رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المؤكد أنه لا يمكن اختزال مشكلات العالم العربي بكل تعقيداتها وتشعباتها في قضية المرأة، مثلما أنه لا يمكن عزل هذه القضية عن مجمل المشاكل والأزمات الكبرى التي يعاني منها العالم العربي مشرقا ومغربا، الرازح تحت ربقة الاحتلال الأجنبي والاستبداد السياسي والتخلف التنموي والتجزئة والانقسامات الدينية والإثنية والطائفية والحروب الأهلية وغيرها. إلا أنه مع ذلك لا يمكن التهرب من الإقرار بكون المرأة العربية رغم أنها تقاسم الرجل العربي العديد من المشاكل، إلا أنها تتحمل في الغالب القسط الأوفر من أعباء هذه المشكلات في واقع لا يخلو من ثقافة التمييز وطغيان العقلية الرجولية، خاصة بين الفئات الأقل حظا في التعليم والتنمية الاقتصادية.
أنا لا أستسيغ كثيرا فكرة النسوية المقابلة القائمة على التمركز حول الأنثى كردة فعل على واقع وثقافة التمركز حول الرجل، فقضايا المرأة العربية لا يمكن عزلها بأي حال من الأحوال عن الأوضاع العامة والقضايا الكبرى التي يواجهها العالم العربي، من قبيل الميراث الاستعماري الثقيل والفقر والأمية وضعف النظم التعليمية والصحية والأزمات السياسية والحروب وانعدام الاستقرار وغيرها من المشكلات. ولكن بالمعطيات الموضوعية، واضح أن المرأة العربية هي المتضرر الأكبر من سجل الإخفاقات والأزمات التي تمر بها المنطقة، فنصيبها من الصحة والتعليم والحضور في المجال العام أضعف وأقل من الرجل، أما حظها من العنف والضيم والتهميش والتمييز فأكبر وأوسع.
علاوة على هذه الظروف الموضوعية والعوامل البنيوية الاجتماعية والسياسية التي تكبل مقدرات المرأة والرجل بدرجات مختلفة في العالم العربي، تعاني المرأة المسلمة عامة، بما في ذلك العربية، من ثقافة دينية يغلب عليها الطابع الرجولي في الكثير من المناحي، ليس لأن الإسلام دين رجولي، فالخطاب القرآني قائم على المعاني الكلية الجامعة التي عنوانها "يا أيها الناس" و"يا أيها الذين آمنوا" (مع التخصيص في حالات معينة قليلة)، لكن الثقافة العامة في المجتمعات التقليدية المسلمة تظل متحيزة ضد المرأة في الكثير من الأحيان، صحيح أن العائلة المسلمة توفر قدرا غير قليل من الحماية والتضامن لأفرادها كما أنها تحيطهم بدفء عاطفي مهم، ومع ذلك تظل الأنثى عرضة للكثير من مظاهر الضيم والتمييز المشرعن دينيا في إطار الأسرة والمجالات العامة.
رغم أن الإسلام قد نحى منحى الكونية الجامعة وحرر المرأة من الكثير من القيود والإكراهات إلا أن ثمة حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن أغلب من يشتغل بتأويل النصوص الدينية وقراءتها هم من الرجال، علما وأنه لا يمكن فصل أي نص من النصوص، بما في ذلك النصوص الدينية عن عمليات التأويل التي تخضع لها وطبيعة السياقات التاريخية والثقافية التي تجري ضمنها عمليات التأويل، وهذا ما يسمح بالقول إن الاجتهاد الديني عامة والمنظومة الفقهية خاصة أكثر تحيزا للرجال وتعبيرا عن رؤاهم وأهوائهم ومصالحهم على حساب مكانة المرأة وموقعها. كما أن المجتمعات القديمة المشبعة بالقيم الرجولية والتحيز ضد النسوة قد اتجهت لوضع قيود شديدة على المرأة فعزلتها عن الشؤون العامة، وضيقت من دورها فحصرته في الواجبات الزوجية والإنجاب وشؤون البيت وليس أكثر، رغم أن الرسالة التحررية التي جاء بها الإسلام أعطت مكانة سامية للمرأة باعتبارها كائنا حرا عاقلا مكلفا ومسؤولا ومعنيا بأحكام الدين وواجباته على قدم المساواة مع الرجل (إلا ما كان خصوصيا)، وهي فضلا عن ذلك مستخلفةً في الأرض مثلها مثل الذكر.
ورغم أن التاريخ الإسلامي يزخر بنماذج نسوية متحررة خاصة في العصر التأسيسي الأول، والعصر العباسي والحقبة الأندلسية بأقدار متفاوتة، إلا أن هذه النماذج بقيت عبارة عن ومضات منيرة في محيط يغلب عليه واقع التهميش والإقصاء والاستنقاص من شأن المرأة والتسلط على إرادتها. وقد ازدادت القيود المكبلة للمرأة تحت غطاء الشرف والحياء والحشمة في العصور المتأخرة، حتى أن بعض الفقهاء ذهبوا إلى أن المرأة لا يجوز لها أن تتعلم الكتابة أو أن ترى أحداً ويراها أحد سوى الزوج والمحارم، فحُرمت المرأة من التعليم ومُنعت من الذهاب إلى المدرسة وحُظر عليها حتى الذهاب إلى المساجد وأضحى مجرد ذكر اسمها في الفضاء العام مدعاةً للخجل.
في العصر الحديث بذل الإصلاحيون الإسلاميون من أمثال محمد عبده وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي والطاهر الحداد وعبد الحميد بن بأديس جهدا في التصدي للمظالم المسلطة على المرأة من داخل المنظومة الإسلامية من خلال تقديم اجتهادات دينية تبدو متحررة إذا وُضعت في سياقها التاريخي، وقد انصبت جهودهم على مقاومة ما اعتبروه ثقافة التقليد والجمود والانحطاط انتصارا للاجتهاد والتجديد ودفاعا عن فكرة المساواة بين النساء والرجال. ورغم عمليات الصد فقد زرع هذا التيار البذور التأسيسية لتيار نسوي تحرري من داخل المنظومة الإسلامية.
تشكل فيما بعد على أنقاض هذه المدرسة تيار نسوي لا يؤسس شرعيته من داخل الإسلام، بل يرى في الدين عقبة أمام اكتساب المرأة حقوقها وحريتها. في مقابل ذلك نحا التيار الإسلامي الذي تشكل منذ عشرينيات القرن الماضي منحى المحافظة، في تمايز عن التيار الليبرالي الذي رآه الكثير من الإسلاميين امتدادا للثقافة الغربية المهيمنة وتابعا لها. ورغم أن منتسبي الحركات الإسلامية في معظمهم خريجو المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الحديثة، إلا أنه قد غلب عليهم طابع المحافظة والتحوّط من المرأة، وتراوح بعضهم بين تغييب المرأة تماما والحديث نيابة عنها، أو فسح مجال محدود لمشاركتها، بحصرها في قضايا ذات صلة بالتنشئة والأسرة في أحسن الحالات. دون أن ينفي ذلك وجود تجارب متحررة نسبيا في تركيا وتونس والمغرب.
السؤال الرئيسي اليوم هو: كيف يمكن الخروج من هذه الثنائية الحادة بين أن تكون المرأة ليبرالية ساخطة على الإسلام متوترة من الثقافة الإسلامية، وبين أن تكون إسلامية تستبطن العقلية الذكورية وتدافع عن المحافظة وتهميش دور المرأة واختصاره في مجالات معدودة محدودة؟
هناك حاجة ماسة لتشكل تيار نسوي إسلامي ينتصر لحقوق المرأة ويناضل من أجلها لانتزاع موقعها في الحياة العامة بما في ذلك داخل المجال السياسي ندا للند مع الرجل ويرفض كل أشكال الوصاية على كيانها وخياراتها. ولكنه تيار متحرر من العقد التي لازمت التيارات النسوية اليسارية والليبرالية العربية ونظرتها العدائية للدين والاستعلائية للمجتمع، بما جعل هذه التيارات أشبه ما يكون بناد نخبوي مغلق، حصرا على بعض الجيوب الحضرية المرفهة التي جعلت من قضية المرأة العربية ضربا من الترف الفكري والسياسي.
هذا التيار يجب أن يكون متشبعا بإرادة الدفاع عن المرأة ومصالحها وحقوقها، ولا يتردد في الدفاع عن اجتهاداته النسوية للنصوص الإسلامية، ولكنه أيضا مندمج في النسيج المجتمعي يعبر عن أعباء وهموم وأوجاع المرأة العربية في الريف والمدينة، وبين الطبقات الوسطى والفقيرة الكادحة داخل مجتمعات ينهشها الفقر والقهر والجهل والأمية وضعف التنمية. نحتاج تيارا نسويا أصيلا متصالحا مع هويته العربية الإسلامية ومستجيبا لحاجيات المرأة الحقيقية وليست المفتعلة، تيار يمتلك الجرأة الكافية للدفاع عن مصالح المرأة وينتصر لحقوقها وتوسيع مكاسبها ويتصدى لعمليات التوظيف لقضية المرأة من طرف الحكومات والنخب لحساباتها الخاصة.
التحدي هو أن يكون حضور هذا التيار فاعلا وملموسا ليس في المجتمع فقط بل داخل الهيئات والمؤسسات الإسلامية التي يغلب عليها الطابع الرجولي والأبوي، لافتكاك المرأة موقعها والذود عن مصالحها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4827
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3552
| 23 سبتمبر 2026