رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرة أخرى بل مرات لابد لنا أن نعيد التذكرة والذكرى إلى المعارضة السورية الشريفة عسى أن يكون في الإعادة إفادة ولا ريب أن الذكرى تنفع المؤمنين، ومن البداية يجب أن نتفهم أنه كما للمعارضة الميدانية المساندة للثورة أهميتها المتميزة في الداخل، فإن للمعارضة في الخارج دوراً كبيراً سيما أنها كثيرة الحجم متعددة التنوع رغم أنها مازالت بطيئة التحرك والتحرق في مواكبة أحداث الانتفاضة على الأرض من جهة وكذلك فإن الوعي الناضج المختمر المطلوب لهذه المواكبة مازال بحاجة إلى تفعيل فهو عند البعض مازال خطيرا وفجا في التعاطي مع مشهد الثورة مع أن الموازين في سوريا قد قلبت عما كانت عليه قبل ستة شهور فقد تجاوز الشعب جدران الخوف وأصبحت الهبة التائقة إلى الحرية بكل جرأة وصراحة مكشوفة للعالم أجمع وتقدم في سبيلها كل أنواع التضحيات الأسطورية والبطولات الفريدة التي تسجل هذا التاريخ بالدم والصبر والتحدي بالإرادة الحديدية النابعة من حب الله والوطن والبارزة في جميع الاحتجاجات والهتافات ضمن مئات البؤر في هذا الوطن ضد نظام بربري وحشي بعصابة عائلية لا يهمها أن تسحق الملايين في سبيل البقاء والتشبث بالسلطة لقهر العباد والاستفراد بثروات البلاد. ومن هنا يأتي نداؤنا ورجاؤنا ببكاء القلوب قبل العيون للمعارضة أن تعمل على توحيد صفوفها فما كان شعار جمعة الثوار الماضية يدعو إلى وحدتها إلا لأهميته وأولويته داخليا وخارجيا حتى رأينا العديد من اللافتات ترفع شعار الآية الكريمة (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، "آل عمران: 103"، (ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا)، "الأنفال: 46"، ونحن نعرف حكمة السري الرفاء:
إذا العبء الثقيل توزعته
أكف القوم خف على الرقاب
وقول معن بن زائدة:
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا
وإذا افترقن تكسرت آحادا
وإذا النمل اجتمع انتصر على السبع كما قال سعدي الشيرازي وكما في المثل الكيني: إذا اتحد أفراد القطيع نام الأسد جائعا. أقول فيا أيتها المعارضة هل نصل قريبا قريبا حتى نرى الأسد ينام جائعا أو يلقى جزاءه خاضعا خانعا؟ إن التوحد هو الذي يهزم الشرذمة والتبعثر في الرؤى شذر مذر وهو الذي يجعل البعيد قريبا والبغيض حبيبا وهو بذلك أولى مواصفات أي معارضة مخلصة صادقة شريفة لأنه الدواء والشفاء ولا يليق بكم أن يقال لكم: كاد المريض أن يموت والأطباء مختلفون! ان الوطنية الحقيقية التي يجب أن تتمثلوها واقعا على الأرض هي الحياة الحقيقية لكم أنى كنتم، فالأوطان ليس لها مكان، وهذه الوطنية إنما تعمل ولا تتكلم كما قال قاسم أمين وهل يكون موضع لوطني يبحث عن المصالح قبل المبادئ مثلا وعن المغانم دون المغارم لا يهمه إلا أن يحجز مقعدا في الطائرة القادمة دون التفكير بجموع المسافرين، ويحضرني في هذا قول أمير البيان شكيب أرسلان: الفكر الوطني بالأجيال القادمة أما السياسي فيفكر في الانتخابات القادمة فمع من أنتم؟
اصدقوا ربكم وضمائركم تكن لكم قدم صدق عند ربكم ويكن لكم القبول عند الجماهير كما قال أمين الريحاني: ازرع الصدق والرصانة تحصد الثقة والأمانة، وذلك لأن الصدق منجاة والكذب مهواة ويكفينا في هذا نصيحة مالك بن دينار: لو وضع الصدق على جرح لبرأ ويا أحبابنا في المعارضة ثقوا بالله وبأنفسكم وتبادلوا هذه الثقة في تعاملاتكم مع اخوانكم في أي معارضة، بل حتى مع غير المسلمين إن كانوا عون صدق على نصرة الثورة وإن قلوا وما ذلك إلا لأنكم بهذه الثقة تنتصرون على أنفسكم فتكونون أقوياء وكذلك ستلهمون الآخرين الثقة كما قال غوته وبذلك تسودون كما قال شوقي:
كم واثق بالنفس نهاض بها
ساد البرية فيه وهو عصام
ثم عليكم بالعدل في كل ما تقولون وتعملون وحذار أن تغلب الشهوة والطرفية والعنصرية في مجالس معارضتكم فتسيئوا التوزيع عدديا أو تضربوا من يكون تحت السيطرة وتبعدون الأكفاء إذ عندها لن يكون فرق كبير بينكم وبين الذين نعاني من ظلمهم في هذا المجال.
فبالعدل قامت السماوات والأرض، وإننا أمام صناعة حياة وطنية حرة ديمقراطية ودولة مواطنة تعددية فلا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. نقولها للعلمانيين والليبراليين واليساريين والإسلاميين جميعا تجاه بعضهم بعضا، فالعدل سائس عام والجور عارض خاص، كما قال علي رضي الله عنه والعدل كالغيث يحيي تربتكم وهو السيف الذي لا غمد له كما قال محمد عبده وإن أي مجلس أو هيئة أو لجنة تقوم من قبلكم لا عدل فيها فهي النهر دون ماء فما الفائدة، فالعدل أساس الملك وهو مع القوة والأمانة ضمان لصاحبه بينما القوة دون عدالة كما في بلادنا سابقا واليوم فهي طاغية تفرق ونحرق.
أين الغيورون الذين يقدمون مصلحة الأمة على ذواتهم ولا ينامون الليل من أجل أن يستريح الأحرار لو قليلا، يرون الدماء تنزف فيبكون من قلوبهم ويواسون ويعينون بكل ما يستطيعون، فالغيرة بناءة والغفلة هدامة وأي وجدان وضمير لمن يبقى صامتا حياديا أمام ما يجري من مآسي تنهد لهولها الجبال الراسيات.
ولذا وبهذه المناسبة فإننا نرى أن أي معارضة لا يكون هدفها إسقاط النظام ومحاكمة المجرمين هي معارضة دونية لا ترتقي إلى مستوى مطالب الداخل من جهة أنها ستحاور النظام وستكون خائنة لدماء الشهداء وستكون قاصرة النظر في التعاطي مع أناس لا ينفع معهم الحوار أبدا لأن فاقد الشيء لا يعطيه ومتى صح الحوار مع أعداء الشعب إلا إذا صح حوار الذئب مع القطيع. ولذا ما قد يسمى معارضة في الداخل لبعض الجهات والتنسيقيات التي تقوم مؤتمراتها بإذن النظام ويسمح للحضور الإعلامي أن يغطيها لن يأتي من ورائها خير لسوريا وإنما ستكون حال حدوث انضمامها إلى حكومة معارضة برئاسة بشار كالجبهة الوطنية التقدمية التي دعيت إلى طبخة الحكومة فأكلت منها ولم تشارك بأي رأي حولها فكانت جزءاً لا يتجزأ من كل ظلم وقع على الشعب الصابر المسكين، والذي يدل على ذلك أن المعارضة التي هبت في الداخل قبل شهرين باسم مؤتمر الإنقاذ هو جمت مقراتها في الغابون واستشهد ستة عشر شهيدا كيلا يسمح بقيامه فاستعاض الأحرار أن قاموا به في تركيا، وهكذا وبعد هذه الدماء الغزيرة في طول سورية وعرضها يجب ألا نقنع إلا بمعارضة قائمة على معايير الحق والعدل وإسناد الثورة بكل حق وصدق وشفافية وأن يكون أول شعاراتها التي تسعى إليها إسقاط النظام بكامل أركانه والحفاظ على السلمية ما أمكن والبعد عن الطائفية وما شابهها، وعلى المعارضة الشريفة ألا تكترث بالشماعة التي ينصبها الغرب والشرق وقاصرو النظر في الوطن ان البديل عن النظام الحالي الإسلاميون، فهذه خدعة وشعبنا السوري قالها في جميع المظاهرات انها دولة مدنية ديمقراطية وأن الثورة تعادي الطائفية ولا تفكر في الثأر وإن كانت تصر على محاسبة الجناة وطنيا بل دوليا، إن على جميع كتل المعارضة أن تلتئم تحت سقف واحد يتنازل فيه الوطنيون لبعضهم في سبيل المصلحة العليا للشعب الصابر المصابر والشباب الأخيار الذين ينتظرون وحدة المعارضة بفارغ الصبر لتكون خير سند لهم بعد الله تنصرهم وتخدمهم في المحافل الإقليمية والدولية ضد هذه الطغمة المجرمة، فلا فائدة في معارضة لا تتحرك ولا تتحرق لصون أهلها في الداخل، ولعله من العيب علينا أن نرى الغرب مثلا يضغط على النظام الغاشم بالعقوبات وما عليها وإن إيران وحزب الله وروسيا والصين تقف معه ونحن مازلنا بعداء عن التوحد الحقيقي أمام هذا الخطر، لقد قالت العرب: إن المحن تذهب بالأحن، فهل تبقى الرواسب وبعض تصفيات الحسابات بين أي كتلة أو شخصية مانعة من التوحد لإنقاذ العباد والبلاد أو أن الغليان الوطني الذي حقه أن يزداد ثورة وخاصة بعد اختطاف الفتيات في حمص وتعذيب الشهيدة زينب الحصني وإعادتها إلى أهلها بعد أيام مقطعة أربع قطع مشوية الرأس سيجعل المعارضة ذات إحساس مرهف استجابة للدين والغيرة والشرف ألا وثبة عمرية وهبة وليدية وحكمة عربية إسلامية تنقذ الموقف فإن الله سائلنا جميعا يوم القيامة وقد خاب من حمل ظلما.
مبادرة الأضاحي.. ومعاناة المضحين
تبذل حكومة بلادنا الرشيدة جهودا مقدرة ومشكورة، تثبت من خلالها اهتمامها وحرصها على تقديم أفضل وأجود الخدمات للمواطنين... اقرأ المزيد
93
| 26 مايو 2026
يوم عرفة.. حيث تتحقق الأمنيات
ثمة يومٌ في العام لا يشبه سائر الأيام، يوم تنزل فيه الرحمات كالمطر، وتُفتح فيه أبواب السماء. إنه... اقرأ المزيد
72
| 26 مايو 2026
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟
في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة بين القوى المتصارعة، لم تعد الوساطة السياسية مجرد طاولة تفاوض... اقرأ المزيد
72
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1539
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026