رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أنس تشكالا

مساحة إعلانية

مقالات

318

أنس تشكالا

أكثَرُ من كلام!

30 يوليو 2026 , 11:44م

قد لا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى فكرة جديدة، بل إلى طريقة جديدة لقول الفكرة نفسها. فالكلمات لا تحمل المعاني فحسب، وإنما تحمل معها المشاعر، وتوقظ في النفوس صورًا، وتفتح أبوابًا من التعاطف قد تعجز عنها الحقائق المجردة. ولهذا لم تكن البلاغة في كل الحضارات زينةً للقول، وإنما كانت فنًّا لفهم الإنسان والوصول إلى قلبه قبل عقله.

ويُروى أن رجلًا كفيفًا كان يجلس على درج أحد المباني المزدحمة، وإلى جانبه لوحة كتب عليها: “أنا أعمى.. أرجو مساعدتي". كان المارة يعبرون من أمامه مسرعين، فلا يقع في وعائه إلا القليل من النقود. وفي صباح أحد الأيام توقفت امرأة، ونظرت إلى اللوحة، ثم قلبتها وكتبت عبارة أخرى، ومضت في طريقها.

ولم تمضِ دقائق حتى بدأ المشهد يتغير. صار الناس يتوقفون أمام اللوحة، ويضعون في وعائه ما استطاعوا من المال، حتى امتلأ بعد أن كان شبه خالٍ. وعندما عادت المرأة في المساء، سألها الرجل: ماذا كتبتِ على لوحتي؟ فقالت: «لم أغيّر الحقيقة، وإنما غيّرت طريقة التعبير عنها". وكانت قد كتبت: "إنه يوم جميل.. لكنني لا أستطيع أن أراه".

القصة، سواء صحت تفاصيلها أم كانت من القصص الرمزية المتداولة، تكشف حقيقة يعرفها علماء اللغة منذ زمن طويل: ليست الكلمات سواء، وليست كل الجمل تؤدي الأثر نفسه، حتى وإن حملت المعنى العام ذاته. فالعبارة الأولى قدّمت حقيقة عن صاحبها، أما الثانية فقد جعلت القارئ يعيش التجربة معه، وينظر إلى العالم من عينيه الغائبتين.

ولهذا يقرر علماء اللسانيات والتواصل أن اللغة ليست وسيلة لنقل المعلومات فقط، بل هي وسيلة لتشكيل الإدراك وبناء الاستجابة. فالإنسان لا يتفاعل مع الوقائع مجردة، وإنما مع الطريقة التي تُعرض بها عليه. ومن هنا كانت صياغة الرسالة جزءًا من الرسالة نفسها.

ونلمس ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية. فقد تفتح كلمة بابًا كان مغلقًا، وتغلق كلمة أخرى قلبًا كان مستعدًا للاستماع. وقد ينجح معلم في غرس الثقة في طالب بجملة واحدة، بينما يهدمها آخر بعبارة لا يلقي لها بالًا. وقد يصلح خلاف عائلي بكلمة اعتذار صادقة، كما قد يشتعل بسبب لفظة قاسية خرجت في لحظة غضب.

وليس من قبيل المصادفة أن يحتل حسن القول مكانة رفيعة في الإسلام. فالقرآن الكريم يوجّه إلى انتقاء الكلمة قبل النطق بها، فيقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ويقول أيضًا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالمطلوب ليس مجرد قول الحق، بل قوله بأحسن أسلوب، لأن النفوس تفتح أبوابها للكلمة الطيبة أكثر مما تفتحها للعبارات الجافة.

وفي زمن تتسارع فيه الرسائل والتعليقات والمنشورات، أصبح كثير من الناس يكتبون قبل أن يفكروا، ويردون قبل أن يفهموا، ويتحدثون قبل أن يختاروا ألفاظهم. ومع هذا الضجيج، تزداد الحاجة إلى استعادة قيمة الكلمة، لا بوصفها حروفًا تُقال، بل مسؤولية تُحمل.

إن البلاغة الحقيقية ليست أن نستخدم الكلمات الكبيرة، بل أن نختار الكلمة التي تبلغ القلب بأقصر طريق. فرب عبارة موجزة غيّرت حياة إنسان، ورب خطاب طويل لم يترك أثرًا. والفرق بينهما لم يكن في الفكرة، بل في الطريقة التي صيغت بها.

ولعل أجمل ما نتعلمه من تلك القصة أن الكلمات لا تغيّر العالم بالسحر، لكنها قد تغيّر الإنسان، وإذا تغيّر الإنسان تغيّر العالم من حوله. لذلك، قبل أن نتساءل عمّا نقوله، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: كيف نقوله؟ ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في المعنى، وإنما في الأسلوب الذي يحمل ذلك المعنى إلى الآخرين.

[email protected]

مساحة إعلانية