رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مهند الشوربجي

• مستشار وباحث في الدبلوماسية والعلاقات الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

252

مهند الشوربجي

من دبلوماسية الاعتراف إلى دبلوماسية بناء الدولة

27 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في لحظة دولية دقيقة، جاءت مشاركة دولة قطر في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لتؤكد أن فلسطين ما زالت في صميم النقاش الدولي. وفي خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الجمعية العامة، كان التأكيد واضحًا على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وعلى ضرورة إنهاء معاناة الفلسطينيين والوصول إلى سلام عادل ودائم. وتواصل هذا الموقف في مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في الاجتماع رفيع المستوى حول حل الدولتين، حيث جددت قطر دعمها لإقامة الدولة الفلسطينية ودعت إلى تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بغزة.

لكن من وجهة نظري، فإن المرحلة المقبلة تفرض علينا سؤالًا مختلفًا: ماذا بعد الاعتراف؟

لقد نجحت الدبلوماسية الفلسطينية، على مدى سنوات طويلة، في تثبيت حضور فلسطين في النظام الدولي وانتزاع المزيد من الاعتراف السياسي والقانوني. وهذا إنجاز مهم، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية المسار. فالاعتراف بالدولة لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت قادرة على ممارسة وظائفها السياسية والاقتصادية والمؤسسية على الأرض.

وهنا أرى أن فلسطين بحاجة إلى الانتقال من «دبلوماسية الاعتراف» إلى «دبلوماسية بناء الدولة والتنفيذ».

دبلوماسية التنفيذ تعني أن تتحول القرارات والمواقف الدولية إلى برامج وشراكات والتزامات واضحة: من إعادة إعمار غزة، إلى دعم المؤسسات الفلسطينية، وإعادة بناء الاقتصاد، والاستثمار في التعليم والصحة والتكنولوجيا، وتعزيز قدرة الفلسطينيين على إدارة مؤسسات دولتهم.

والأهم أن إعادة إعمار غزة يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن القضية السياسية، بل باعتبارها جزءًا من مشروع وطني لبناء الدولة الفلسطينية. فإعادة بناء الحجر يجب أن تترافق مع إعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والإنسان، ضمن رؤية تقود في النهاية إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وهنا تأتي أهمية الدور القطري. فالدبلوماسية القطرية لم تقتصر على المواقف السياسية، بل ارتبطت خلال السنوات الماضية بالوساطة، والعمل الإنساني، ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، وبناء قنوات التواصل مع الأطراف الدولية المختلفة. وقد أكدت قطر أخيرًا أن التعافي وإعادة الإعمار في غزة يجب أن يرتبطا بمسار سياسي يقود إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.

ومن منظور العمل الدبلوماسي، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم على المجتمع الدولي ليس فقط: هل تعترفون بفلسطين؟ بل: ماذا ستفعلون بعد الاعتراف؟

هل ستتحول الاعترافات إلى استثمارات؟ هل تتحول القرارات إلى حماية للمؤسسات الفلسطينية؟ هل تتحول المؤتمرات إلى مشاريع؟ وهل يصبح الدعم الدولي شراكة حقيقية في بناء الدولة؟

هذه هي الدبلوماسية التي تحتاجها فلسطين في المرحلة المقبلة؛ دبلوماسية لا تكتفي بإدارة الأزمة، وإنما تعمل على صناعة المستقبل، ولا تكتفي بالحصول على البيانات الدولية، وإنما تقيس نتائجها على الأرض.

ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تكامل بين الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والبرلمانية والإنسانية والرقمية، وإلى بناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية التي تجعل من قيام الدولة الفلسطينية مشروعًا عمليًا، وليس فقط هدفًا سياسيًا.

إن الاعتراف الدولي بفلسطين خطوة مهمة، لكنه ليس خط النهاية.

الاعتراف يفتح الباب، لكن بناء الدولة والتنفيذ هما ما يجعل الدولة واقعًا.

وفي هذه المعادلة، تبقى فلسطين وقطر أمام مساحة واسعة للعمل المشترك في الدبلوماسية والإنسانية وإعادة الإعمار وبناء الشراكات الدولية.

 

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية