رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى لبنان في الرابع من يونيو، شجّع كيري أعضاء مجلس النواب اللبناني على انتخاب رئيس جديد للبلاد، وتعهد بتقديم 51 مليون دولار لمساعدة بيروت على استضافة اللاجئين السوريين، وأعلن أن الإدارة الأمريكية ستسعى إلى الحصول على تمويل إضافي لقوى الأمن اللبنانية. وأضاف: "خلاصة القول أن قيام لبنان آمن ومستقر هو شرط أساسي لقيام منطقة آمنة ومستقرة ". لكن زيارة كيري التي جاءت بعد يوم واحد من "إعادة انتخاب" الرئيس السوري بشار الأسد ووسط الفراغ الرئاسي في بيروت، قد ألقت الضوء فعلاً على غياب الأمن والاستقرار في لبنان. وللأسف، ليس من الواضح ما إذا كانت المبادرات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ستنجح في منع حدوث المزيد من التدهور.
في 25 مايو، أنهى ميشال سليمان السنوات الست من ولايته الرئاسية وغادر قصر بعبدا. ووفقاً للدستور اللبناني، كان يتعين على البرلمان انتخاب رئيس جديد بحلول ذلك التاريخ، لكن «تحالف 14 آذار» الموالي للغرب و«قوى 8 آذار» الموالية لسوريا بقيادة «حزب الله» لم ينجحا في التوافق على مرشح مقبول. وفي غياب الإجماع بهذا الشأن، رفضت الكتل السياسية حضور الجلسات النيابية منذ الاقتراع الأولي في 23 أبريل، الأمر الذي منع اكتمال النصاب القانوني اللازم للتصويت على انتخاب رئيس للبلاد.
وبما أن الرئيس اللبناني - الذي هو مسيحي بموجب القانون - لا يملك سوى صلاحيات قليلة، يمكن للحكومة أن تمارس مهامها من الناحية الفنية ولو بخطى متعثرة دون انتخاب رئيس تنفيذي. وهذا ما حدث على سبيل المثال بين 2007 و2008، عندما قام رئيس الوزراء في ذلك الحين فؤاد السنيورة - مسلم سني - بمهام رئيس الجمهورية بالوكالة لما يقرب من نصف عام.
إلا أن الإدارة الأمريكية قلقة من أن يؤدي الفراغ الرئاسي إلى تفاقم التوترات بين السنة والشيعة وإضعاف اتفاقية اقتسام السلطة في لبنان. وفي خطوة عكست الممارسات المعيارية المتبعة، لم تدعم واشنطن أي مرشح رئاسي بشكل رسمي. فقد قال الوزير كيري: "هذا الأمر يعود لزعماء لبنان". ومع ذلك لا يزال الانقسام بين «قوى 8 آذار» و«تحالف 14 آذار» حاداً وعميقاً.
ويجد «تحالف 14 آذار» مصدر قلق في التجاذب الجاري بين زعيمه سعد الحريري ورئيس "التيار الوطني الحر" والطامح الأبدي إلى الرئاسة ميشال عون، المتحالف مع «حزب الله». وفي الوقت نفسه، بدا أن الانتخابات السورية ومكاسب النظام العسكرية الأخيرة قد عززت من قوة «حزب الله» ونفوذه. والأمر الآخر الذي يصب في مصلحة المنظمة الشيعية هو أن مرشحها المفضل - أي قائد الجيش العماد جان قهوجي - لايزال أبرز مرشح "تسوية".
ولا يأتي تفضيل «حزب الله» للعماد قهوجي من قبيل المصادفة، فقد أعرب قهوجي في عدة مقابلات - على سبيل المثال، في محادثة أجراها في أبريل 2010 مع صحيفة "النهار" اللبنانية اليومية - عن استعداده للتنسيق مع «حزب الله»، فضلاً عن تقديره لـ "المقاومة". لكن من السذاجة تصديق ادعاء قهوجي بأن الحزب أعلن "التزامه بالقرارات الدولية، لاسيَّما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701"، الذي دعا، من بين أمور أخرى، إلى نزع سلاح «حزب الله»".
وفقاً للحكومة اللبنانية، هناك اليوم أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان، وبما أن عدد سكان البلاد كان يزيد قليلاً على أربعة ملايين نسمة عام 2011، يعدّ لبنان حالياً البلد الأسرع نمواً في العالم، وليس من المستغرب أن هؤلاء اللاجئين يرهقون البنى التحتية اللبنانية، فقد أشارت تقديرات "البنك الدولي" من عام 2013 إلى أن كلفة إعادة "توفير الخدمات العامة اللبنانية ونوعيتها إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الأزمة السورية ستبلغ 2.6 مليار دولار.
وفي أعقاب أسوأ موسم شتاء جاف مر على البلاد على الإطلاق، فإن صعوبات تأمين مياه الشرب قد تشكل تحدياً آخر، وبالنسبة للاجئين - والكثير منهم لا يستطيعون الحصول على المياه النقية بصورة متواظبة - ينطوي الوضع على مخاطر خاصة. إذ وفقاً لـ "منظمة الصحة العالمية" فإن الجمع بين الأطفال غير الملقّحين والظروف الصحية السيئة يجعل من لبنان عرضة لتفشي مرض شلل الأطفال.
وفي حين أن العبء المالي الناجم عن وجود اللاجئين هو بالغ الأهمية، فإن الوقع الاجتماعي البعيد المدى الذي قد يخلفه وجود 1.5 مليون سوري معظمهم من الطائفة السنية على التوازن الطائفي الدقيق ما بين السنة والشيعة والمسيحيين في لبنان يثير قلقاً بنفس القدر من الأهمية. ومن هذا المنطلق صرّح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس الأسبوع الماضي أن السوريين الذين عادوا إلى وطنهم ولو بصورة مؤقتة سيخسرون وضعهم كلاجئين. وأضاف درباس أيضاً أن لبنان - التي ليس لديها حالياً مخيمات رسمية للاجئين السوريين - ستعمل على إنشاء مخيمات للاجئين "في سوريا أو في المشاع "المنطقة الفاصلة البرية" على الحدود.
خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده كيري في بيروت، قال إن الوضع الأمني في لبنان يشكل "مصدر قلق بالغا للولايات المتحدة". وصحيح أن قلق الإدارة الأمريكية قد يكون صادقاً، لكن السياسات المتبعة لا تعكس على ما يبدو حالة الإلحاح المطلوبة. على سبيل المثال، إن الـ400 مليون دولار التي قدمتها واشنطن لتغطية التكاليف المتعلقة باللاجئين كانت مفيدة من دون شك، لكن المبلغ يعتبر متواضعاً بالنسبة إلى حجم المشكلة. علاوة على ذلك، لاتزال الإدارة الأمريكية عاجزة حتى اليوم عن إقناع الجهات المانحة الأخرى بالالتزام بتقديم المنح بالمستوى المماثل.
ولم تكتفِ الصحافة اللبنانية بانتقاد العرض الأمريكي حول المساعدات الإضافية للاجئين بسبب صغر حجمها، بل هاجمت بعنف سذاجة كيري المزعومة بتملقه لـ«حزب الله» وإيران من أجل "انخراطهما في مساعٍ شرعية لوضع حدٍّ لهذه الحرب السورية". وقد بلغ الحد بصحيفة "النهار" الموالية للغرب في عددها في 6 يونيو أن كتبت في افتتاحيتها "من حقنا الاستنتاج أن هذا كلام إحدى جمهوريات الموز، وليس كلام وزير خارجية أمريكا!".
لعل هذه المبالغة غير مبررة، لكن نهج الولايات المتحدة تجاه الوضع الأمني اللبناني تبدو فعلاً قصيرة النظر. وفي إطار متطابق مع إستراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب التي تعتبر أن الإرهابيين السنة - وليس شيعة إيران أو «حزب الله» - هم الذين يشكلون التهديد الأول، يستهدف لبنان مقاتليه السنة. وفي حين تعتبر هذه الطريقة الملتوية استجابة فعالة على المدى القصير بالنسبة للبنان، إلا أن تعاون «حزب الله» مع الدولة و"الجيش اللبناني" ["الوقات المسلحة اللبنانية"] يعزز أمن المنظمة في وطنها ويتيح لها تكريس مواردها لسوريا ويمهد الطريق أمام قيام أسلوب عمل للتعايش في لبنان ما بعد الحرب بصورة تضفي الشرعية على الهيمنة السياسية والاستقلال العسكري لـ«حزب الله». وفي الوقت نفسه، فإن تعاون الجيش مع الميليشيا الشيعية ضد المقاتلين السنة يخاطر تقويض مفهوم حياد "الجيش اللبناني" ويضعف بذلك هذه المؤسسة.
والأسوأ من ذلك هو أن «تحالف 14 آذار» يتدهور بسبب غياب إستراتيجية غربية فعالة لتجديد نشاطه، الأمر الذي يزيد من احتمالات انتخاب العماد قهوجي رئيساً للجمهورية. ومن أجل دعم هذا التحالف من المستحسن أن تعمل واشنطن على تشجيع «تحالف 14 آذار» بالتمسك برئيس مقبول لا يكون على الأقل مرتبطاً بـ «حزب الله» أو متعاطفاً معه. وبالمثل، بغض النظر عن الانتصارات الأخيرة التي حققها "الجيش اللبناني" ضد المقاتلين السنة، يجب على واشنطن أن تحذّر بيروت من العواقب المحتملة - ربما من خلال مناشدة الكونجرس بالتهديد بقطع "التمويل العسكري الأجنبي" الذي تبلغ قيمته السنوية 71 مليون دولار - التي قد تنجم عن استمرار هذا التعاون العملاني بين "القوات المسلحة اللبنانية" و«حزب الله».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5511
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2751
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2394
| 02 يونيو 2026