رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رده على إعلان حزب جبهة التحرير الوطني ترشيحها الرئيس بوتفليقة للرئاسيات القادمة دون أن يعلن هذا الأخير عن ترشحه أو الكشف عن برنامجه السياسي قال لخضر بن خلاف العضو القيادي في جبهة العدالة والتنمية إن "إعلان سعداني ترشيح بوتفليقة ليس سوى استكمال تنفيذ خارطة الطريق للرئاسيات التي بدأت من التغييرات التي أقرها بوتفليقة في الجيش والتحالفات السياسية الجديدة، والنزول الميداني من قبل الوزير الأول عبدالمالك سلال لإلهاء الناس بالتنكيت والفتاوى.. من يوم إلى يوم يتأكد أن اللعبة مغلقة والعهدة الرابع على الأبواب، السلطة تنتظر فقط من يشارك في العرس الانتخابي، بعد تعديل دستوري لوضع نظام رئاسي بالوكالة". خطورة هذا الكلام تتمثل في أن النظام لا يريد التغيير ويحضر لانتخابات ستكون شكلية والهدف النهائي هو المحافظة على الوضع الراهن وهو وضع مع الأسف الشديد أثبت فشله وعدم فعاليته.ما قامت به اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني هو قطع الطريق أمام الإصلاح والتغيير فبقاء الرئيس الحالي الذي يعاني من مشاكل صحية منذ سنوات سيعطي الفرصة للانتهازيين للمحافظة على اللعبة السياسية كما هي من دون انفتاح ولا تغيير ولا إصلاحات من شأنها تغيير الذهنيات وآليات العمل السياسي في الجزائر.
مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية في شهر أبريل القادم تعيش الساحة السياسية الجزائرية حراكا سياسيا كبيرا. ففي آخر التطورات أعلن حزب جبهة التحرير الوطني عن ترشيحه رسميا الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة رابعة. والتآمر المثير للجدل هذه الأيام في الشارع الجزائري هو الرئيس بوتفليقة الذي يرى الكثيرون أنه غير مؤهل صحيا لقيادة البلاد والدليل على ذلك هو عدم حضوره العديد من المناسبات الرسمية التي كان من المفروض أن يشرف عليها شخصيا. فإذا كان أول وأقوى حزب سياسي جزائري يعيش صراعات داخلية عنيفة وانقسامات عديدة من أجل التسابق والانفراد بترشيح الرئيس الحالي فهذا يعني أن الجزائر غير مستعدة للتغيير وأن القوى السياسية الفاعلة التي تتسابق فيما بينها لترشيح بوتفليقة تريد الحفاظ على الوضع الراهن لضمان مصالحها على حساب مصلحة البلاد والعباد.
للتذكير لقد مرت الجزائر بامتحان عسير خلال العشرية السوداء (1990-2000) ودفعت ثمنا باهضا تمثل في قتل أكثر من 200.000 شخص وخسائر مادية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، الأمر الذي جعل الجميع يظن أن الجزائر ستدخل مرحلة جديدة يسودها الحكم الراشد والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة. رغم العشرية السوداء لم يستفد الشعب الجزائري من الخسائر والدروس القاسية بل على العكس تراجعت الديمقراطية وتراجعت المكاسب التي حققتها الجزائر من خلال تعديل الدستور والتعددية السياسية والإعلامية سنة 1989. فبينما كان لا يحق للرئيس أن يحكم البلاد أكثر من عهدتين، تغيرت الأمور في عهد الرئيس بوتفليقة بإلغاء المادة التي تنص على ذلك وترك الباب مفتوح لعهد عديدة من دون تحديد. من خلال الثلاث عهد التي حكم من خلالها الرئيس بوتفليقة البلاد (1999- الحاضر) شهدت الجزائر أسوأ فساد إداري ومالي عرفته في تاريخها. فمن قضية الخليفة والتي تقدر الأموال التي تم تبديرها بما يزيد على السبع مليارات دولار، تلتها قضية فساد أكثر بكثير وتقدر بضعف كارثة الخليفة وهي قضية سونطراك (1) وسونطراك (2) إضافة إلى تبدير أموال الشعب بالمليارات في مشروع الطريق السريع شرق غرب، وغيرها كثير من المشاريع التي كانت تنهب أموالها ولا تنجز، أو تنجز بتأخر كبير جدا وبأموال وموازنات ضعف ما كان مقرر لها. في كل هذا شفع للجزائر سعر البترول المرتفع والمداخل التي كانت تقدر بالمليارات من الدولارات سنويا. الغريب في الأمر أنه لم يسبق للجزائر أن تستفيد بمداخل البترول منذ استقلالها كالفترة التي حكم فيها بوتفليقة الجزائر. ورغم كل هذا فالبطالة متفشية، وغلاء المعيشة في تزايد وكذلك الأمراض الاجتماعية ومعاناة المواطن من أزمة السكن...إلخ.
بالنسبة للملاحظين والمنطق فإن الظروف الصحية للرئيس بوتفليقة وأوضاع البلاد المزدرية في مختلف المجالات كلها عوامل تؤشر إلى حاجة التغيير خاصة بعد ما شهدته دول الربيع العربي بعد تردي الأوضاع فيها وانتشار الفساد والظلم والاستبداد وغير ذلك. فكان من الأجدر بحزب جبهة التحرير الوطني التفكير في استراتيجية جديدة لضخ دماء جديدة في صفوفه وقيادته لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها الجزائر سواء داخليا أو إقليميا أو دوليا.فمشاكل الدول المجاورة –تونس-ليبيا-مالي-المغرب سواء ما يتعلق بالإرهاب أو تهريب الأسلحة أو المخدرات يتطلب دبلوماسية جزائرية قوية غابت مع الأسف الشديد في عهد الوزير مدلسي الذي كان يتفرج من دون تحريك ساكن عما كان يحدث. بالنسبة للوضع الداخلي فالجزائر بحاجة إلى استراتيجية اقتصادية رشيدة للخروج من الركوض الاقتصادي ومن الفساد ومن ضعف وانعدام الرشادة الاقتصادية فرغم توفر مخزون من العملة الصعبة يقارب المائتي مليارات دولار إلا أن المشاريع الاقتصادية في الجزائر قليلة أو أنها حبر على ورق كمشروع "بلارة" الذي ما زال لم ير النور رغم أنه بُرمج منذ أكثر من عقدين من الزمن. أما بالنسبة للاستثمار الأجنبي في الجزائر فكل المؤشرات تدل على أن الجزائر تأتي في مؤخرة دول العالم التي تتوفر فيها شروط استقطاب الاستثمار الأجنبي.
مما تقدم نتساءل عن أين هي الأحزاب السياسية في الجزائر وأين هي المعارضة وأين هم المخلصين الذين يريدون الخير لبلادهم ولشعبهم. فالاستحقاقات الرئاسية القادمة تمثل منعطفا تاريخيا للجزائر، إما التغيير والانطلاق نحو مواجهة التحديات والرهانات الكثيرة وإما الاستمرار في الرداءة والفساد. فالجزائر على غرار ما يحدث في المنطقة وفي العالم بحاجة إلى حكم راشد وإلى رئيس دولة ينعم بصحة جيدة ونظرة ثاقبة وحنكة وحكمة لأنها دولة تتوفر على كل مستلزمات وشروط النجاح والتطور. ففي المرحلة الحالية يتوجب على الأحزاب السياسية والمخلصين للبلاد أن يفكروا ليس في تزكية النظام القائم وإنما في ترشيح شخصيات سياسية لها من الخبرة والنزاهة والالتزام ما من شأنه أن يرحب برياح التغيير في بلد لا ينقصه إلا الحكم الراشد والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. فالمعارضة والأحزاب السياسية التي يتعدى عددها الستين نجدها بعيدة على واقع الشعب الجزائري الذي يستحق في واقع الأمر التغيير. فالكل ينتقد والكل يشتكي لكن دار لقمان على حالها وحتى الذين نهبوا أموال الشعب وتسببوا في تبدير أموال الدولة وتأخير المشاريع المختلفة لم يُقدموا للعدالة ولم يُحاكموا ويعيشون حياة عادية وكأنهم لم يفعلوا شيئا. وهذا يعني أن الفضاء السياسي الجزائري يعاني من مشاكل المصداقية والنزاهة وهبة الدولة وأنه بحاجة إلى "أخلقة" الحياة السياسية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10605
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3687
| 22 أكتوبر 2026