رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتناول التأثيرات المحتملة للحرب الروسية الأوكرانية على العالم العربي من محورين هما الأمن الغذائي والطاقة. فالدول العربية لا تنتج غذاءها وجميعها مستورد للغذاء، ولكن هناك مصدرين ومستوردين للطاقة، وهناك تأثيران متضادان للحرب على هاتين المجموعتين. ويمكن القول إن الدول المصدرة للطاقة ستستفيد من ارتفاع أسعارها، وهي في وضع نسبي أفضل من حيث مؤشرات أمنها الغذائي، وتنوع مصادر استيراد الغذاء ونظم تخزينه، بالإضافة إلى أوضاعها المالية الأفضل للإيفاء باحتياجات السكان، ما عدا العراق وليبيا اللتين تعانيان من عدم استقرار سياسي. أما المجموعة المستوردة للطاقة، فقد تصاب بصدمة مزدوجة، من حيث ارتفاع أسعارالغذاء والطاقة، وربما نقص الامدادات من الأول، وهي تعاني من قصور في أنظمة التخزين وأقل تصنيفاً على مؤشرات الأمن الغذائي، وبعضها يعاني أساسا من اضطرابات داخلية وعدم استقرار، مثل لبنان، وسوريا، وتونس، والسودان، واليمن، والصومال.
هل تشكل الحرب الروسية الأوكرانية تهديدا للأمن الغذائي العربي؟
هناك فجوة غذائية وعجز غذائي عربي متنام منذ فترة طويلة يتم سداده بالاستيراد من الخارج، وهناك تركز في الاستيراد من روسيا وأوكرانيا. فتشير الإحصاءات إلى أن قيمة الصادرات الغذائية الرئيسية العربية تبلغ نحو 16 مليار دولار، مقابل 61 مليارا واردت، بفارق 45 مليار دولار، وتستورد الدول العربية من الخارج ما نسبته % 63 من احتياجاتها من القمح، و% 75 من الذرة، و %65 من السكر، و %55 من كل من الأرز والزيوت النباتية، و %30 من اللحوم، وتستحوذ على ربع صادرات القمح العالمية ولا تنتج سوى %2.5 من الحبوب على مستوى العالم، ومصر هي المستورد الأول للقمح عالمياً بنسبة %11، إذ تستهلك 18 مليون طن سنويا، تستورد منها 13 مليون طن، بعد أن كانت سلة غذاء العالم العربي، ومصدراً رئيسيا للقمح، وروسيا هي المصدر الأول للقمح، وأوكرانيا الخامسة عالميا، والبلدان يشكلان نحو ربع وثلث الإنتاج والصادرات العالمية منه على التوالي، و%80 من صادرات الزيوت العالمية. وتستورد الدول العربية نحو %40، و %42 من القمح الاوكراني والروسي على التوالي، وهناك قصور في أنظمة التخزين لديها. وبالتالي هي عرضة للأزمات وتقطع سلاسل الإمداد وارتفاعات الأسعار، خصوصاً منها دول المغرب العربي ومصر والسودان، وسوريا ولبنان، والضفة الغربية، واليمن. أما دول الخليج، فتستورد نحو %90 من مواردها الغذائية، ولكن مصادر استيرادها أكثر تنوعا، ولديها نظم تخزين أفضل، وبالتالي هي في وضع نسبي أفضل من بقية الدول العربية، وتأتي قطر الأولى عربيا على مؤشر الأمن الغذائي العالمي، ولا شك أن قطر استفادت من تجربة الحصار، فنوعت مصادر الامداد، ووسعت الطاقات الاستيعابية لأغراض الامن الغذائي والامداد اللوجستي، ودعمت الإنتاج الحيواني والزراعي المحلي، فآتى ذلك أكلة الآن، فرب ضارة نافعة.
وفي الأجل القصير، يمكن تحويل خطوط الإمداد إلى مصادر بديلة، ولكن الأسعار سترتفع (وقد ارتفعت أسعار القمح بنسبة %50، وقس على غيره من الحبوب، والأسمدة بنسبة %300 حتى الآن)، فهناك توقف في الإنتاج وعقبات لوجستية بسبب الحرب، إضافة إلى اتخاذ دول أخرى منتجة تدابير بخفض صادراتها لمواجهة ارتفاع الأسعار) وسيخلق ذلك ضغوطات كبيرة على موازنات وموارد هذه الدول، بالإضافة إلى ضغوطات ارتفاع أسعار الطاقة على الدول المستورده لها، وسترتفع فواتير الاستيراد والدعوم عليها، ولو طال أمد الحرب، وحدث تقطع أو نقص في الإمدادات، أو ارتفاعات كبيرة في الأسعار فقد يخل ذلك بالتزامات هذه الدول بتوفير المواد الأساسية والأمن الغذاء لشعوبها، وقد يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي فيها.
الفشل والفساد
إنه لأمر معيب حقا ويدل على فشل ذريع في السياسات في هذه الدول، فإشكالية الأمن الغذائي العربي مزمنة، ويبدو أن الأنظمة لا تتعلم من تجارب الماضي، والأزمات السابقة، لا المتأخر منها، كالأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة كورونا، وثورات الربيع العربي، ولا ثورات الخبز قبلها. فلا يوجد نقص لدى هذه الدول في مقومات الإنتاج الزراعي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا من حيث الأراضي الزراعية، ولا الأيدي العاملة، ولا رؤوس الأموال، ولكنها تعاني من سوء التخطيط والإدارة، والفساد، التي تبقيها عرضة في قوتها لتقلبات الأسواق العالمية، والابتزاز والأوضاع الجيوسياسية والحروب، وإن لم يكن لها فيها لا ناقة ولا جمل. إن أمة لا تزرع غذاءها، وهي تستطيع، هي أمة مفرطة، وعليها تحمل تكلفة ذلك باهظاً عاجلاً أو آجلاً، وإن أنظمة لا تؤمن غذاء ودواء شعوبها وهي تستطيع، هي أنظمة فاشلة فاسدة، لا تستحق البقاء على الكرسي ولا ليوم واحد. وتشير الإحصاءات إلى أن المساحة الصالحة للزراعة في الوطن تساوي مليوني كم مربع، أي نحو %15 من مساحة الوطن العربي البالغة 13.5 مليون كم مربع، وهي مساحات شاسعة، في السودان، وسوريا، والعراق، ومصر، والمغرب، والجزائر، وتقارب مساحة المملكة العربية السعودية، ولكن المستغل منها نحو الثلث فقط، ولا تساهم إلا بما نسبته %2.5 من انتاج الحبوب، و%4 من الإنتاج الزراعي العالمي.
أين الخلل وما هو الحل؟
سيقال إنه: التصحر، والنمو السكاني، والزحف العمراني، وسوء التخطيط والتخزين، وانخفاض الدعوم، وارتفاع الضرائب والرسوم، وضعف البنى التحتية، والتعاون العربي، واستخدام التكنولوجيا... إلخ. وسأختصر كل ذلك في كلمتين: إنه الفساد والفشل. فساد الأنظمة وفشل السياسات. فهناك سوء تخطيط وسوء إدارة، وفساد. وإلا فما هو دور الحكومات؟ أليس التنبؤ، ووضع الخطط والحلول؟ مع أن الأشكالات التي نتحدث عنها حقائق وواقع يعاش، وليس بحاجة لتنبؤات! فمطلوب أولا مكافحة الفساد، وإصلاح الأراضي وتفكيك نظام الإقطاع المتنامي، والاحتكار، وتنمية البنى التحتية – من مواصلات، وكهرباء، ومياه، والاستغلال الأمثل للأراضي الزراعية والموارد المائية، وتوظيف التكنولوجيا، وتبني سياسات سليمة محفزة للإنتاج الزراعي، من تمويل، ودعم، وحماية، وشراء وتسويق، وليس سياسات ضريبية ورسوم طاردة ترهق كاهل المنتجين.
على الحكومات تبني الإنتاج لأغراض الأمن الغذائي من ألفه إلى يائه حتى يقف على قدميه، هذا على المستوى الوطني، ولكن لابد أيضا من التعاون والتكامل على المستوى العربي. فالدول العربية متفرقة لديها اختصاصات متنوعة، فهناك المتخصص في الطاقة ولديه رؤوس الأموال، وهناك من لديه الأيدي العاملة والأراضي الزراعية الخصبة، والأسواق، وهكذا، ولكنها عندما تجتمع وتتعاون، يكمل بعضها بعضا بما لدى كل طرف من ميزات نسبية لا تتوفر لدى الآخر، ويتم استغلال أفضل للموارد. ويبدو أن هذا هو قدرها الذي لا مفر منه، وهي وحتميته الجغرافيا والتاريخ، ولكن الدول العربية لا يوجد لديها نظرة إستراتيجية، ولا هدف وحدوي تجتمع عليه ويحقق لها مكاسب إستراتيجية، أو يدفع عنها مخاطر مشتركة قد تزعزع استقرارها وتهدد أمنها الجماعي والفردي، وعوضا عن ذلك هي متنافسة، متناحرة، يطمع بعضها في الآخر، والثقة بينها ضعيفة أو مفقودة.
ونحن هنا لا نطلب وحدة سياسية تلغي الأنظمة، ولا نطمع في ذلك، ولكن تنحية السياسة، بخلافاتها، جانبا، والتعاون على درء ما فيه تهديد مشترك للأمن الجماعي العربي، ومنها المجال الزراعي الأمن الغذائي والمائي، ويمكن تدعيم ذلك بعقود وضمانات قانونية دولية ملزمة. وهناك مثال في هذا السياق، وهو استمرار تمويل الغاز القطري للإمارات إبان ذروة الخلاف بينهما أثناء الأزمة الخليجية. وهناك مثال آخر، فقد خطت المملكة العربية السعودية خطوات واسعة في مجال الأمن الغذائي وحققت اكتفاء ذاتيا في إنتاج القمح في مرحلة من المراحل، وأصبحت المملكة الصحراوية تصدر لمصر النيل الزراعية، ثم أتى من أتى وقال إن ذلك غير مجد لأنه يمكن استيراد القمح بأسعار أرخص من خارج المملكة، فألغي المشروع، وهل شراء الحكومة الأمريكية للحبوب من المزارعين ورميها في البحر مجد اقتصادياً؟ إن هذه سلعة إستراتيجية، وهناك بعد أمني إستراتيجي يجب أخذه في الحسبان. ويذكر د. عبدالله النفسي أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كسنجر، حاول إقناع الملك فيصل بالاستغناء عن زراعة القمح، ولكنه أخفق في ذلك.
إدارة الطفرة واستثمار الفوائض
وإذا كانت الدول المستوردة للطاقة قد تتعرض لضغوطات هائلة لاحتمال تقطع إمدادات الغذاء وارتفاع فواتير استيراد ودعم الغذاء والطاقة، فإن الدول المصدرة للطاقة ستكون في وضع أفضل. فلو استمر ارتفاع الأسعار لفترة كافية، ستتحول موازينها الداخلية والخارجية إلى فوائض، وسيمكنها ذلك من زيادة الإنفاق ودعم النشاط والنمو في اقتصاداتها الآخذة في التعافي من أزمة كورونا. ولكن هل تستغل الفوائض بالشكل الأمثل؟ هل تراكم وتستثمر العوائد للتحوط لانهيارات أسعار النفط المستقبلية، وإدارة الدورة الاقتصادية بسلاسة أكبر أثناء دورات الانكماش، وتجنب السياسات التقشفية الحادة، والضريبة غير الشعبية، والاقتراض الذي يزاحم القطاع الخاص، وجميعها يعمق ويطيل أمد الانكماش أثناء فترات انهيار أسعار النفط. هل تستثمر بنجاح في بناء رأس المال البشري، والتنمية الصناعية والتكنولوجية، وتنويع الاقتصادات، ورفاهية المواطن؟ أم تهدر هنا وهناك، وتنفق على شراء أسلحة لا طائل منها، وفساد، وتمويل ثورات مضادة وتثبيت أنظمة دكتاتورية فاسدة؟ وإذا كانت الأنظمة المصدرة للنفط، بقيادة الخليجية منها خصوصا، ترى في ثورات الربيع العربي تهديداً لاستقرارها، باحتمال انتقال العدوى إليها، مما دفعها إلى توظيف مواردها النفطية لتمويل ثورات مضادة لقمع ثورات التحرر العربي من أنظمة دكتاتورية فشلت عبر عقود في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والعيش الكريم لشعوبها، أليس الأحرى بها أن تسهم في تحقيق الاستقرار في أخواتها الدكتاتوريات الأخريات، من خلال الاستثمار في تعزيز أمنها الغذائي؟ وهي بذلك تحقق هدفين: تعزيز الاستقرار في أخواتها الدكتاتوريات (وبطريقة مشروعة) من خلال تعزيز أمنها الغذائي، وبالتالي تقليص احتمالات اندلاع ثورات خبز أو غلاء معيشة في تلك الدول، وانتقال العدوى إليها أو التأثر بها سلباً، ثم إنها تسهم في تحقيق أمنها الغذائي هي من خلال استثماراتها في محيطها الزراعي العربي، والتكامل معها في مجال الإنتاج الزراعي. فلم لا يكون للأمن الغذائي العربي نصيب من استثمارات العرب الخارجية؟ ولكن لو نظرنا إلى تجارب الماضي، نرى بعد كل طفرة نفطية كبرى تراكم فيها هذه الدول الاحتياطيات، أنها تستنزف على أزمات وحروب كثير منها مفتعل. حدث ذلك بعد صدمة النفط الأولى في بداية السبعينيات باندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي أحرقت الأخضر واليابس، ثم بعدها حروب الخليج، وإنفاق المليارات على تسليح العراق، ثم على نزع أسلحته، ثم أتت ثورات الربيع العربي، والثورات المضادة، وصفقات الأسلحة الكبرى بعد طفرة النفط العقد الماضي. وهكذا، كأن الغرب يريد استرداد أموال النفط بطريقة أو بأخرى.
* متخصص في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي
مركز الاقتصاد الكلي ومعهد الفكر الاقتصادي المستجد بجامعة كامبردج البريطانية
آل فرعون والربيع العربي.. هل مات الربيع؟
من كان يظن أن الربيع العربي قد انتهى، فهو مخطئ وعليه مراجعة حساباته، والدليل ما جرى في سوريا،... اقرأ المزيد
1014
| 02 مارس 2025
نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 3 - 3
التوسع الاقتصادي والعمراني على حساب البيئة أواصل في هذا الجزء الثالث من المقال حول حماية البيئة البرية، حديثي... اقرأ المزيد
1956
| 11 مايو 2023
نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 2 - 3
أهمية التثقيف وتعزيز القوانين والرقابة البيئية سأتناول في هذا الجزء من مقالي حول حماية وتنمية البيئة البرية، ثلاثة... اقرأ المزيد
1182
| 10 مايو 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9423
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026