رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

714

م. حسن الراشد

الثروة البحرية و«القراقير»

30 يونيو 2026 , 11:17م

تحظى البيئة البحرية في منطقة الخليج بمكانة استراتيجية وتاريخية عميقة؛ فهي شريان للحياة ومصدر للأمن الغذائي وركيزة اقتصادية أساسية وثقافية ارتبطت بأبناء المنطقة عبر الأجيال. وفي قلب هذه البيئة البحرية، تبرز هذه المصائد بوصفها واحدة من أكثر أدوات الصيد التقليدي كفاءة وانتشارًا لدى الصيادين، غير أن هذه الوسيلة الإنتاجية قد تتحول عند فقدانها في البحر إلى كابوس بيئي ومصدر خطر مستمر يُعرف علميًا بظاهرة “الصيد الشبح” (Ghost Fishing)، حيث تواصل بعض معدات الصيد المفقودة احتجاز الكائنات البحرية بصورة تلقائية.

وأصبحت هذه الظاهرة من المشكلات البيئية المعترف بها عالميًا ضمن ملف معدات الصيد المفقودة أو المهجورة، لما تسببه من استنزاف للثروة البحرية وإضرار بالنظام البيئي (Ecosystem). وفي بيئة الخليج العربي تحديدًا، تزداد أهمية التعامل مع هذه الإشكالية نظرًا لطبيعة الخليج الضحلة، وارتفاع ملوحته، وحساسية بيئاته البحرية الطبيعية، إضافة إلى كثافة النشاط الساحلي والصيد التقليدي فيه، وللأسف العشوائي أحيانًا أيضًا.

وتبدأ دورة هذه المشكلة عندما يفقد الصياد السيطرة على معداته نتيجةً لعدة أسباب؛ كالعواصف، أو التيارات البحرية، أو تشابك الشباك، أو مرور السفن. يُضاف إلى ذلك تفاوت مستويات الوعي البيئي لدى بعض العاملين في قطاع الصيد، فضلًا عن الممارسات الفردية غير المهنية كالإهمال واللامبالاة في التعامل مع هذه المعدات. وتكمن الإشكالية في أن بعض المصائد الحديثة تُصنع من أسلاك معدنية ومواد مقاومة للتآكل، مما يطيل فترة بقائها في قاع البحر مع احتفاظها بقدرتها على احتجاز الكائنات البحرية.

وبمجرد استقرار المصيدة المفقودة في القاع، تبدأ مرحلة الخطر البيئي، بحيث تدخل الأسماك والقشريات كالروبيان وسرطانات البحر، والرخويات مثل المحار، وحلزون البحر، والأخطبوط، والحبار (الخثاق) وغيرها من الكائنات البحرية إليها بحثًا عن الغذاء أو الاحتماء، ثم تتحول هذه الكائنات النافقة داخلها إلى عامل جذب لكائنات بحرية أكبر أو لكائنات مفترسة أخرى، فتستمر دورة الصيد الشبح بصورة متواصلة نسبيًا، مسببة هدرًا حقيقيًا للثروة البحرية.

ولا تقتصر الأضرار على الكائنات المحتجزة فقط، بل تمتد لتشمل البيئات البحرية الحساسة؛ إذ قد تتسبب حركة المصائد المفقودة أو استقرارها فوق الشعاب المرجانية والفشوت في أضرار مباشرة لهذه البيئات، التي تُعد حواضن طبيعية لتكاثر ونمو الأحياء المائية والأعشاب البحرية. كما تمثل هذه المصائد خطرًا على بعض الكائنات المهددة، ومن أبرزها السلاحف البحرية وغيرها من الأنواع النادرة التي قد تنجذب إلى الأسماك المحتجزة داخلها، ثم تعجز عن الخروج أو الصعود إلى السطح. وأمام هذه التحديات، تبرز مبادرة الحماية الفطرية من خلال مشروع لحماية السلاحف البحرية صقرية المنقار المهددة بالانقراض؛ لتُشكل صمام أمان لإنقاذ هذا الإرث البيئي الثمين من تلك المخاطر المحدقة.

وعلى المستوى الاقتصادي، يشكل هذا الصيد غير المراقب استنزافًا غير مباشر للجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي البحري، إذ تُفقد كميات من الأحياء البحرية سنويًا، فضلًا عما تسببه المعدات المفقودة من تشويه بيئي وتكاليف إضافية مرتبطة بأعمال التنظيف والاسترجاع.

إن مواجهة خطر هذه المصائد التائهة تتطلب تبني استراتيجية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: الابتكار الهندسي، والتنظيم التشريعي، والعمل الميداني والمسؤولية المجتمعية.

أولًا: الابتكار الهندسي: ويُعد تطوير تصميم هذه المصائد أحد أكثر الحلول فاعلية، ومن أبرز ذلك استخدام بوابات هروب قابلة للتحلل الحيوي، عبر تزويد المصيدة بفتحة صغيرة تُثبت بروابط طبيعية قابلة للتحلل بالمياه البحرية. وفي حال فقدانها، تتحلل هذه الروابط بعد فترة زمنية محددة، فتُفتح البوابة تلقائيًا، وتتحول المصيدة من أداة احتجاز مغلقة إلى مأوى بحري يسمح للكائنات بالدخول والخروج بحرية، أو بتحديد سعة الفتحات لمنع صيد صغار الأسماك.

ثانيًا: التنظيم التشريعي: ينبغي دعم هذه الحلول بمنظومة تشريعية وتنظيمية أكثر وضوحًا، تشمل سن القوانين والاشتراطات المنظمة لاستخدام معدات الصيد، واعتماد الوسم الرقمي للمعدات، أو استخدام عوامات سطحية تُربط بها وتحمل بيانات ترخيص القارب والصيد لتسهيل التعرف عليها وتتبعها، إضافة إلى تحديد أعداد معينة لكل صياد مرخص باستخدامها، بما يعزز المسؤولية ويسهّل عمليات الاسترجاع، على أن يُشترط للحصول على “تصريح إنزال قراقير” خاص بكل رحلة صيد، تحديد بيانات القارب بدقة، والمواقع المسموح بالإنزال فيها، ومرافئ الصيد المعتمدة. كما يمكن إنشاء نظام للإبلاغ الطوعي يتيح للصيادين الإبلاغ الفوري عن فقدان معداتهم عبر تطبيقات أو منصات بحرية متخصصة، دون التعرض لعقوبات مباشرة عند المبادرة بالإبلاغ بما يساعد الجهات المختصة على سرعة تحديد مواقع المعدات وانتشالها. وجدير بالذكر، حيث تعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول الخليجية تشديدًا وحزمًا في تطبيق هذه التشريعات البحرية، وتحديدًا في إمارة أبوظبي، التي تقود نموذجًا صارمًا في تنظيم وتحديد استخدام القراقير لضمان استدامة المخزون السمكي وحماية البيئة البحرية.

ثالثًا: الميدان العملي والمسؤولية المجتمعية: وفيها تبرز أهمية تعزيز الشراكة المجتمعية بين الجهات البيئية والصيادين وفرق الغوص التطوعية لتنفيذ حملات دورية لانتشال مخلفات الصيد المفقودة. وفي هذا السياق، تبرز فرصة استثنائية لتفعيل دور المسؤولية الاجتماعية (CSR) لشركات الطاقة والمشاريع الصناعية التوسعية في البحر (Offshore). إذ يمكن لهذه الشركات دمج عمليات المسح الرقمي والانتشال الدوري لهذه المصائد ضمن نطاق مشاريعها وعملياتها البحرية الاستكشافية أو التشغيلية، مستفيدةً من إمكانياتها التقنية المتقدمة وخبرات فريق الغوص الاحترافي لديها. إن هذا التكامل يحول المشاريع الصناعية إلى ذراع مساندة لحماية أعماق البحر، ويجسد المسؤولية المجتمعية المشتركة في أبهى صورها.

إن حماية المياه الإقليمية من تداعيات معدات الصيد التائهة ليست مجرد قضية بيئية عابرة، بل تمثل استثمارًا طويل الأمد في استدامة الثروة البحرية والأمن الغذائي والتوازن البيئي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير أطر تنظيمية وتشريعية أكثر وضوحًا، لا تقوم فقط على العقوبات، بل على نهج متكامل يجمع بين الوقاية، والتتبع، والتحفيز، والمسؤولية المشتركة، بما يضمن استدامة البحر وموارده للأجيال القادمة.

مساحة إعلانية