رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

177

د. خالد وليد محمود

عن «المركز الوطني للذكاء الاصطناعي»

30 أكتوبر 2026 , 12:00ص

ربما يحدث اليوم، للمرة الأولى في التاريخ، أن تسبق الخوارزمياتُ السياسةَ في كتابة التاريخ، وأن تتشكل موازين القوة في غرف البيانات قبل أن تظهر آثارها على خرائط الجغرافيا. فالعالم لا يشهد مجرد ثورة تكنولوجية، بل انتقالًا عميقًا في طبيعة القوة ذاتها؛ إذ لم يعد السؤال من يمتلك الموارد والسلاح فحسب، بل من يمتلك العقل الذي يديرهما، والخوارزمية التي تعيد ترتيب استخدامهما، والمعرفة التي تمنحه القدرة على استشراف ما لم يحدث بعد. وفي خضم هذا التحول، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من سباق تقني؛ إنه معركة صامتة على السيادة، وعلى حق الدول في ألا يكون مستقبلها خاضعًا لقواعد يصوغها الآخرون. من هنا، تكتسب خطوة قطر بإنشاء المركز الوطني للذكاء الاصطناعي أهميتها الاستراتيجية، بوصفها استثمارًا في موقع الدولة داخل عالم لا يكتفي فيه الأقوياء بصناعة التكنولوجيا، بل يسعون أيضًا إلى صياغة القواعد التي تحكمها.

إن تأسيس المركز الوطني للذكاء الاصطناعي يندرج ضمن توجه قطري أوسع نحو ترسيخ الاقتصاد الرقمي وتعزيز القدرات الوطنية في التكنولوجيا المتقدمة. فقد ذكر بيان بشأن الاستثمارات القطرية في هذا القطاع أن حجمها خلال عام 2026 يُقدَّر بنحو 25 مليار دولار، فيما خُصصت حوافز حكومية بقيمة نحو 2.4 مليار دولار لدعم الذكاء الاصطناعي محليًا، وتعزيز القدرات الوطنية، واستقطاب المواهب والاستثمارات إلى الدوحة. كما تتوسع استثمارات جهاز قطر للاستثمار في الشركات التكنولوجية العالمية، بما يعكس توجهًا نحو اقتناص الفرص التي يتيحها أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي.

هذه المعطيات تكشف عن مسارين متكاملين: الاستثمار في الشركات والتقنيات العالمية للاستفادة من فرص النمو، وبناء منظومة محلية قادرة على استيعاب التطبيقات الذكية وتطويرها. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال وحده، بل في قدرتها على توليد المعرفة، ونقل التكنولوجيا، واستقطاب المواهب، وخلق قيمة اقتصادية مستدامة داخل الدولة. وهنا تبرز أهمية المركز بوصفه إطارًا مؤسسيًا يمكن أن يربط بين الاستثمار والسياسات والبحث العلمي، ويمنح التحول الرقمي اتجاهًا وطنيًا أكثر تكاملًا.

فالسيادة الرقمية لا تعني الانغلاق عن العالم أو الاستغناء عن تقنياته، بل امتلاك القدرة على الاختيار والتطوير والتأثير في القواعد التي تحكمها. والدولة التي تكتفي باستهلاك التكنولوجيا قد تجد نفسها معتمدة على حلول ومعايير لا تتحكم في شروط إنتاجها أو تحديثها؛ أما التي تستثمر في المعرفة والقدرات البشرية، فتمتلك فرصًا أكبر للمشاركة في صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء المركز، بالتوازي مع تطوير القدرات الرقمية والتدريب، يمثل خطوة نحو بناء منظومة تجمع بين تطوير السياسات، وتشجيع الابتكار، وتنمية الكفاءات الوطنية.

لكن التكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، لا تعفي الإنسان من المسؤولية، ولا تجعل الابتكار غاية مستقلة عن المصلحة العامة. فالذكاء الاصطناعي يثير أسئلة جوهرية حول الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، والمساءلة القانونية، وحدود اتخاذ القرار الآلي. ومن ثم، فإن نجاح المركز يتطلب تطوير أطر تنظيمية توازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق، وتضمن الشفافية والمساءلة والاستخدام المسؤول. فالتحدي ليس في تسريع التحول الرقمي فحسب، بل في ضمان ألا تتقدم التكنولوجيا على قدرة المؤسسات على فهم آثارها وتنظيمها.

كما أن بناء القدرات الوطنية لا يقل أهمية عن الاستثمار المالي؛ فالمنافسة في هذا المجال لن تُحسم فقط بامتلاك مراكز البيانات والشرائح المتقدمة، بل أيضًا بامتلاك العقول القادرة على تطوير النماذج وتقييمها وتوظيفها. وهنا تبرز أهمية التكامل بين المركز والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، إلى جانب الاستثمار في التدريب وتطوير المهارات الرقمية، بما يضمن انتقال الدولة من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن استيراد الحلول إلى المشاركة في تطويرها.

 

مساحة إعلانية