراب وباقي المؤسسات مواقف متباينة لدى الجمهور. ولا يحمل المتابعون لهذه الموسيقى الصاعدة من الأحياء الشعبية والفقيرة في تونس الانطباع نفسه الذي ساد إبان الثورة وقبلها بسبب تغير الأدوار وحتى مضمون الأغاني المتداولة. وتقول وفاء النويصر، في مقال لها على موقع "نواة" بتونس، والذي عرف بنضاله ضد القمع والفساد منذ فترة حكم بن علي، "يمكن القول إن "الراب" التونسي عرف نجاحا بعد الثورة، لكنه في المدة الأخيرة يشهد نكسة". وتضيف وفاء، "انحصرت مؤخرا مواضيع الراب في خندق شتم الحكومة، شتم البوليس واستهلاك المخدرات لدى الشباب وكأنها أصبحت تأشيرة الدخول لعالم فن الراب. وهذا يدل على الوقوع في تكرار نصوص مفرغة من الإبداع". "الراب" بحملة السبسي وأشعل ظهور فنان الراب التونسي، أحمد العبيدي، المعروف بلقب "كافون"، ضمن حملة قائد السبسي الانتخابية، جدلا آخر حول توظيف الراب للدعاية السياسية وابتعاده عن حاضنته في الأحياء الفقيرة. وبدأ هذا الجدل أولا مع صعود أحد صناع الثورة "الجنرال" في صف الحملة الانتخابية للرئيس المتخلي المنصف المرزوقي على الرغم من تأكيده مرارا أن على فنان الراب ألا ينضوي تحت لواء أي حزب. وعندما سئل من قبل الصحافة المحلية قال الجنرال، الذي يعرف نفسه كأحد حماة الثورة، "سأساند المرزوقي في هذه المرحلة فقط ضد عودة النظام القديم". لكن موقف الجنرال قوبل بانتقادات حادة حتى من زملائه من فناني الراب. وقال الفنان مهدي العكاري والملقب بـ"دجي كوستا" من حي التضامن الفقير قرب العاصمة، "مغني الراب يجب ألا يقف مع السياسيين، عليه أن يبقى محايدا، هو ليس معنيا بممارسة السياسة أو بدعم الأحزاب". وقال الفنان "كلاي بيبي جي" في أحدث أغانية "لسنا للبيع.. لسنا للكراء.. ليس زهدا، لكن كبرياء". وقد يجد أبرز فناني "الراب" أنفسهم اليوم مدينين بشكل غير مباشر إلى النظام القمعي قبل اندلاع الثورة والذي ساهم في صعود نجمهم. لكن مع تخطي تونس لمرحلة الانتقال الديمقراطي بنجاح، فإن شهرة "الجنرال" و"كوستا" و"كافون" وغيرهم، ستوضع الآن على المحك، إذ يتوقف بحسب الملاحظين، نجاح موسيقى "الراب" في الحفاظ على ريادتها في مدى قدرة هذا الفن على التعاطي مع القضايا الجديدة في مرحلة النظام الديمقراطي.

1388

| 07 يناير 2015