رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن كلمة «النقد» في اللغة العربية تعني «التمييز» أو «التقييم»، وقد كان لها دورٌ محوريٌ في الإبستمولوجيا العربية (المعرفة العلمية) عبر التاريخ، ويستخدم النقد للتحقق من دقة المعلومات، والأخلاقيات، والقيم الثقافية. غالبًا ما تركز المقررات المنهجية والتحليل النقدي لمؤسسات التعليم العالي في العالم العربي على النظريات الغربية، مثل: نظريات ما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة، فضلًا عن النظريات التأويلية، الأمر الذي تسبب في تهميش النقد العربي التقليدي، وأقصى مساهمات العلماء العرب والمسلمين، وعزز فرضية احتكار الفكر الغربي للنقد؛ مما أدى إلى ترسيخ هيمنة الثقافة الغربية بشكل غير مباشر، وأعاق دمج الفكر العربي في الخطاب الأكاديمي.
ويمكن تقصي آثار النقد في العصر الجاهلي وفترة ما قبل الإسلام، حيث كان الشعر المنطوق مزدهرًا وكان يُنظر إلى الشعراء على أنهم نقّاد متمكنون. وقد عزز العلماء هذا الفكر في بدايات الإسلام بانخراطهم في تحليل وتقييم النصوص الدينية والأدبية، مما ساهم في تطوير النقد، وزيادة مفرداته، وجعله أداة لفهم تعقيدات الأيديولوجيات الناشئة التي تشكل المجتمعات. فما المقصود بالنقد في الفكر العربي؟ لنفترض أننا لا نعرف ما هو النقد؛ في العصر الجاهلي، كان يقصد بالنقد آراء الشعراء والمستمعين للشعر الشفوي، وأما بعد الإسلام فقد أصبح يُستخدم للإشارة إلى آراء وأفكار العلماء والكتّاب الذين يحللون النصوص الأدبية والدينية. أي أنه في العصر الجاهلي، كان النقد في شبه الجزيرة العربية يركز على الفصاحة، والبلاغة، والمعنى المجمل، أما بعد انتشار الإسلام وتوسع السياقات الشعرية، تطور فن النقد واتسعت آفاقه، خاصة مع الانفتاح العربي على الثقافات الأخرى كاليونان، والهند، وبلاد فارس، وبلاد الشام، كما ساهم الانخراط في المناظرات، والبحث عن المنطق، والفلسفة في نمو النقد كمجال عام. وفي بادئ الأمر، كان النقد تطبيقًا عمليًا لتوصيل المعنى وإثراء المستمع، فضلًا عن اقتصاره على تحديد مواطن قوة وركاكة النصوص.
وأما من الناحية المنهجية، فإن كلمة «النقد» تأتي أيضًا بمعنى «العملة»، وتستخدم للتمييز بين العملات القيمة والمتدنية، وفي ذلك ربط للقيمة المعنوية والنقدية بهدف إبراز أهمية النقد؛ ومن هنا انطلق «النقد» في التاريخ الأدبي العربي للدلالة على الخبرة والكفاءة، والجهود التي ترنو لتحديد معايير تقييم النصوص الأدبية، والتمييز بين ما هو قيِّم وما هو مبتذل، وعلى عكس العملات، لا تحمل النصوص الأدبية ختمًا يوضح قيمتها، ولذلك فإن النقد هو محاولة لتحديد هذه القيمة.
إن مراحل نمو النقد كخطاب كانت بمثابة دليل على نهضة العلوم الإسلامية التي ازدهرت معاييرها المعرفية بانتشار الإسلام وتفاعله مع الثقافات والأديان الأخرى، كما سطع نجم النقد تحديدًا مع ظهور حركة التحقق من الأحاديث والتدقيق في سلاسل الإسناد والمتن، وأدى النقد دورًا جوهريًا في تصفية الأحاديث غير الصحيحة وساهم في ضمان دقة وصحة النصوص الإسلامية.
ومع مرور الوقت، أدت هذه المنهجية الراسخة للنقد إلى تأسيس المدارس الفقهية الكبرى، وتعدد أشكال النقد، وظهور «الفقهاء» كخبراء نقديين، نتيجة تماشي عقلية الناقد في شبه الجزيرة العربية مع حركة التحقق من الأحاديث وظهور مدرسة «أهل الرأي»، ويشير مصطلح عقلية الناقد للفقهاء الذين يستخدمون العقل والمنطق لإثبات الإيمان كما هو مذكور في القرآن، ويكمن دور الفقهاء هنا في تحليل النصوص الأدبية والفلسفية لاستخراج المعنى واتخاذ العبر، مع التركيز على المحتوى، وفهم المعاني العميقة، والتأكد من صحة النصوص.
إن وظيفة النقد الأساسية هي كشف الزيف وتحديد كل ما يتعارض مع الأعراف الثقافية والاجتماعية السائدة، وتحليل النص وفهم مضمونه، وبالتالي، فإن «النقد» هو أداة للتمحيص، والتحقق، والفحص، والتدقيق؛ وهو أيضًا وسيلة للوصول إلى الحقيقة بالحجج المنطقية لدحض الفرضيات المتضاربة. ويأتي النقد على شكل حوار عقلاني، لا عنف فيه، يتسم بالدقة المنطقية واللغوية والبلاغية، وهو مؤشر لا يحيد عن الحقائق ويهدف لتوضيح ما تم تجاهله، أو سيء فهمه، أو ما تم استبعاده لصعوبة أو تعقيد.
وفي سياق الفكر العربي يأتي النقد بعد عملية «التمييز» أي القدرة على التفريق والفصل بوضوح ويُسر، وكلمة «يميز» مشتقة من «تمييز» وتعني الفصل بين الأشياء، ولا يقتصر أثرها على النحو والأدب، بل يطول البنية الثقافية للمجتمع. ويؤدي النقد في بدايته دورًا تشخيصيًا، ثم دورًا أدائيًا في نهايته؛ وبذلك، فإن الربط بين النقد والعملة يدل على أنهما يشتركان في المنطق ذاته، فإذا غابت المعايير التنظيمية، تتضخم قيمة النصوص كما تتضخم العملات النقدية دون قيمة حقيقية تذكر، مما يؤدي إلى انتشار الطغيان والفوضى.
إذًا، فإن النقد عملية تمييزية تهدف إلى التمحيص، وهو فحص دقيق يسعى لكشف الحقيقة ودحض التناقضات، من خلال عملية تعرف بـ «التنقية»، تهدف لتعزيز وضوح الخطاب الفكري من خلال صقل الحجج؛ والتمييز، وهي أداة لفصل الرؤى الجوهرية والسامية عن الرؤى السطحية، حيث يتطلب التمييز فطنة وتأنيّا قبل التسرع في الحكم على الأشياء.
وفي حين يتعين مكافحة التضخم الاقتصادي بإجراء إصلاحات هيكلية، فإن إصلاح النقد يتطلب تمييزًا منهجيًا يضمن بقاء القيم والمعايير.
لا يقتصر النقد على التقييم أو تقدير القيمة فقط، بل يشمل أيضًا «التقويم» أي صناعة النقد وتعزيز مقوماته في عدة مجالات، منها تقييم النصوص الأدبية، ومعايير الجمال، والمحتوى، والمصادر التاريخية، والقيم الأخلاقية.
ومن أهم أسس التقويم هو «التحقيق»، حيث تألق هذا النهج في القرنين السابع والثامن للتحقق من صحة الروايات والنصوص، وضمان التوثيق المبني على «التعليل والتفسير» بالحجج المنطقية عند غياب الأدلة القطعية، أو «الاستشهاد بالخبر» كمرجعية لدعم الآراء ووجهات النظر. ويشير التقويم أيضًا «للتقويم الزمني»، أي ضبط التواريخ وفق معايير دقيقة، وأما في السياق الإسلامي، فيرتبط التقويم بمفهوم «الإصلاح» أي تصحيح الانحراف والاعوجاج. وبذلك، يُعد التقويم خطوة أعمق من التقييم، إذ يهدف إلى تعديل المسار وإعادته إلى وجهته الصحيحة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12009
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
3594
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2772
| 22 أكتوبر 2026