رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل الظروف الصعبة التي مرت وتمر بها الامة العربية في السنوات الأخيرة، أسئلة عديدة تفرض نفسها تتمحور أساسا حول موقع المواطن العربي في المعادلة السياسية وهل من دور لهذا المواطن في اللعبة السياسية وفي صناعة القرار؟. هذه الإشكالية تتطلب الغوص في مسائل أخرى ترتبط بآليات الرأي العام في المجتمع وبوجود الرأي العام كمتغير من متغيرات المعادلة السياسية في أي دولة. وهنا يجب أن نحدد آليات المعادلة السياسية وتوزيع السلطة وصناعة القرار وعلاقة صناعة القرار بالرأي العام وهل هناك علاقة في الأساس. وإذا عدنا إلى التاريخ وحاولنا استقراءه والغوص في خباياه نجد أن الشارع العربي لم يكن في أي يوم من الأيام موافقا على عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني. فالشعب المصري على سبيل المثال وبعد ما يزيد على ما يقارب الأربعين سنة من إقامة مصر علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني ما زال يرفض أي نوع من التعاون مع الكيان الصهيوني، وما يقال عن مصر يقال عن الأنواع والأشكال المختلفة من العلاقات والاتصالات وحتى المصافحات التي تمت بين القيادات العربية والصهاينة. لكن رغم هذا حدث ما حدث ولم يقرأ ويدرس ويحلل الشارع العربي كما ينبغي لمعرفة الواقع كما هو والرجوع إلى الشارع في عملية صناعة القرار. فهناك فجوة قاتلة بين صانع القرار والشعب أي الرأي العام. وحتى آلية صناعة القرار في الوطن العربي لا تخضع في معظم الأحيان للمنطق والشفافية والمنهجية في العمل التي تعتمد على الدراسات والأبحاث والأدلة الدامغة والإحصاءات. مع الأسف الشديد في الكثير من الأحيان يصنع القرار أو يتخذ بطريقة شخصية وفردية يغلب عليها طابع المزاجية والفردية والأنا المتورم والغطرسة والعنجهية. معظم هذه القرارات تكون طائشة وبعيدة عن الواقعية والمنطقة ومصلحة الأمة.
في مقال سابق تكلمنا عن اغتراب وتهميش وإقصاء المثقف العربي الذي أصبح دوره مشلولا في المجتمع وأصبح ينظر ويبرر الفساد والاستبداد والاستعباد. غياب المثقف أدى إلى غياب الشارع ما يعني غياب المواطن العربي عن الفضاء السياسي وتقرير مصيره والمساهمة في صناعة القرار. فما تقوم به بعض الدول العربية هذه الأيام من غطرسة وتدخل سافر في الشؤون الداخلية لدول أخرى رغم رفض شعوبها لهذه التصرفات ما هو إلا دليل قاطع عن الهوة الكبيرة بين صانع القرار والشعب. غياب الرأي العام يعني غياب الآليات السليمة والصحيحة والصحية والرشيدة للماكينة السياسية الديمقراطية. وإذا غاب الرأي العام غاب الرأي الآخر وغاب الحوار وغابت السوق الحرة للأفكار. ما نلاحظه مع الأسف الشديد هو وجود فجوة كبيرة بين السلطة والشارع العربي، بين الحاكم والمحكوم، بين صانع القرار وآليات صناعة القرار في الوطن العربي. قرارات هامة ومصيرية واستراتيجية تؤخذ باسم الشعب العربي وهو آخر من يعلم. وفي غالب الأحيان نلاحظ أن الشارع العربي - إذا كانت لديه الشجاعة أن يكشف عن موقفه – في اتجاه والسلطة في الاتجاه المعاكس تماما. وأخطر من هذا نلاحظ أن بعض القادة والحكام العرب يصرحون علنا ومن خلال وسائل الإعلام بشيء ويتفقون مع قادة دول عظمى في الكواليس على أشياء مختلفة تماما، فهناك خطاب للاستهلاك الإعلامي وللتمويه والتضليل وهناك خطاب آخر لإرضاء القوى التي تدير العالم أمثال الرئيس ترامب وعصابته. هذا الخطاب المزدوج يؤدي إلى ثقافة سلبية في المجتمع تقوم على النفاق والسلبية وتفرز سلوك الاستسلام والهروب من المسؤولية. النتيجة في النهاية هي انعدام السلطات المضادة في المجتمع وانعدام المجتمع المدني وانعدام المؤسسات والكيانات التي تراقب السلطة وأجهزتها وتراقب القوى التي تقود وتدير المجتمع. هذه القوى قد تحكم وتدير لخدمة مصالح فئة ضيقة جدا من المجتمع على حساب مصالح الأمة بكاملها ومصالح الفئات العريضة من المجتمع.
وفي كل ما تقدم نسأل ما هو التقارب الموجود بين السلطة العربية والشارع العربي - الرأي العام - في التعامل مع القضايا المصيرية والهامة وخاصة القضايا التي تمس مشاعر وأحاسيس ومصالح الشعب مباشرة. ومع الأسف الشديد وللوهلة الأولى نلاحظ أن الرأي العام العربي مغيب بطريقة منهجية ومنتظمة في الكثير من القضايا التي تهمه من قريب أو بعيد. وإذا أخذنا قضية غزو العراق كمثال على علاقة السلطة بالرأي العام في صناعة القرار نلاحظ أن الشارع العربي والرأي العام العربي في اتجاه والسلطة العربية في اتجاه آخر ونلاحظ هنا عدم تناسق الشارع مع صانع القرار وإلا أين رد فعل السلطة؟ وما هي الإجراءات التي اتخذت حتى تتساوى الدبلوماسية العربية والسياسة العربية مع الشارع العربي؟. السلطة في الوطن العربي ذهبت إلى أبعد من أنها تتجاهل الرأي العام، إنها قامت بقمعه وإسكاته وفي الكثير من الأحيان بصناعته وتشكيله وفبركته حتى يتناغم ويتوافق مع سياستها وإرادتها. ففي أحيان عدة نلاحظ التناقضات الصارخة بين الشارع وصاحب القرار وعادة ما نجد الرأي العام يتخذ موقفا ضد قرار السلطة والسلطة تتباهى وتتفنن في تطبيق القرار وفي بعض الأحيان تتفنن في قمع الرأي العام وإسكاته وتكميمه وسجنه وينتهي الأمر في بعض الأحيان إلى منع أي هيكل أو مؤسسة تنظيمية أو سياسية أو اجتماعية تختلف في الرأي مع السلطة.
الظاهرة الخطيرة التي تتفشى في العالم العربي هي ظاهرة الرأي العام "المفبرك" أو المنافق حيث إنه لا يعبر عن حقيقة وواقع الرأي العام، ويصبح رجل الشارع يدلي بآراء وأفكار ووجهات نظر غير مقتنع بها أساسا، وإنما يقولها لإرضاء السلطة لا غير، وفي هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى مرحلة خطيرة جدا وهي الانتحار الذاتي أو أننا أدركنا مجتمعا لا يؤمن بما يقول ومجتمعا مبنيا على النفاق. وسواء في غياب الرأي العام الحقيقي الواقعي أو في ظل وجود رأي عام منافق فإن السلطة لا تستطيع أن تتفاعل مع المجتمع ومع الشعب "السلطة الحقيقية" وهنا تقل آليات التفاهم والاتصال الحقيقي الذي يؤدي إلى التفاعل الفعال بين السلطة والشعب والاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية المتوفرة في المجتمع. ونختم بالقول إن الأنظمة العربية لا تجرؤ على إنشاء مراكز سبر آراء أو تسمح بإنشاء مثل هذه المراكز لأنها بكل بساطة تخاف من النتائج التي تقدمها مثل هذه المؤسسات والتي قد لا ترضيها وتفاجئ جماهيرها بحقائق صادمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1674
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026