رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى لبنان في الرابع من يونيو، شجّع كيري أعضاء مجلس النواب اللبناني على انتخاب رئيس جديد للبلاد، وتعهد بتقديم 51 مليون دولار لمساعدة بيروت على استضافة اللاجئين السوريين، وأعلن أن الإدارة الأمريكية ستسعى إلى الحصول على تمويل إضافي لقوى الأمن اللبنانية. وأضاف: "خلاصة القول أن قيام لبنان آمن ومستقر هو شرط أساسي لقيام منطقة آمنة ومستقرة ". لكن زيارة كيري التي جاءت بعد يوم واحد من "إعادة انتخاب" الرئيس السوري بشار الأسد ووسط الفراغ الرئاسي في بيروت، قد ألقت الضوء فعلاً على غياب الأمن والاستقرار في لبنان. وللأسف، ليس من الواضح ما إذا كانت المبادرات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ستنجح في منع حدوث المزيد من التدهور.
في 25 مايو، أنهى ميشال سليمان السنوات الست من ولايته الرئاسية وغادر قصر بعبدا. ووفقاً للدستور اللبناني، كان يتعين على البرلمان انتخاب رئيس جديد بحلول ذلك التاريخ، لكن «تحالف 14 آذار» الموالي للغرب و«قوى 8 آذار» الموالية لسوريا بقيادة «حزب الله» لم ينجحا في التوافق على مرشح مقبول. وفي غياب الإجماع بهذا الشأن، رفضت الكتل السياسية حضور الجلسات النيابية منذ الاقتراع الأولي في 23 أبريل، الأمر الذي منع اكتمال النصاب القانوني اللازم للتصويت على انتخاب رئيس للبلاد.
وبما أن الرئيس اللبناني - الذي هو مسيحي بموجب القانون - لا يملك سوى صلاحيات قليلة، يمكن للحكومة أن تمارس مهامها من الناحية الفنية ولو بخطى متعثرة دون انتخاب رئيس تنفيذي. وهذا ما حدث على سبيل المثال بين 2007 و2008، عندما قام رئيس الوزراء في ذلك الحين فؤاد السنيورة - مسلم سني - بمهام رئيس الجمهورية بالوكالة لما يقرب من نصف عام.
إلا أن الإدارة الأمريكية قلقة من أن يؤدي الفراغ الرئاسي إلى تفاقم التوترات بين السنة والشيعة وإضعاف اتفاقية اقتسام السلطة في لبنان. وفي خطوة عكست الممارسات المعيارية المتبعة، لم تدعم واشنطن أي مرشح رئاسي بشكل رسمي. فقد قال الوزير كيري: "هذا الأمر يعود لزعماء لبنان". ومع ذلك لا يزال الانقسام بين «قوى 8 آذار» و«تحالف 14 آذار» حاداً وعميقاً.
ويجد «تحالف 14 آذار» مصدر قلق في التجاذب الجاري بين زعيمه سعد الحريري ورئيس "التيار الوطني الحر" والطامح الأبدي إلى الرئاسة ميشال عون، المتحالف مع «حزب الله». وفي الوقت نفسه، بدا أن الانتخابات السورية ومكاسب النظام العسكرية الأخيرة قد عززت من قوة «حزب الله» ونفوذه. والأمر الآخر الذي يصب في مصلحة المنظمة الشيعية هو أن مرشحها المفضل - أي قائد الجيش العماد جان قهوجي - لايزال أبرز مرشح "تسوية".
ولا يأتي تفضيل «حزب الله» للعماد قهوجي من قبيل المصادفة، فقد أعرب قهوجي في عدة مقابلات - على سبيل المثال، في محادثة أجراها في أبريل 2010 مع صحيفة "النهار" اللبنانية اليومية - عن استعداده للتنسيق مع «حزب الله»، فضلاً عن تقديره لـ "المقاومة". لكن من السذاجة تصديق ادعاء قهوجي بأن الحزب أعلن "التزامه بالقرارات الدولية، لاسيَّما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701"، الذي دعا، من بين أمور أخرى، إلى نزع سلاح «حزب الله»".
وفقاً للحكومة اللبنانية، هناك اليوم أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان، وبما أن عدد سكان البلاد كان يزيد قليلاً على أربعة ملايين نسمة عام 2011، يعدّ لبنان حالياً البلد الأسرع نمواً في العالم، وليس من المستغرب أن هؤلاء اللاجئين يرهقون البنى التحتية اللبنانية، فقد أشارت تقديرات "البنك الدولي" من عام 2013 إلى أن كلفة إعادة "توفير الخدمات العامة اللبنانية ونوعيتها إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الأزمة السورية ستبلغ 2.6 مليار دولار.
وفي أعقاب أسوأ موسم شتاء جاف مر على البلاد على الإطلاق، فإن صعوبات تأمين مياه الشرب قد تشكل تحدياً آخر، وبالنسبة للاجئين - والكثير منهم لا يستطيعون الحصول على المياه النقية بصورة متواظبة - ينطوي الوضع على مخاطر خاصة. إذ وفقاً لـ "منظمة الصحة العالمية" فإن الجمع بين الأطفال غير الملقّحين والظروف الصحية السيئة يجعل من لبنان عرضة لتفشي مرض شلل الأطفال.
وفي حين أن العبء المالي الناجم عن وجود اللاجئين هو بالغ الأهمية، فإن الوقع الاجتماعي البعيد المدى الذي قد يخلفه وجود 1.5 مليون سوري معظمهم من الطائفة السنية على التوازن الطائفي الدقيق ما بين السنة والشيعة والمسيحيين في لبنان يثير قلقاً بنفس القدر من الأهمية. ومن هذا المنطلق صرّح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس الأسبوع الماضي أن السوريين الذين عادوا إلى وطنهم ولو بصورة مؤقتة سيخسرون وضعهم كلاجئين. وأضاف درباس أيضاً أن لبنان - التي ليس لديها حالياً مخيمات رسمية للاجئين السوريين - ستعمل على إنشاء مخيمات للاجئين "في سوريا أو في المشاع "المنطقة الفاصلة البرية" على الحدود.
خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده كيري في بيروت، قال إن الوضع الأمني في لبنان يشكل "مصدر قلق بالغا للولايات المتحدة". وصحيح أن قلق الإدارة الأمريكية قد يكون صادقاً، لكن السياسات المتبعة لا تعكس على ما يبدو حالة الإلحاح المطلوبة. على سبيل المثال، إن الـ400 مليون دولار التي قدمتها واشنطن لتغطية التكاليف المتعلقة باللاجئين كانت مفيدة من دون شك، لكن المبلغ يعتبر متواضعاً بالنسبة إلى حجم المشكلة. علاوة على ذلك، لاتزال الإدارة الأمريكية عاجزة حتى اليوم عن إقناع الجهات المانحة الأخرى بالالتزام بتقديم المنح بالمستوى المماثل.
ولم تكتفِ الصحافة اللبنانية بانتقاد العرض الأمريكي حول المساعدات الإضافية للاجئين بسبب صغر حجمها، بل هاجمت بعنف سذاجة كيري المزعومة بتملقه لـ«حزب الله» وإيران من أجل "انخراطهما في مساعٍ شرعية لوضع حدٍّ لهذه الحرب السورية". وقد بلغ الحد بصحيفة "النهار" الموالية للغرب في عددها في 6 يونيو أن كتبت في افتتاحيتها "من حقنا الاستنتاج أن هذا كلام إحدى جمهوريات الموز، وليس كلام وزير خارجية أمريكا!".
لعل هذه المبالغة غير مبررة، لكن نهج الولايات المتحدة تجاه الوضع الأمني اللبناني تبدو فعلاً قصيرة النظر. وفي إطار متطابق مع إستراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب التي تعتبر أن الإرهابيين السنة - وليس شيعة إيران أو «حزب الله» - هم الذين يشكلون التهديد الأول، يستهدف لبنان مقاتليه السنة. وفي حين تعتبر هذه الطريقة الملتوية استجابة فعالة على المدى القصير بالنسبة للبنان، إلا أن تعاون «حزب الله» مع الدولة و"الجيش اللبناني" ["الوقات المسلحة اللبنانية"] يعزز أمن المنظمة في وطنها ويتيح لها تكريس مواردها لسوريا ويمهد الطريق أمام قيام أسلوب عمل للتعايش في لبنان ما بعد الحرب بصورة تضفي الشرعية على الهيمنة السياسية والاستقلال العسكري لـ«حزب الله». وفي الوقت نفسه، فإن تعاون الجيش مع الميليشيا الشيعية ضد المقاتلين السنة يخاطر تقويض مفهوم حياد "الجيش اللبناني" ويضعف بذلك هذه المؤسسة.
والأسوأ من ذلك هو أن «تحالف 14 آذار» يتدهور بسبب غياب إستراتيجية غربية فعالة لتجديد نشاطه، الأمر الذي يزيد من احتمالات انتخاب العماد قهوجي رئيساً للجمهورية. ومن أجل دعم هذا التحالف من المستحسن أن تعمل واشنطن على تشجيع «تحالف 14 آذار» بالتمسك برئيس مقبول لا يكون على الأقل مرتبطاً بـ «حزب الله» أو متعاطفاً معه. وبالمثل، بغض النظر عن الانتصارات الأخيرة التي حققها "الجيش اللبناني" ضد المقاتلين السنة، يجب على واشنطن أن تحذّر بيروت من العواقب المحتملة - ربما من خلال مناشدة الكونجرس بالتهديد بقطع "التمويل العسكري الأجنبي" الذي تبلغ قيمته السنوية 71 مليون دولار - التي قد تنجم عن استمرار هذا التعاون العملاني بين "القوات المسلحة اللبنانية" و«حزب الله».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026