رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"لكل مجتهد نصيب"، تثير هذه الجملة امتعاض البعض، على اعتبار أنها تنتمي للأقوال الرومانسية غير الواقعية، انطلاقا من أن التجربة خير برهان، وقد لا يحالف كل مجتهد الحظ لينال نصيبه، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى أن يتمكن منه الإحباط واليأس فيمتعض من سماع هذا القول المأثور؛ ناهيك عن أن الشروط الواجب تحققها لينال المجتهد نصيبه قد تكون كثيرة ومعقدة وصعبة المنال وتواجه طوفاناً جارفاً من مسببات الإحباط واليأس.
ربما تتحقق هذه الفرضية في أحيان وفق شروط محددة كما أسلفنا بجانب عوامل الحظ والصدفة، ولكن هل يمكن الركون إلى تحقق الشروط ومصادفة الأقدار لينال كل مجتهد نصيبه، خصوصا إذا ما تناولنا هذا الأمر في سياق المجال الوظيفي، وما يترتب عليه وفق منظور تنموي وبعد إستراتيجي، وهل نيل الحقوق الوظيفية أو الشعور بالرضى الوظيفي نتيجة حتمية للاجتهاد؟
يواجه الواقع الوظيفي في كثير من القطاعات، وفي أحيان كثيرة، إشكالية تتمثل في أن للاجتهاد والمثابرة وإنجاز ما يوكل إلى الموظف من مهام بكل "أمانة وصدق"، نتائج قد تكون عكسية ومحبطة منها أن من يثبت كفاءته، قد توكل إليه مهام أكبر وأكثر، وهو في كل الأوقات يُتوقع منه الأكثر والمزيد، وبما أن لكل جواد كبوة! فإن موظفنا المجتهد قد يتعرض للوقوع في الخطأ أو السهو، أو ينعم بنعمة النسيان، وبالنظر إلى أن مبدأ الثواب والعقاب يعد من مقومات العمل المؤسسي والحوكمة، فقد يواجه هذا الموظف تأنيباً وتأديباً، وقد يُنذر ليكون أكثر حيطةً وحذراً في المسقبل، ذلك المستقبل الوظيفي الذي يبذل جهدا جهيدا لتحقيقه؛ هذا إن لم يتمكن منه الإحباط ويأخذ منه كل مأخذ، ليسعى جاهدا لتحسين واقعه الوظيفي بالهرب إلى حتفه نحو مكان آخر ليواجه نفس المصير، أو قد يبتسم له الحظ ببساطة فيجد نفسه في "الأرض الموعودة".
في مقابل ذلك نجد المتقاعسين من الموظفين ممن لا يعيرون العمل أي اهتمام غير الآبهين بتطوير مهاراتهم وإثبات قدراتهم على إنجاز الأعمال بكفاءة ينعمون في الغالب بالراحة والاستقرار والأمان الوظيفي غير مهتمين بما يدور حولهم. وبما أن مهمتهم تتمركز حول الحضور والانصراف في أوقات محددة، فإنهم غير معرضين لارتكاب الأخطاء، وبما أنه "لا عقوبة إلا بنص"، فإنهم في حِلٍّ من القرارات التأديبية والإنذارات المكتوبه منها والشفهية، ولكن السؤال المهم هنا هو: ماهي الرسالة الضمنية التي نريد إيصالها للموظف أو يفترض بها أن تصل؟، هل هي " التقاعس هو الحل" أم " لكل مجتهد نصيب ولو بعد حين".
تؤثر تلك السلبية التي تطال قطاعات كثيرة، كما أسلفنا، في بيئة العمل وتجعل منها بيئة طاردة، كما أنها تؤثر على الإنتاجية المرتبطة بالتنمية والتطور، و إذا ما سعى الموظف لتحسين ظروفه الشخصية بالانتقال إلى بيئة عمل تقدر أصحاب الكفاءات "أو هكذا يتوقع" وترك البيئة المحبطة خلف ظهره، فإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال اعتبار هذه الخطوة الجريئة، والتي قد يترتب عليها حل على المستوى الشخصي، بمثابة حل للمشكلة بصورتها الأشمل بتلك البساطة، حيث إن إهمالها في بعدها الإستراتيجي لن يحقق تقدما فيما يتعلق بتحسين بيئة العمل، والذي يؤدي بدوره إلى تحسين الإنتاجية وتحقيق التنمية على المستوى الوطني.
ومما يثير الامتعاض حقاً هو أن المتقاعسين والقواعد من الموظفين قد يشاركون الموظف المجتهد في الامتيازات والدورات والعلاوات والمكافآت والارتحال عن أرض الوطن في المهمات والزيارات، ولأن المتقاعس يسهل الاستغناء عنه، فإن طلباته بالابتعاد عن بيئة العمل تحت أي مسوغ مقبولة في غالبها؛ في حين أن صاحبنا المكافح الذي لا يمكن الاستغناء عنه يواجه مصيره في بحر متلاطم من الأمواج، فهو شعلة النشاط، وهو المهم الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وهو الشمعة التي تحترق لتنير دروب الآخرين، وفي نهاية المطاف قد يحصل على رسالة طبع في أوسطها "نشكركم على جهودكم التي بذلتموها" ليفاجأ أن زميله حصل على واحدة مثلها هو الآخر.
أستذكر هنا قول الشاعر (وإذا تكون كريهة أُدعى لها *** وإذا يحاس الحيس يُدعى جندبُ)، ولذلك فإن الحالة "الجندبية" -إذا صح التعبير- آخذة في الانتشار بكل أسف، ودون وضع تصور واضح لتصحيح المسار، فإن الرسالة التي سننقلها إلى الأجيال سيكون مفادها أن العمل والجد والمثابرة ذات مردود سلبي، في حين أن التقاعس إذا ما ارتبط ببعض المهارات الاجتماعية والمجاملات والمعارف وحسن إدارة العلاقات، فإن ذلك سيكون مفتاحا للنجاح المرتبط بالراحة والسكينة، ومن منا لا ينشد الراحة والنجاح.. و"السكينة"!.
عندما نتطرق للنجاحات التي حققتها كبرى الشركات وعمالقة التكنولوجيا ونحاول أن نحلل أسباب نجاحها، ونبحث عن العامل المهم الذي أدى إلى نجاحها لاستلهام التجربة منها، يتبادر إلى الأذهان سؤال: ما الذي يميز تلك الشركات وما هو العامل الذي أدى إلى نموها، هل هي الموارد ورؤوس الأموال؟ فذلك موجود لدى غيرهم، أم هي العقليات الفذة التي تديرها؟ فتلك أيضا تتغير مع مرور الزمن، إذاً ما الذي يميزها؟ أو ما الذي أدى إلى نجاحها؟
في الواقع، فإن الاستثمار في رأس المال البشري هو العامل المفصلي في تحقيق النجاح، وهو ما فطنت له كبرى الشركات، وشركات التكنولوجيا على وجه الخصوص، فتحقيق الرضا الوظيفي أمر حاسم ومهم في تحقيق النمو في قطاع الأعمال، عبر حسن إدارة المورد البشري، وهو من المفاهيم الحديثة في علم الإدارة، على اعتبار أن العنصر البشري يعد مورداً لابد من استثماره وتنميته والحفاظ عليه، ولتحقيق ذلك، لابد من تحقيق الرضا الوظيفي والأمن الوظيفي، وهو الأمر الذي لن يتم عبر تعليق المنشورات على حوائط مقر العمل من قبيل "عزيزي الموظف.. عزيزتي الموظفة"، فلا بد من معالجة كافة المعوقات التي تقف عقبه أمام تحسين ظروف العمل وفق منظور علمي، ووفق ما أثبتته أحدث الدراسات والأبحاث في هذا المجال، وليس عبر تغيير مسمى إدارة شؤون الموظفين إلى إدارة الموارد البشرية مع الإبقاء على العقلية ذاتها التي تتعامل مع الموظف كرقم وظيفي وحسب.
وأمام تلك الإشكالية وأمام الإحباط الذي يعيشه الموظف، هل يمكننا توجيه اللوم لمن اختار لنفسه النأي عن التميز وإبراز مهاراته والاكتفاء بالحد الأدنى من إنجاز الأعمال، أو انضم إلى فريق القواعد من الموظفين الذين لا يرجون تطورا ولا تحسنا، أو هل يقع اللوم على من نفذ بجلده بحثا عن بيئة عمل أنسب تحقيقا لمصلحته الشخصية متجاهلاً المصلحة الكبرى وأهداف التنمية بعيدة المدى؟ أم أنه غير مُلام بسبب المعطيات وما يفرضه عليه الواقع، وثم كيف يمكن للموظف في أسفل السلم أن يسهم في تقويم الوضع وتصويبه، وأن لا يكون ركنا من أركان "الجريمة"، وهل يمكننا التعويل على الدافع الشخصي للموظف للاستمرار في كفاحه واجتهاده، أم أن الدافع الشخصي عامل لا يمكن التعويل عليه بسبب الفروقات الشخصية بين البشر، وهل تتوافق إستراتيجيات الحوكمة ومفاهيم العمل المؤسسي مع الاعتماد على أمزجة ودوافع الموظف الشخصية لتحقيق تنمية شاملة وإصلاح المنظومة الوظيفية في أي مكان.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن النصيب قد لا يكون متعلقا بالإشادة أو التكريم أو الزيادة النقدية في "المرتب" أو تقلد المناصب القيادية، بل يكفي أن تهيأ البيئة الوظيفية وتصبح بيئة حاضنة مريحة ومحفزة على أداء العمل، وهذا هو الحد الأدنى من النصيب المنتظر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026