رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعل من لطائف رحمة الله تعالى بالإنسان أن يعرضه في حياته للعديد من المواقف التي تؤثر فيه أياً كان اتجاهها نحو نفسه ولا سيما تلك التي يفاجئه الابتلاء فيها من خوف أو جوع أو برد أو حيرة مثلا، خاصة في حالة السفر إذ يستوفز الشعور أكثر فأكثر أليس لنا أن نتذكر دوماً أن الإنسان خلق ضعيفا في كل شيء وأن تدخل العناية الإلهية لمعونته، حيث يحتاجها يعتبر عنوانا بارزا للرحمة به، وبالتالي مدعاة له للانتظار دوما على أعتاب طاعة مولاه تعالى والتأمل العميق بما يريده له مما يصلحه ويصلح له لقد لامست بصدق ويقين مشاعري هذه الخواطر وأنا في سفر من الدوحة إلى اسطنبول وسراييفو عاصمة البوسنة والهرسك، حيث عشت في هذه الرحلة مع ركاب الطائرة مواقف لساعات ولكن فيها عبراً وعظات وكم في السفر من عبر. وقد دأبت منذ سنين أن أزور بلاد البوسنة رحلتين كل عام في الصيف وفي الشتاء متذكراً رحلتي قريش إلى الشام واليمن في الفصلين وإن كان الشبه مختلفاً لقد أسرتني فردوس البوسنة بجمالها الأخاذ سهلا وجبلا ونهرا وشجرا وثمرا وبشرا وفكرا، فأحببت التمتع بخلق الله في الكون واجتناء العلم والثقافة في تلك الأصقاع البعيدة، فالمعرفة وطن ليس له مكان وما أحيلى تلك الساعات التي أقضيها وأنا عاكف على مخطوطاتها البوسنية وباللغة العربية، حيث مجد الإسلام وعلومه ورجاله فيها، تاريخ كم يحتاج لنفض الغبار عنه واغتنام هذه الكنوز الفريدة منه ولعل مثل كتاب الجوهر الأسنى في علماء وشعراء بوسنة المطبوع لمصنفه العلامة المرحوم محمد الخانجي يضع القارئ على أعتاب هذا التراث الأصيل ورجاله العلماء والأدباء الأفذاذ، وما أحيلي الليالي والأيام التي أتفيأ مع لفيف من الأساتذة هناك بعض ظلالها وهم من هم نماذج للنهضة، حيث نتعاون على البر والتقوى دعما للتعليم والثقافة والعناية باللغة العربية لقد يممت في الأسبوع الماضي السفر إليهم مع أني كنت أشعر وأعرف والجميع أن هذا الشتاء بارد جدا في أوروبا والأجواء مضطربة والشواهد لوقوع أحداث وتعطل مطارات وقعت وألغيت وأخرت رحلات، لكن القدر ساقني رغم ذلك أن أكون في رحلة عادية إلى اسطنبول، وقد أكرمني الله بصلاة الفجر في مطارها وانشرح صدري، حيث كان الانتظار قليلا والطائرة البوسنية الكبيرة لأول مرة في موعدها وكانت مغرية للاطمئنان بخلاف لما كانت صغيرة لا تتسع إلا لأربعين راكبا فقد عانيت منها في سفر الشتاء سابقا، فحمدت الله على تيسير الطائرة الكبيرة التي هي أكثر صمودا أمام الرياح والأجواء المتقلبة، وزادني فرحا أنني تعرفت على أخ أستاذ وإمام بوسني يتكلم العربية وقد درس في دمشق مما أراحني نفسيا وطمأنني، وقد امتطيت الطائرة برفقة هذا الأستاذ "اسمير" لكن مقعده كان في الخلف فقلت له: بعد الإقلاع أعود إليك إن شاء الله، لقد كان الجو ثابتا وعاديا منذ خروجنا وفرحت لهذه الطائرة الواسعة النظيفة المجهزة التي تحمل شعار البوسنة وخطوطها، ونظراً لكوني لم أكتحل بشيء من النوم في الليل اجتهدت أن استريح قليلا ثم أمر على السيد اسمير، لكنني نظرت إلى الخلف فرأيت بجانبه امرأة أشبه بالعجوز أجنبية ظننتها بوسنوية وهما يتحدثان، فلم أشأ أن أقطع مشوارهما، وما إن سار شيء من الوقت حتى بدأ الجو يضطرب شيئا فشيئا وأخذت الرياح تلطم الطائرة فتهتز وتميل وترتفع وتنخفض حتى استمر ذلك دون توقف وسمعت بعض الراكبين من أصل 150، حيث لم تمتلئ سفينتنا وهم يضحكون فقلت في نفسي ما شاء الله الناس معتادون على المطبات الهوائية واضطرابات الأجواء وأنا أشعر أن ذلك ليس عاديا فرجعت إلى نفسي ولمتها وقلت كن مثلهم، فالشجاعة ها هنا تعرف، ثم أخذ الوقت يمر سريعاً أو بطيئاً وقد دخلنا أجواء البوسنة بالاتجاه إلى سراييفو المحاطة بالجبال ونحن لا نرى إلا القتام والضباب وكأننا ريشة في مهب الريح وإذا بقائد الطائرة يعلن أنه بعد اتصاله بالبرج لن يتمكن من الهبوط وأنه بعد عشرين دقيقة سوف يتصلون به ليخبرنا بالجديد، ورجع الرجل للتحليق بنا أعلى مرة أخرى حائما حول الجبال دائراً وسائراً في اتجاهاته أكثر من ساعتين ولم يخبرنا بشيء وحتى لما سألت إحدى المضيفات قالت "وي دونت نو أني ثينك" إنها المضيفة نفسها لا تعرف شيئا والربان لم يعد ينقل الخبر السار للركاب الذين تأملت فيهم ورمقتهم مليا والحال هكذا فلم أجد إلا صمت القبور يلفهم ولا تسمع منهم إلا همسا، لقد كان الجزع والقلق سيد الموقف، قلت: يا سبحان الله رحلة وقتها ساعة ونصف الساعة تأخذ منا أكثر من خمس ساعات ونصف الساعة، وأخذت أفكر ويخطر كل شيء في بالي، وقلت لابد أن أكلم اسمير فهو الوحيد الذي يعرف العربية، ما الخطب وإلى أين نسير فمنعتني المضيفة، فألححت أن أجلس بجانبه فاعتذر إليّ ببسمة ضيقة، وقال ونحن لا نعرف شيئا إلا أن هذه العجوز التي بجانبي وقد جاءت من قطر من زيارة صهرها الطبيب في مستشفى حمد هي بولندية تسكن في البوسنة وقد آثرت إتمام الحديث معها عن الإسلام وهي فرحة إلا أنها جد غضبانة من هذا "الكابتن" الذي لم تر أجهل منه، لماذا لا يهبط في مطار موستار المعروفة بقلة برودتها مثلا أو مطار زغرب أو سلوفينيا أو يعود بنا إلى اسطنبول، فلا شك أن الوقود سينتهي، وحدها تلك العجوز التي رأيتها تشكو ولم أر أحدا من الركاب الذين هم خليط من المسلمين والكروات والصرب وبعض الأتراك وغيرهم ينبس ببنت شفة ولا يمكن أن تلحظ الترابط الذي يجب أن يكون بينهم إنسانيا فإن الخلاف في الأديان يكون داعية للتعاون بدافع الحاجة البشرية كما يقول أبو الحسن الماوردي وهنا خطر في بالي أن الإنسان لا يدري متى يبغته الموت هذا الموعد المجهول وقد ألقى الله على نفسي السكينة أي والله وسلمت الأمر إليه وتذكرت قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثديي أمه فازددت اطمئناناً ولكن خطر في بالي أيضا كم نحن مقصرون في كتابة الوصية التي قد لا تستغرق إلا قليلا وهذا من الواجبات، وكذلك إجراء الوكالة المالية مهما كان الأمر والوكالة بكل ما هو مطلوب، فالمسلم يجب أن يريح من بعده ويوثق الأمانات والعهود في حياته وكذلك خطر في بالي كيف يذكر الفقهاء والمفسرون عند قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة...)، "البقرة"، إن البحر يحظر ركوبه أثناء ارتجاجه خوفا من الغرق، فقس ذلك على الجو والبر، ثم تذكرت كيف يقوم الإسلام بالتسلية والتسرية للناس عند المصائب ليخففها، حيث إن المصائب يجمعن المصابينا على غرار ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في غزوة الخندق، حيث البرد والجوع فيتمثل لهم الرجز وهم يجيبونه لتسهيل الخطب وقلت أين مدينة اليوم من حضارة الإسلام.
وأخيراً جاء الأمر بالهبوط في مطار بانيالوكا المدينة الثانية بعد سراييفو وإذا بصديقين عزيزين شهمين من السعودية في الطائرة معنا انتظرا وآنسانا وأكرمانا السيدين محمد الرشيد إبراهيم وسلطان داود بخلاف إدارة المطار السيئة ثم عدنا بعد ساعة إلى سراييفو وصفق الجميع.. فيالها من رحلة!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8913
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4839
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026