رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خليفة آل محمود

- محامٍ ومدون سياسي

مساحة إعلانية

مقالات

1092

خليفة آل محمود

تجارب نجاح تم إفشالها

29 ديسمبر 2024 , 02:00ص

عام 1988 شهدت الجزائر انتفاضة كبيرة سببها عدم وجود أفق سياسي، بالإضافة إلى صعوبات اقتصادية، بعد سقوط عدد كبير من الضحايا في المواجهات، خرج الرئيس الجزائري (الشاذلي بن جديد) ليعلن أنه لن يستقيل ولن يتخلى عن السلطة، وعد في كلمته بإصلاحات عميقة ودستور جديد يسمح بالتعددية السياسية، تلك الوعود أدت إلى إنهاء سيطرة الحزب الواحد التي استمرت منذ عام 1962، بعد ذلك، انهمك المشرّعون في ترجمة خطاب الرئيس إلى واقع، مما نتج عنه دستور جديد عام 1989 سمح لأول مرة منذ الاستقلال بتعددية الأحزاب.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ وُلدت نتيجة ذلك الالتزام الدستوري، كانت مجموعة من الشباب ذوي النزعة الإسلامية الذين قدموا تصورًا لما يمكن أن يكون عليه المجتمع، قدموا خطة عمل نجحوا من خلالها في إقناع الناخب الجزائري في أول انتخابات بلدية محلية عام 1990، ليحصل الحزب على 953 مقعدًا من أصل 1539، نجاحهم نال رضا الجميع وزاد من شعبيتهم، بعدها دخل الحزب أول انتخابات تشريعية في التاريخ المعاصر لحزب ذي توجه إسلامي عام 1991، ليكتسح الجميع، بما فيهم الحزب الحاكم.

الحزب فاز ضمن استحقاق ديمقراطي وبرقابة الدولة، وكان من المفترض أن ينصاع الجميع لذلك، وأن يكون الخاسر أول المصفقين للفائز حسب قوانين اللعبة الديمقراطية، لكن ما حدث كان هجومًا إعلاميًا داخليًا وتخويفًا دوليًا من ذلك الفوز، قام الرئيس بن جديد بإلغاء تلك النتائج، وقدم استقالته، وخوّل السلطة لقائد الجيش خالد نزار، بعدها، تم اعتقال قيادات المجموعة الفائزة، بل وصلت الأمور إلى اعتقالات عشوائية حتى أصبح كل ملتحٍ يخشى الخروج من منزله، حسب تعبير أحد المراسلين الأجانب، دخلت الجزائر عشر سنوات يُطلق عليها “العشرية السوداء”، سقط فيها الكثير من الضحايا.

أغرب ما في القصة أن الكثيرين يحملون الإسلاميين مسؤولية ما حدث، عندما أقرأ تلك التحليلات، يرد في ذهني سؤال: هل توجد جريمة في هذا الوجود اسمها “الفوز بالانتخابات”؟

في شتاء عام 2012، احتشد المصريون لأول مرة في تاريخهم في انتخابات حقيقية، حيث كان لكل صوت قيمة، تنافس فيها طرفان: أحدهما يمثل سلطة حكمت منذ عام 1952، والآخر يمثل حزبًا أقام في السجون منذ الأربعينيات من القرن الماضي، الجو العام لثورة يناير دفع قيادة الجيش إلى الانحناء للعاصفة والقبول بذلك الاستحقاق الانتخابي.

فاز محمد مرسي، وهو من حزب الإخوان المسلمين، وبرلماني سابق، وأكاديمي عمل في إحدى الجامعات الأمريكية لفترة من حياته، الفوز جاء بنسبة 52%، وهي نسبة لم تُشاهد في مصر لا قبل ذلك ولا بعده، مارس مرسي سلطته لمدة أقل من سنة، حاول خلالها تقديم وجه جديد لم يعتده المجتمع، سمح بالنقد العلني لعمله، ومارس الإعلام حريته المطلقة لدرجة التهكم على شخص الرئيس، وتقرّب من كل طبقات المجتمع، بمن فيهم الفنانون، وأرسل رسالة للجميع بأن القانون هو الفيصل.

لكن أجهزة الدولة العميقة لم تتعامل معه ووضعوا العراقيل في طريقه، ومن أبرزهم الداخلية والقضاء والجيش، ارتفع صوت النقد تدريجيًا حتى وصل إلى المطالبة بإزالته من السلطة، تمت محاصرته بدعاية إعلامية ضخمة لترويع الناس من القادم ومن سيطرة الحزب الديني على الحكم، خرج الجميع خوفًا على ديمقراطيتهم الوليدة، ليتم منح الجيش الشرعية للعودة إلى المشهد، وإعادة القبضة الحديدية على الجميع، لتصبح الحرية سحابة صيف تلاشت سريعاً.

تم القبض على مرسي، وعاد المصريون إلى سلطة حكمتهم منذ 1952، أصبح مرسي سجينًا، نفس المعادلة، وشاهدنا عبر الشاشات تعنيفه من القاضي وهو يحاول الدفاع عن نفسه، ليُعزل بحاجز زجاجي يمنع صوته، وفي النهاية، سقط صريعًا في إحدى جلسات المحاكمة، هنا، على خلاف التجربة الجزائرية، سأضع إجابة وليس سؤالًا: سبب كل ما حدث له هو فوزه بانتخابات نزيهة.

التجربة السورية مختلفة، ويجب النظر إليها بعيدًا عن التجربتين الجزائرية والمصرية، في سوريا، وصل الثوار إلى عاصمتهم وهم يحملون بنادقهم، ولا يزال السلاح في أيديهم، تلاشى بنيان الجيش وهربت عناصر الدولة العميقة، السوريون يمتلكون كل مقومات النجاح، والأمر بأيديهم دون مزاحمة من أحد.

في الجزائر ومصر، كانت سلمية الحراك عاملاً رئيسيًا في إحداث العاصفة التي أجبرت عناصر الدولة العميقة والجيش على الانحناء مؤقتًا، لكن ما إن هدأت العاصفة، عادوا ليعيدوا الجميع إلى المربع الأول، في سوريا، الوضع مختلف تمامًا.

الكثير ينظر إلى التجربة السورية من خلال خبرته في الأحداث السابقة، ولا يُلامون في ذلك، الخوف عليهم من تكالب الأطراف الخارجية بسبب النزعة الدينية كان مبررًا، لكن مع مرور الوقت، تغيّر الوضع، بعد 14 عامًا من الكفاح، ومع تفويض دولي للنظام القاتل، وبعد أعداد الشهداء والجرحى والمهجرين التي وصلت إلى أرقام فلكية، ومع استخدام الأسلحة المحرمة، اكتسب الثوار نضجًا كبيرًا، أصبح لديهم خريطة طريق أذهلت الجميع، رغم الأخطار الداخلية والخارجية التي تحيط بهم.

عودًا على بدء، فإن عداء العالم لأي تجربة سياسية ناجحة تقوم على مبدأ واضح لا يتغير، وليس بسبب المظاهر الدينية التي تظهر هنا أو هناك، هو حقيقة ثابتة، انحياز العالم لبشار الأسد وأبيه، رغم خمسين عامًا من القمع والفساد، وتوجيه الاتهامات للثوار في أول أيام حكمهم دليل على ذلك.

بشار الأسد، بكل صوره التي لا تنتمي إلى الإنسانية، لا يزال خيارًا مفضلاً لدى الكثيرين، هذا على الرغم من جبنه، ومنظومة فساده، وانهيار جيشه، لذلك، فإن محاولة إفشال السوريين في بناء دولتهم بدأت منذ 14 عامًا، وازدادت حدتها عندما شعر السوريون بحريتهم وانتصارهم، اللحظة التي صدحت فيها التكبيرات من مآذن دمشق معلنةً نهاية كابوس أسرة الأسد.

نحن أمام مجموعات تستفزها حرية شعوب الشرق الأوسط وبناء دولهم على أسس حقيقية، هذا العداء يمتد منذ 1446 عامًا، ولا يزال مستمرًا، السبب الحقيقي ليس في صلاة طلاب في حرم جامعة، أو صعود رئيس وزراء على منبر مسجد، أو استهلال رئيس خطابه بآيات من الذكر الحكيم، السبب أعمق من ذلك بكثير، والعاقبة لمن يتمسك بمبادئه ويسعى لتحقيق الحرية والكرامة لشعبه.

 

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية