رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خصص معهد" كارنيجي" المشهور في واشنطن الأسبوع الماضي دراسة متخصصة عن قطر لواحدة من الباحثين المهمين هي كريستيان اولريكسون بعنوان (قطر والربيع العربي)، وجاء في ملخصها:
"تعود القيادة القطرية الجديدة إلى اعتماد سياسية خارجية أكثر براغماتية، وإلى معالجة تداعيات دعمها للحركات الإسلامية في المنطقة، وتضيف: "ميزة قطر النسبية في الوساطة هي قدرتها على التوسّط في المفاوضات غير المباشرة واتصالات القنوات الخلفية بين أعداء لدودين، وعلى تحقيق التوازن في العلاقات بين مجموعة من الخصوم الذين تجمعهم عداوة متبادلة، وتنصح الدراسة أن "أي عودة إلى سياسة الدبلوماسية الهادئة في الغرف المغلقة ستعزز رصيد قطر باعتبارها محاورة فعالة بين أطراف متنازعة يصعب عليها المشاركة في حوار مباشر، مضيفة أنه يمكن لدولة قطر أن تستمر بتأدية دور بارز كقناة خلفية للتوسّط بين مجموعات قد يعجز المسؤولون الأمريكيون عن الوصول إليها مباشرة، إلّا أن مشاركتها في العمليات السياسية بنّاءة".
إذا فلننظر إلى حال الدول العربية الأكبر منا ومن قطر:
مصر أولاً، لقد أصبحت كالفيل العاجز وسط غابة مظلمة، أقلها لا يستطيع نظامها الرئاسي أن يحلّ مشكلته الأمنية البسيطة وبينما يسّد الطريق بثقله لأي تفرعات قد تخفف أزمة الاختناق،لا يستطيع الرئيس السيسي وضع تصور كامل لأي مشكلة أو حل أو تحليل لمشاكل الشرق العربي في أي خطاب للأمة أدلى به.
العراق، ذهب أشلاءً سياسية طائفية ممزقة لا يمكن إلا أن نتخيله في زمن "صفين والجمل" والخوارج والجاهلية المتقدمة، وهو ليس بأقوى من حمار أعرج امتطاه ضابط إيراني ليقلد الحاكم بريمر الأمريكي وليته مثله، فيما رئيسه الكردي ورئيس وزرائه الشيعي وبقية الرهط الحاكم لا يملكون من العقل خطابا يمكن أن تأخذ منه مقتطفا لفكرة مقال تحليلي عما جرى ويجري على أرض العراق.
سوريا، لا يزال النظام المسؤول عن كل هذه الفوضى والدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية للحضارة السورية القديمة والحديثة والصناعية والتجارية والزراعية والسلم الأهلي وإزهاق مئات آلاف الأرواح على يد الجيش أو التنظيمات التي جاءت "للجهاد" وتصفية حساباتها على أرضه، لا يزال النظام وعلى رأسه الرئيس الأسد لا يرى أي شيء في هذا العالم سوى الرئيس الرمز الذي لا يموت أبداً حتى لو مات كل الشعب السوري، فسيبقى هو لأنه الضمان والأمان.
اليمن، خرجت علينا أخيرا وكأنها نسخة ثانية عن العراق على شواطئ البحر الأحمر والهادئ، فالرئيس منصور عبدربه هادي كان آخر من يعلم، والجيش استسلم وأسوار المدن والحصون العسكرية تم تسليمها لرجال إيران بلا قيد أو شرط، بل هم من وضعوا الشروط والرؤية لمستقبل اليمن الذي تبخرت كل القوى السياسية فيه وتركت الساحة للحوثي ومليشياته.
بقية الدول العربية الكبيرة، لا تملك من القول فصلا، فإما أنها تكره ولا تملك الجرأة أن تقول من تكره ولماذا، أو أنها اختارت نظرية "التسكين" اللغوية، سكّن تسلم على رأي محمد حسنين هيكل في نصيحته للرئيس السادات في خطاباته بالعربية الفصحى كي لا يقع في ورطة التأويل، والأغلبية تريد أن يقاتل الآخرين عنها بالإنابة.
ماذا عن قطر إذا؟ هذه الدولة المتواضعة الحجم والسكان، كيف استطاعت أن تحدث فرقا كبيرا في ساحة العرب من المحيط إلى الخليج، والجواب بسيط متى ما عرفنا أن القيادة وإن لم تختلف عن باقي الأشقاء، ولكنها تتمتع برؤية وهدف وديناميكية مكنتها من الصعود بوقت قياسي إلى مقاعد الدول الكبرى، وليس "المال" كما يظن البعض، ولا القوة العسكرية، ولا التحالف مع الغرب، فكل ما يمكن الظن به مما سبق ذكره، لا تملكه قطر لوحدها، فقد سبقتها دول وأنظمة عربية بامتلاك هذه المؤهلات، الغنى الفاحش والقوة العسكرية الضاربة والعلاقات المتميزة مع الغرب كله، ولكنها عجزت عن التفكير البسيط بالتطور ولعب الدور المؤثر في ساحة العرب على الأقل.
في مقابلته الأخيرة مع محطة "سي إن إن" وضع الأمير تميم بن حمد آل ثاني تصوراته ودولته أمام العالم والغرب تحديدا وفي عقر دارهم، كما لم يخطر على بال من حشدّوا للتعبئة المعنوية ضد العالم العربي والإسلامي طيلة سنوات، فالأمير لم يتأتئ ولم "يتدبلس" ليغلف أجوبته بالمراوغة الدبلوماسية للخروج بالأجوبة الرمادية، بل ما قاله هو ما نريد من قادتنا أن يقولوه دائما للأمريكيين وصنّاع القرار وقوى الضغط على الساحة الأمريكية وفي عواصم العالم الأخرى، يجب التفريق بين حركات المقاومة الشعبية الإسلامية وبين المنظمات الإرهابية التي أعطتها الأنظمة الاستبدادية فرصة الانقضاض على المجتمع المستضعف وتنصب نفسها دولة خلافة أو جيشا مقاتلا للنظام.
لن أعيد نشر ما قاله الأمير، ولكن يعجبني جدا أن يخرج زعيم من بيننا بكلام واثق جريء جميل ليغرد خارج السرب الرتيب، ويمثل دولته الفتية الصغيرة الديناميكية التي تمثل شعبا عربيا بدويا طيبا، ثم يقول للغرب بلسان القائد السياسي المحنك: كفى شيطنة لكل الروابط والحركات الإسلامية أو التحررية مما ليس على هواكم، ولنقرأ ما هو أبعد من الفقرة التالية للأمير تميم: "يجب التمييز بين هذه الحركات لأنه في الولايات المتحدة وفي بلدان أخرى يعتبرون بعض الحركات إرهابية وفي منطقتنا لا نعتبرها كذلك، أما إن كان المقصود بعض الحركات المعروفة في سوريا والعراق فالجميع يعتبرها حركات إرهابية ولا يمكن القبول أو السماح لأحد بتمويلها فهناك اختلافات بين البلدان في موضوع التمييز بين المجموعات الإرهابية والمجموعات الإسلامية التي لا نعتبرها إرهابية وفي بعض البلدان، تُعتبر أي مجموعة ذات خلفية إسلامية مجموعة إرهابية، ونحن لا نقبل بذلك. كل ذلك مردّه أسباب سياسية"
كلام الأمير تميم هذا لم نجده بكل هذا الوضوح والصدقية والجرأة عند غالبية الزعماء والقادة العرب، ومن تحدث عن هذه الجزئية لم يدافع عن حق الإسلاميين في تشكيل حركات سياسية لهم، بل خانه التعبير أو نسي أن يذكرّ العالم الحر المدجج بالسلاح النووي أن الإسلاميين العرب يعيشون على أرضهم ويعتقدون بدين الله ولهم الحق في العيش بكرامة ليس حماس فقط في فلسطين بل بقية الحركات الإسلامية بباقي الدول التي تطارد أنظمتها المسلمين السنة والمعتدلين ولا تسمح لهم بالتعبير عن وجهة نظرهم، ثم تأتي الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة لتوزع تهم الإرهاب والألقاب المنفرة حسب مقتضيات المصالح السياسية لا حسب الواقع الصحيح.
أعتقد أن الأمير تميم بن حمد رسم بالإبرة والخيط صورة جديدة للعباءة العربية الإسلامية الممزقة بفعل الفاعلين الذين رسموا بالخناجر حدود الدم النازف بين شعوبنا، وهو دافع عن وجهة النظر لدولته، وقال ما يريد أن يعرفه الجميع عن الدور القطري دون العودة لمعهد كارينجي أو الصحافة البريطانية المنحازة أو الأعمدة الصحفية مدفوعة الثمن، لقد جاء جواب الأمير واضحا:
"نؤمن بالسلام والحوار والوساطة بين الدول لحل المشاكل، ونحن شعب ناجح جدا، وهذا ما سأسعى إلى التركيز عليه، لست مع طرف ضد آخر، ولدينا طريقة تفكيرنا الخاصة بنا في السياسة الخارجية وعلى الآخرين احترام ذلك".
ما الذي يريده الأمير تميم؟ هو ما يريده العرب، سلام وحوار وتفريق واضح بين ما هو إرهابي محتّل يقتل الأبرياء والأطفال ويدمر المساكن، وبين حركات الإسلام السياسي المعتدل التي تنادي بالتي هي أحسن، ثم الخلاص من الأنظمة الجزّارة التي جاءت بكل هذه الفوضى إلى بلادنا.
أفعى في صحراء مصر
يمر أسبوع على مذبحة مسجد الروضة في بئر العبد بشمال سيناء المصرية، وحتى اليوم ما زالت السلطات المصرية... اقرأ المزيد
1412
| 30 نوفمبر 2017
معركة القدس 1917
قبل مائة عام كهذه الأيام، كانت قد اندلعت للتو معركة القدس الكبرى بين قوات الإمبراطورية البريطانية والقوات العثمانية... اقرأ المزيد
9182
| 23 نوفمبر 2017
مائة عام على احتقار العرب
في مثل اليوم قبل مائة عام بصق وزير الخارجية البريطاني في وجه التاريخ العربي وضرب بحذائه كل مواثيق... اقرأ المزيد
1562
| 06 نوفمبر 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026