رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن المتأمل لحقائق المشهد الفلسطيني في الصراع مع الكيان الصهيوني والذي كانت حرب غزة هاشم مسرحا له منذ أحداث عام ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩ بعملية إسرائيل المسماة حينها الرصاص المصبوب ثم العملية الأخيرة في هذا الشهر المدعوة "السحاب المعومد بالنار" وما جرى في المعركتين من نزاع ميداني انتهى - خصوصا في الحلبة الأخيرة إلى ظهور مكسو بالهيبة التي أفرزها بناء الذات في غزة واستطاعت أن تصل بقوتها وصواريخها إلى قلب تل أبيب وعسقلان والعمق الإسرائيلي المزعوم ما جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يسرع إلى أمريكا وكذلك الشركاء والحلفاء طالبا التهدئة مع حماس، كما أكد ذلك المراقبون المحايدون وصرح بذلك خالد مشعل بكل وضوح، إن هذا يدل دلالة أسطع من الشمس أن الكيان الصهيوني لا يمكنه أن يفهم إلا لغة القوة والقوة فقط وإن من يسبر غور القضية الفلسطينية منذ بدايتها يشعر ويحس بضرورة هذا الحل الذي يجعل الإسرائيليين يغيرون من مواقفهم بناء على الغلبة الميدانية ضدهم والباحث المنصف ليس بحاجة إلى أبجدية هذه المعرفة إذ تثبت كل حقيقة على مدار الصراع ذلك. ولذا كان العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد الحموي يقول: إن عقدتنا مع اليهود عقدة لا تحلها إلا القوة وقد ذهب إلى ذلك رئيس الوزراء السوري الأسبق فارس الخوري مفندا أن يأتي الصلح مع اليهود بأي نتيجة كما ذكر العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه قضية فلسطين. فالرد المطلوب مع هؤلاء هو المناجزة الفعلية وليس إلا. ولعلنا إذا عدنا إلى بدايات القضية نرى ذلك فقد ذكر اللواء محمود شيت خطاب في كتابه " طريق النصر في معرفة الثأر" في بعض أحداث عام ١٩٤٨م أن دورية يهودية هاجمت ليلا قرية جلبون المشرفة على غور بيسان ضمن قطاع جنين فأسرت ستة رجال وامرأتين وكانتا قد استنجدتا بالله تعالى وبالنبي صلى الله عليه وسلم على حين كانت الدورية تجرانهما من شعريهما وكانت مفرزة من الجيش العراقي مرابطة في المنطقة فجاءت الفكرة المخلصة من ضابط منه تتلخص في اصطحاب مدفع واحد عيار ٣/٧ جبلي مع ست عشرة قنبلة وقام الضابط بقصف إحدى مستعمرات اليهود في بيسان للانتقام منهم وإجبارهم على إطلاق سراح الأسرى من أهل جلبون وبعد غروب الشمس تم إطلاق المدفع على مستعمرة (تل العمال) فقصفها بما لديه من القنابل فأطفئت أنوار المستعمرة حتى غدت المنطقة في ظلام دامس. وفي عصر اليوم التالي ما كان من اليهود إلا أن فكوا أسر الرجال الستة والمرأتين وعادوا إلى أهليهم في جلبون وارتفعت المعنويات في القطاع وكان من نتيجة ذلك أن اليهود لم يعودوا يجرأون على مهاجمة القرى العربية هذه. وتلك هي اللغة التي تفهمها إسرائيل فاليهود جبناء ولكنهم مقتدرون إذا كنا أضعف منهم وإن أعددنا وملكنا القوة فإنهم يذوبون ويبذلون كل الجهد لحفظ حياتهم ومالهم [ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ] البقرة ٩٦.
وإن هذه المعادلة يجب أن يحفظها السياسيون المحنكون وهي أنه لن يكون لهم ولا لسياساتهم قيمة ما لم تكن لهم قوة ضاربة تؤيدهم وقديما قالوا: الحق للسيف والعاجز يحتاج إلى شهود، ويوم أن أذعن السياسيون لمن هم وراء إسرائيل من دول وقبلوا الهدنة الأولى ثم الثانية مع بدايات الصراع خسروا كل شيء وكانت فرصة لليهود أن يتوسعوا في المستوطنات ويغتنموا الوقت لتمرير الاحتلال أمام قوم فقدوا إرادة الاستمرار في القتال وأصبحت جرائم إسرائيل محترمة بقوة الاستمرار وغفلة أهل الحق عن حقهم، وهكذا يفعل المحتل إذا لم يكن في وجهه من يصده فالديناصور الإسرائيلي سيبقى بسرطانه الخبيث يفعل في جسم الأمة وليس الجسم الفلسطيني والغزاوي فقط خصوصا أن الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية بما يملكونه من مال وإعلام ولوبي كالإخطبوط يدعمون هذا المحتل، هذا من جهة أما من جهة أخرى فإنه يجب ألا ننسى أن المحتل ينصب الحكومات المستبدة على شعوبها لمعونته وضمان مصالحه وكلاهما لا يرتويان من ضحاياهما فالمحتل يستفيد من المستبد الذي لا هم له إلا السلطة ونهب الشعب والمستبد يستفيد من لغز وجود المحتل كي يبرر قمعه للشعب بحجة مواجهة المحتل ويشيع أنه إنما يفعل ذلك باسم المقاومة والممانعة كما هو الحال في الخطاب السوري منذ عهد حافظ الأسد إلى بشار، وقد لا يكون عبثا أن يكون التزامن بين اشتعال الحرب الجديدة في غزة مع دوام اشتعال الشمال السوري. وقد يفيدنا هذا في التحليل أن مصير المشرق العربي إنما يتحدد في القوس الذي ترسمه بلاد الشام لرفع الاحتلال من وجه ودفع الاستبداد من وجه آخر إذ إنهما متلازمان في الهدف وقد يكون الثاني أخطر من الأول لالتباس مشهده على الكثير من الجماهير، والدليل أن كليهما بواقع فائض القوة الموجهة عندهما في الكيان الصهيوني من جانب والكيان الأسدي من جانب آخر يعملان في قهر الناس واستذلالهم وإن كان بحسب السنن الكونية لن يستطيعا أن يحققا نتائج مهمة أمام شعوب قررت أن تقاومهما حتى النصر، هنا يجب ألا نفرق بين وحش تل أبيب ووحش دمشق الذي هو أخطر من الأول. وقد حدثنا المجاهد رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين لما حضر مؤتمر الأمة الإسلامية في اسطنبول أن أحد العلماء حمله هذه الأمانة من رام الله كي يقولها في المؤتمر أمام الجمهور وهي قوله: الحمد لله الذي ابتلانا باليهود المجرمين ولم يبتلينا ببشار الأسد الأجرم منهم. ولعل من جملة الأدلة على ما نقول ما جاء في تقرير رويترز للأنباء في ٢٠- ٧ - ٢٠١٢ حيث نقل ديفيد رود مؤكداً تعاون أمريكا وإسرائيل مع بشار الأسد لقمع الثورة مفيدا أن ثمة خطرا على المصالح الأمريكية ولعل رأسها شأن الكيان الصهيوني والخوف من المارد الإسلامي الذي سوف يهدد ما رسموه منذ سنين، وفي هذا السياق أكد الدكتور صائب عريقات في كتابه " التغييرات في العالم العربي وآثارها على أمريكا وإسرائيل" طبع وزارة الخارجية في قطر - أن التغييرات الموجودة في العالم العربي تحتم على أمريكا الاعتراف بأن إسرائيل مصدر قوة للحفاظ على مصالحها وليس عبئا عليها كما أن إسرائيل لا تغفل أن علاقاتها مع جيرانها إنما تعتمد كليا على السياسات الداخلية للدول العربية كما أثبت تاريخ الأحداث. وهي تعلم أن الحاكم المستبد يصب في مصلحتها لمصلحة بقائه مهما كلف الثمن وهكذا يتقاسمان الأدوار في ظل فقدان الوطنية المخلصة لحاكم يقتل الشعب السوري. ولعل هيلاري كلينتون فهمت جيدا ذلك عندما أكدت أن حماية أمن إسرائيل أمر صلب كالصخر.
ونحن نؤكد أن القوة بمفهومها العام حتى بالنضال اللاعنفي تؤدي إلى كسر ضلع المحتل والمستبد أحيانا وقد حدث هذا في عدة من البلدان كما هو معروف ولكن الأمر بالنسبة إلى إسرائيل يبدو أنه لن يمكن لثوابت وسياسات باتت معروفة عند المحتل وكذلك لا يصلح الأمر بالنسبة إلى سورية الحارس الأمين لإسرائيل والمستبدة منذ أربعين عاما بمنطق الأسد على الشعب والنعامة مع اليهود لاسيما أنه أيضا ثمة مصالح إقليمية وعالمية تصب في هذا الهدف. وبينما لا يرى أوباما تناقضا في خطابه الأخير بين مصالح أمريكا وتطلعات الشعوب وأمالها في الديمقراطية مع الحذر أن هذا التصور قد لا يصمد لأن الحكام العرب لا يريدون ذلك فإن نتنياهو يؤكد أنه يجب أن تتوقف عملية السلام مع الفلسطينيين انتظارا لنتائج الربيع العربي الذي هو في قناعته ضد الحرية والليبرالية وإسرائيل وأن حركاته إنما جاءت باتجاه الإسلام السياسي المعادي لإسرائيل مؤكداً أن الذي لا يفهم الأمر هكذا إنما هو كمن يدفن رأسه في الرمال.
أقول وهذا ما يفسر سعي إسرائيل لعدم تغيير الأنظمة الاستبدادية إذ صرح نتنياهو أن ذهاب حسني مبارك خسارة كبيرة لإسرائيل وأن إبقاء بشار الأسد إنما هو مصلحة إسرائيلية إستراتيجية، ولكننا نقول إن تحرير البلاد العربية من المستبد إنما هو الطريق الأوحد لتحرير فلسطين من المحتل مع تأكيدنا أن كليهما وجهان لعملة واحدة وشعارهما ترجيح المصالح على المبادئ ولذا فلابد من مجاهدتهما دون كلل أو ملل على الدوام حتى تتحقق أهداف الأمة العربية والإسلامية في الحق والحرية والمساواة والكرامة وحتى لا تذهب دماء الشهداء أدراج الرياح لأنها هي وحدها ثمن النصر المنشود في كل حال.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
498
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
610
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
417
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12204
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10998
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026