رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ليلة من صيف سنة 1925، وبينما كان بحارة الخليج على ظهور السفن بعد يوم طويل من الكفاح بحثاً عن اللؤلؤ، على أمل أن يرزقهم الله من خيره، هبّت فجأة عاصفة هوجاء لم تميز بين سفينة وأخرى، فعبثت بجميع من في بحر الخليج، وأرعب صداها كل من في برّ الجزيرة العربية.
كانت تلك الليلة بحق من أشد الليالي التي مرّت على الخليجيين قسوة، لقد خلفت تلك العاصفة كارثة إنسانية لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الزمن، لذلك أطلق عليها أهل الخليج (سنة الطبعة).
انحسرت العاصفة فجأة كما بدأت، وأشرقت شمس الصباح على مشهد آلاف الجثث من أسلافنا على صفحة البحر الهادئ، وحولها بقايا أشرعة السفن وألواحها كما لاح أيضاً في الأفق القليلُ من السفن التي كتب الله لها ولأهلها النجاة، وشرع من عليها يتفقدون الجثث، علّهم ينقذون من كان فيه بقيّة حياة.
لقد كان بديهياً لأهل الخليج أن ينظروا إلى حادثة الطبعة انطلاقاً من إيمانهم بالقضاء والقدر، فإن إرادة الله فوق كل شيء، ولا رادّ لحكمه، قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم، والله عز وجل بحكمته وعلمه وكرمه يوفق من يشاء من عباده إلى أسباب نجاته من نوائب الدهر، مثلما أوحى إلى ذي النون عليه السلام، بعد أن تقطعت به السبّل في بطن الحوت، أن يلهج بالدّعاء والنداء قائلاً: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) صدق الله العظيم، فكان هذا الدعاء سبباً في نجاته إننا نستعيد هذه النائبة المأساوية للطبعة في صيف 2017 وغيرها، لأهمية الأثر الذي تركته على حياة القطريين وثقافتهم بشكل خاص، وللاستفادة من دروسها، فإن على الأمم والدول أن تمتصّ رحيق الحكمة من أحداث التاريخ لتغذيّ به حاضرها ومستقبلها، والله تعالى يقول: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) صدق الله العظيم، ولقد قيل: لا تسأل عمّن هلك كيف هلك، لكن اسأل عمّن نجا كيف نجا.
وقد تعالت في الآونة الأخيرة أصوات الذين يسعون في الأرض فساداً، ويروجون الأباطيل للإضرار بدولتنا الحبيبة قطر، فكانت عاصفة هبّت فجأة في وقت متأخر من ليلة العاشر من رمضان، والقطريون ما بين نائم وقائم، عاصفة مصطنعة من الأنباء الكاذبة أطلقها من يريد إغراق سفينة قطر المباركة التي شاء الله أن يكون مجراها ومرساها باسمه، فتلاشى كل ما جاءت به العاصفة من إسفاف وسفاهة، وستظل السفينة تبحر باسم الله لا يضرها الموج المتلاطم ولا تخيفها الريح العاصف.
فالحمد لله كل ما جات نايبه
جعلها لنا عز رفيع بناه
"المؤسس"
لقد مرت قطر الحبيبة وأهلها بالكثير من النوائب في تاريخها المعاصر، بعضها طبيعي كما حدث في سنة الرّحمة 1918، التي قضى فيها الكثير من القطريين بسبب الإنفلونزا الإسبانية وسنة الطبعة 1925، وأخرى اقتصادية كانهيار سوق اللؤلؤ سنة 1929، وما خلفه من مجاعة، وأيضاً الكثير من الحروب التي ضحى فيها القطريون بأنفسهم وأولادهم وأموالهم حتى أتمّ الله عليهم من فضله بالنصر المؤزر بعد كل نائبة.
إن لنا في تاريخنا عبراً، وإن التحديات التي خضناها بدءاً من جيل التأسيس والأجيال اللاحقة قد أظهرت بوضوح قدرة القطريين على تجاوزها، بل وبيّنت استعدادهم البطولي لمواجهتها في كل مرة والخروج منها أعزّ مما دخلوها.
واسمحوا لي أن أطرح هنا سؤالاً مهماً هو الذي من أجله كتبت هذا المقال وبدأته بالإشارة إلى حادثة الطبعة، ليقيني بأن الجواب عنه يلقي الضوء على إرث لدى القطريين وهو قدرتهم الفائقة على تجاوز النوائب، ونجاة سفينتهم في كل مرة.
وهذا السؤال هو: ما هذه القدرة الثقافية الكامنة لدى قطر في الاستجابة للتحديات؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أن ننتبه إلى شرطين أساسيين متلازمين إن توافرا تحقق الازدهار للدولة أو الحضارة فتنطلق القدرة الكامنة فيها للاستجابة للتحديات الكبرى، وإن غاب أحدهما أو كلاهما فمصيرها الزوال لا محالة، وهذان الشرطان هما فاعلية القيادة مع كفاءة الشعب، فتلازمهما يحوّل القدرة الكامنة عند أيّ تحدّ إلى طاقة إيجابية عظيمة تأخذ أكثر من صورة وشكل.
وإذا تفحّصنا الشرط الأول الخاص بفاعلية القيادة فسنجده قائماً على أمرين في غاية الأهمية، أولاً: رؤية القائد، وثانياً: الأبطال المخلصون (العصبة) الذين ينتقيهم القائد ويلتفّون حوله ويؤمنون برؤيته إيماناً صادقاً، فلا يثنيهم أمر مهما علا شأنه أمام تحقيقها وهم على استعداد للتضحية بأغلى ما يملكون ولديهم ملكة الإبداع التي تمكّنهم من إيجاد أنماط وحلول جديدة لتجاوز الصعاب التي يواجهونها وهم كذلك مثال وقدوة لغيرهم من أبناء المجتمع والملهمون لجميع فئاته.
وأما الشرط الثاني فيتعلق بكفاءة الشعب، فعندما يتحقق الإيمان بالرؤية بكل صدق فإن كل فرد من أفراد المجتمع سيتعزز انتماؤه لهذا الوطن وسيمنحه الشعور بأنه جزء من أسرة كبيرة متكاتفة متآخية، يشد بعضها بعضاً، ويحمي بعضهم بعضاً لتحقيق رؤية وطنية يعتبرها كل فرد منهم إنجازاً لم يكن ليتحقق لو كانوا متفرقين وسيجدون من خلال ولائهم وتضحياتهم معنى ساميا لحياتهم، وهذا ما سيطلق الطاقات الكامنة فيهم بكل تأكيد فتنجز الفئة القليلة ما يعجز عنه الألوف وتنتصر الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها عدداً.
وقد وهب الله سبحانه القطريين هذه القوة بأن مكنهم من تحقيق هذين الشرطين منذ جيل التأسيس فمن يتفحص عهد المؤسسين سيتجلى له تلازم فاعلية القيادة وكفاءة الشعب، وتستوقفه الرؤية التي نادى بها الشيخ جاسم في دعوته لإقامة دولة مستقلة عزيزة قائمة على العدل ونصرة المظلومين.
ورفعت عنها الضيم لا رغبة بها
ولكن حماي لكل مصاب
"المؤسس"
كثيراً ما كان المؤسس رحمه الله يبين رؤيته القائمة على قيم القطريين وآمالهم سواء على منابر المساجد وهو يقف خطيباً في صلاة الجمعة، أو من خلال قصائده المليئة بالنصائح والتوجيهات التي نعتبرها نحن الآن إرثاً تاريخياً واجتماعياً يؤكد لنا صحة اتجاه مسارنا في كل مرحلة.
إذاً كانت الرؤية غاية في الوضوح، لأنها تنهض على ثوابت أساسية كالعدل ومناصرة المظلومين لذا آمن بها القطريون بل واعتبروها واجباً مقدساً، فالتفّوا حول الشيخ جاسم صغاراً وكباراً كالبنيان المرصوص، مستلهمين منه الصدق والتضحية واستطاعوا أن يواجهوا كل التحديات والمحن التي مروا بها ولم تُضعف من عزيمتهم، بل كانت تزيد من إيمانهم وثقتهم وكانوا يرونها ثمناً بسيطاً في سبيل الوطن الذي حلموا به، والقائم على العدل والكرامة، وها هي الأقدار اليوم تحمّلنا قيادة وشعباً واجب الحفاظ على القيم التي قامت عليها قطر الحبيبة وما يمثله علمها الأدعم من إحقاق العدل ونصرة المظلومين وسنسير بلاشك على خطى الآباء والأجداد، ولن نحيد عن طريق أسلافنا العظام.
وإنه من الواضح اليوم مدى التزام حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله بما ورد في خطابه عند توليه الحكم إذا قال: "ما يصنع الولاية الرشيدة عن الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة"، وقال أيضا: "قطر كعبة المضيوم عبارة قالها مؤسس الدولة، ورددّها سمو الأمير الوالد، وسوف تبقى على هذا العهد في نصرة المظلومين".
ولقد جاءت الأزمة الراهنة، واستجابة الشعب مواطنين ومقيمين لهذا التحدي الكبير وهبتهم الصداقة، والتفافهم حول قائدهم لتكون شاهدة على إيمانهم برؤيته، ومشاركة حيه منهم في إنجاز بطولي سيبقى خالداً على مر التاريخ وسيكون إن شاء الله إرثاً لأبنائهم وأحفادهم يفخرون به.
ومما لاشك فيه أن هذه العاصفة المفتعلة خير اختبار لهذه القوة الروحية الدافعة للمجتمع وسيأتي يوم تتذكر فيه الأجيال القادمة التي نهيئ لها الغد الأفضل يوم العاشر من رمضان ليكون قصة جديدة ملهمة في تاريخنا يأخذون منها الدروس والعبر ونكون بذلك قد أدينا الأمانة لهم على أتمّ وجه.
هكذا تلتحم فاعلية القيادة بكفاءة الشعب، وتستمر ملحمة القطريين من جيل التأسيس إلى جيلنا الحالي وإلى الأجيال القادمة بتوفيق من الله، ولنتذكر دائماً هذا البيت للمؤسس رحمه الله.
فالحمد لله كل ما جات نايبه
جعلها لنا عزٍ رفيع بناه
"المؤسس"
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026