رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بادرها سائلًا: سيدتي لِمَ أراكِ هكذا حزينة كاسفة البال؟!
قالت ودمعة حارّة تتحدّر على خدّين نال منهما كَرُّ الليالي، وعوادي الزمن: أيحتاج ما ترى وتسمع إلى أن تسألني مثل سؤالك هذا؟.
أجاب: لا أرى إلا أنّك ملأتِ السهول والوديان أبناءً وحَفَدة، فلم يبلغ غيرُك ما بلغتِ.
- قالت: ليتهم كانوا كأبناء غيري في بِرّهم بأُمِّهم، بل ليت غيري قدمن معشار ما قدمتُ لهم.. وليتك ما سألتني سؤالك يا ولدي، لقد جددتَ المواجع، ونكأتَ جراحًا كنت أرجو لها أن تندمل، ثم تابعَتْ وهي تنظر إلى الأفق البعيد: عندما تُقدِّمُ أعزَّ ما لديك لأغلى مَن عندك فإنك تنتظر بِرّا وإحساناً لا عقوقاً ونكراناً، عندما تصنع لهم أمجاداً لم يكونوا يحلُمون بها، ولم تكن أعناقهم تشرئبَ يوماً لمثلها؛ فتوحِّدهم بعد فُرقة، وتجمعهم بعد شتات فليس أقلَّ من أن يصونوا ولا يفرّطوا، ويحافظوا ولا يُضيِّعوا.. ثم التَفَتَتْ إِليَّ وزفرتْ زفرة حملتْ من الإحساس بالقهر ما يكفي أُمَّة، وأردفتْ: لو أنّ ظُلماً وقع عليك من غريب بعيد لتحملتَ ذلك ودفعتَه بكل ما لديك من قوة وأنتَ مُستَفَزّ مُستَنفَر القُوَى، لكنّ الطامَّة الكبرى أنْ تأتيك الإساءةُ ممن يَتَوَجَّبُ عليهم الإحسانُ، وأن تُطعَنَ في ظَهرِك ممن يُتوقعُ منهم حمايتك، والذّود عنك، ساعتَها تجد في حلقك غُصَّة، وفي نَفْسك ألماً لا يداويه كَرُّ الليالي، وتوالي السنين، وصَدَقَ الشَّاعرُ حين قال:
وظلمُ ذَوِي القُربى أشدُّ مَضاضةً على النَّفْسِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّدِ
لم يكن الحوار السابق بين أُمٍّ هَجَرَها أبناؤها أو أودَعُوها داراً للمُسِنّين، ولا بين عجوز تخلّى عنها أحفادُها وألقوا بها على قارعة الطريق بل هو حوار يحكي حال اللغة العربية وقد تَناوشتها سهام أبنائها قبل أعدائها فأضحت غريبة في ديارها، تشكو الوحدة على كثرة مَن حولها، على أنَّ يُدْمِي الفؤادَ أن يكون التَّخَلِّي عنها، والدعوة إلى تهميشها من بني جِلدتها بدعوى التحرر والانطلاق، ومواكبة مستجدات العصر، وكأنّ إهمالَها والنَّيلَ منها هما بوابةُ العبور إلى عالَم الذَّرَّة، أو هما تأشيرة الدخول لعالِم الفضاء، وكأنّ اللغة العربية قد وقفت عاجزة عن استيعاب ما تفتقت عنه عبقريةُ أبنائها البواسل! إن لغةً صلحت أن تكون وعاءً لكلام عزَّ وجلّ حريٌّ بها ألا تقف مكتوفة الأيدي أمام مخترَع هنا، أو مُكتَشَف هناك، وهذا ما صاغه حافظ إبراهيم شعرا، وأكّده بقوله على لسان اللغة العربية:
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية
وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة
وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
إذا كان الحفاظ على اللغة العربية، والدفاع عنها، والذَّود عن حياضها فرضا لازماً، وواجباً فيما مضى فإنه الآن أوجب، ووجه فرضيته ألزم في ظل متغيرات متسارعة، ومستجدات لاهثة، وحملات مسعورة تطمح للنَّيل منها، فإذا قلت: إنك تُحمِّل الأمور أكثر مما تحتمل، واتَّهمتَني بالمبالغة وتَبنّي نظرية المؤامرة فما عليك إلا أن تفتح نافذتَك وتنظر إلى ما يحاك للغتك! إلى أين وصلتْ ذاتُ الأصول؟ وكيف تبوأت غيرُها من اللغات المدفونة مكانة عالية، ومنزلةً بين النّاسِ سامية، فأصبح يُتحدّث بها في المحافل الدولية، ويُعمَل لها ألف حساب؟! فإذا سألت: لماذا تتوارى اللغة العربية إذن عن الأنظار، وتنزوي في جانب المشهد لتتصدر غيرها من اللغات؟! أَلِسماتٍ في غيرها ليست فيها؟! أم لخصائص تفردن بها دونها؟! أجبتك: إن عكس ما ذكرتَ هو الصحيح؛ فاللغة العربية باشتقاقها، وتصريفها، وبنحوها وخصائص أصواتها، وبأبنيتها وتراكيبها تتفوق على ما عداها غنىً وثراءً، ومرونة وقابلية للتطور، فلماذا إذن تتأخّر ويتقدّم غيرها؟. وإذا أردتَ جواباً شافياً فلا يكن نظرُك إلى اللغة وحدها ولكنْ انظر إلى حال الناطقين بها وموقعهم من النهضة والتطور، فإن وجدتَهم في عزٍّ ومنعة، ورِفعة وسموّ، وتقدم وازدهار ووجدتَ لغتهم قد تخلّفتْ عنهم في شيء من ذلك فساعتها لُمْ تلك اللغة وانتقدها.. عليك بالبحث إذن والتنقيب عن مثل تلك الحالة السابقة فإن وجدتَها – وما أَظنّك واجدها- فالعيب حينئذٍ في اللغة لا في متكلميها أو الناطقين بها، وما دامت هذه الحالة غير موجودة بين الأمم ولا معهودة بين الشعوب فاعلم أن العيب ليس في اللغة وإنّما فيمن هم بها ينطقون وإليها ينتسبون، وهكذا الحال مع العرب ولغتهم.. فلو كانوا ناهضين، ولتراثهم مبجلون، وبلغتهم معتزون، ولو أنهم أخذوا بأسباب العلم التي أمرهم بها ربهم الكريم، ونبيّه العظيم لوجدتَ اللغة العربية في أعلى مكان، وأسمى منزلة، ولكنّ الأمر ليس على هذه الشاكلة.
لقد تخلّى المسلمون – والعرب في القلب منهم- عن دورهم الريادي فأضحوا على ما تسمع وترى من التّخلي، بل وذابوا في عادات غيرهم من الأمم، فقلّدوا ولم يبدعوا، واقتفوا أثر غيرهم واحتذوهم حَذْوَ النَّعل بالنّعل، ويا ليت ذاك التقليد والاقتفاء والاحتذاء كان في علم يورّث، أو في فضيلة تُكتَسب، وإنما أضحى في الجوانب الشكلية، وما ذلك إلا لضعفهم وتخليهم؛ فالمغلوب يميل دائما إلى تقليد الغالب؛ يقول ابن خلدون: "إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شِعاره وزِيِّه ونِحْلَتِه وسائرِ أحواله وعوائدِه، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه..".
لقد قيّض الله لهذه اللغة في عصورها الزاهيات رجالًا ذوي عزيمة وبصيرة، وعلم ودراية فنهضوا بها مع نهوضهم بعلوم القرآن الكريم، ونحمد الله عزّ وجلّ أن وفّقَ إليهم، فالله وحده أعلم بمصير هذه اللغة لو أن الأمر قد أُوكِل إلينا على ما نحن فيه الآن من ضعف وهوان.
لقد شُغِل أبناء العربية عن لغتهم، والتمسوا العزّ في غيرها، فاكتسبوا لغات أخرى، وتعلموا دقائقها، ومخارج حروفها، وصفات أصواتها، فإذا نطقت أمام أحدهم جملة باللغة الإنجليزية فرضتها الضرورة تجده ينظر إليك شزراً، ويبتسم لك ابتسامة صفراء، ثم تراه يهمس إليك همساً يُسمِع الحاضرين بأنّك قد ارتكبتَ جُرْماً ما كان له أن يُغتفَر؛ لأنك أبدلت الـ(B) بالـ (P) أو لأنك نطقتَ بالصامت وحَقُّه ألا يُنطَق، فتشعر أنت بالاستغراب من حاله، في حين يشعر هو بالنصر والظفر، والله أعلم بتصنيفه لك!، فإذا تبادلتما المواقع، فأحللتَ أنت اللغة العربية محل الأجنبية، ونظرت في أخطائه وأخطاء غيره في نطق اللغة العربية؛ لغته الأم أو كتابتها ورسم حروفها لوجدتَ العَجبَ العُجاب، فإذا انتويتَ أن تُحصي تلك الأخطاء لوجدت الخرق قد اتسع على الراقع، ولتشعّب عليك الأمر لكثرته وشيوعه، فتصبح أنت وهذه الأخطاء الشائعة على ما قال الشاعر:
تكاثرتِ الظِّباءُ على خِراش
فما يدري خِراش ما يَصيدُ
وإذا كانت تلك الأخطاء تعد بشعة في حق اللغة العربية فإنها في حق تلاوة القرآن الكريم لهي أشد وأبشع، وإلى الله المشتكى.
إذا كان يُحمَد للأمم المتحدة تخصيص يوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام لتذكير البشرية بأهمية هذه اللغة فإنه مما لا يحمد لنا أن نقصر الاهتمام بلغتنا على ذلك اليوم فحسب، وإنما يجب أن يكون شعارنا" اللغة العربية لكل زمان" فنتحدث بها بلا خجل، ونعلّمها أبناءنا، ونحرص على نطقهم الصحيح، ونعلمهم معها الاعتزاز بها؛ ففي الاعتزاز بها تقديس لكتاب الله عز وجل، واحترام لتراث عربي إسلامي مجيد أكل العالَم كُلّه على موائده العامرة، فهل يكون الاحتفال باللغة العربية تكريما لها بحقٍّ، أم تُراه تأبيناً لها ورِثاء لأجل أمجاد غَبرتْ، وانتصارات ولَّت؟.
إذا كنتَ من المتفائلين بمستقبل هذه اللغة، وأن الله حافظها بحفظ كتابه الكريم فلتكن البداية من الآن؛ بأن نأخذ على أنفسنا العهود والمواثيق بأن نصونها، ولا نفرّط فيها، وأن نحميها ونذود – ما استطعنا- عن حياضها، وأن نُنَشِّئَ جيلًا محبًّا للغته، معتّزًا بها، وكفانا فخراً قول الله تعالى: (إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ) {يوسف:2} فهل سيأتي الاحتفال باللغة العربية في مثل هذا اليوم من العام القادم إن شاء الله وقد تبدّلت أحوال اللغة العربية فأصبح يُشار لها بالبنان؟ نسأل الله أن يكون ذلك كذلك، وأن يُحيينا لنراها في الأعالي والذُّرا.
لغة إذا وقعت على أسماعنا
كانت لنا بردا على الأكباد
ستظـل رابطة تؤلف بيننا
فهي الرجاء لناطق بالضـــاد
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026