رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يتم تكليف أي دبلوماسي للعمل بأي دولة يكون شغله الشاغل جمع أكبر معلومات عن هذه الدولة وطبائع شعوبها، حتى يهيئ نفسه للرحلة المجهولة التى هو في طريقه لسبرها، وهو شيء شائع في عالم الدبلوماسية المعروف.. وعندما صدر التكليف لي بالمباشرة في سلطنة عمان لم أكلف نفسي عبء القيام بهذه الجزئية "رغما عن كونها أول زيارة لي وهو تقصير أقر به" حيث ان طابع العلاقات التى تجمع بين دولتينا وشعبينا وتاريخ العلاقات المشتركة والارتباط القبلي وعلاقات المصاهرة التى تجمعنا جميعا فى بوتقة دول مجلس التعاون، تجعلني في حل من البحث والتقصي.
وعندما وطئت قدماي أرض مطار مسقط الدولي، لم أشعر بأنني قد خرجت من مطار الدوحة فالملامح هي الملامح والتعامل هو التعامل إن لم يكن أفضل، والاريحية كانت هي ديدن كل من التقيت بهم، وعلمت بأن اقامتي في هذا البلد الطيب أهله سيكون لها ما بعدها.. وهو ما كان بالفعل.. فلقد توجت هذه السنوات بالكثير من العلاقات الجميلة والارتباط العاطفي بالمكان وأهله، وصدق حدسي في امتداد صداقاتي وتشعبها وتخطيها لحاجز الرسميات والوصول الى عمق المجتمع العماني الذي احتواني بكل حب وصدق.
كنت أعلم أن الاخوة العمانيين يكنون الكثير من مشاعر الاخوة الصادقة لإخوانهم القطريين، إلا أن ما عايشته ولمسته طوال فترة اقامتي أعلمني أن الواقع أكبر بكثير مما يقال، وأن كل ما سمعته عن خصوصية هذه العلاقة ما هو إلا نقطة في بحر المحبة الصادقة، والأخوة الحقة الخالية من كل زيف، وصفحة من دفتر ملئ بكل ما هو جميل ودافئ من كلمات لا توفي من احببتهم حقهم، ولا تستطيع ايصال حقيقة مشاعري تجاههم، وتتقاصر امام هذا الكم الهائل من التقدير الذي أحتفظ به في دواخلي لهم، ولو كان قدر الدبلوماسي التنقل من محطة لأخرى فان قدر القلب أن يبقى حيث أحب ومع من أحب.
شهدت الفترة التي قضيتها في ربوع بلدي الثاني عمان أحداثا كثيرة على مستوى العلاقات الثنائية كنت خلالها شاهدا على مدى التنسيق بين بلدي قطر والشقيقة عمان بما يخدم المصلحة المشتركة بين بلدينا، حيث تم في هذه الفترة التوقيع على الكثير من الاتفاقيات في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمار المشترك، ولقد أحسست بالاعتزاز والفخر حيث ساهمت بجزء ولو يسيرا في تحقيق ذلك، وكنت استمد هذا الاحساس من خلال شعوري بمدى التزام القيادتين الشقيقتين نحو شعبيهما وعروبتهما، كما شهدت فترة وجودي في سلطنة عمان الشقيقة لقاءات عدة بين سمو الامير الوالد الشيخ حمد وسمو الامير الشيخ تميم بعد توليه زمام الامور، وجلالة السلطان قابوس حفظهم الله جميعا، كان لها عظيم الاثر والنتائج في تطوير العلاقات الاخوية بين البلدين الشقيقين.
هكذا هي الدنيا تجمع لتفرق وتفرق على أمل اللقاء، وبأنه لا بد لنا من يوم نصحو فيه على حقيقة الوداع رغم الآلام التى يسببها لنا، ولكن تبقى لنا الذكريات الجميلة التى ستظل محفورة في مكان قصي يستحيل أن تصله ممحاة الزمن ولو طال، وستظل ملجأ لي في قادم الايام أتزود منه كلما أحسست بعطش اللقيا وجوع الحنين، فعمان لا تنسى بمرور الايام والسنين، وشعب عمان وأصدقاء عمان خالدون في الوجدان يتمترسون داخل القلب بصدق احاسيسهم ونبل مشاعرهم.
لقد وجدت فى عمان كل ما يبعث على الراحة والطمأنينة، فهي دولة بعيدة كل البعد عن كل ما يبعث بالقلق في الدول الاخرى، فهي واحة أمان في زمن كثرت فيه القلاقل والمشاكل، تجد نفسك فيها مجبراً على مسايرة أهلها فى طباعهم السمحة ونفوسهم الصافية وتقبلهم للآخرين بروح الالفة والعفوية، ويكفي أهل عمان فخراً دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالقول "رحم الله أهل الغبيراء (أهل عمان) آمنوا بي ولم يروني"، وما قاله خليفته أبوبكر رضي الله عنه عنهم عندما خاطبهم قائلاً "معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعاً، لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر ولم تعصوه كما عصيه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم، وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم وعدتكم، فأي فضل أبر من فضلكم وأي فعل أشرف من فعلكم".
فيا أهل عمان طبتم وطابت دياركم، ونعمتم بما حباكم الله من أخلاق، ودمتم ذخرا لكل اخوتكم العرب والمسلمين، ولسوف يكون ملتقانا قريبا ان شاء الله، فمن عاش بينكم يوما يصعب عليه أن ينقطع عنكم، فما بال من عايشكم تسعة أعوام ونيف، ووجد منكم كل عون ومساعدة، وعاملتموه كأخ لكم وفتحتم امامه كل الابواب، فحري بي أن أواصل ما قطعته ظروف العمل ومقتضياته، فعلاقتي بكم منذ أول وصول صارت علاقة أزلية ما دام في العمر بقية، وحنين لن ينقطع ما دمت حيا، فشكرا لكل من صادفتهم خلال هذه الفترة الجميلة، وشكراً لكل من لم يسعفني الحظ بالتعرف اليه، فيكفيكم أن تكونوا عمانيين لتنالوا حبي واحترامي.
أخيراً وليس آخراً، أودعكم وذاكرتي مثقلة بذكريات جميلة لن ينضب معينها بإذن الله، وأفارقكم وفي القلب حسرة، وفي العين دمعة أتمنى ألا تجد طريقها للنزول كوني عائدا، عائدا لمعانقة كل هذا الألق والجمال وطيب المعشر في بلد تجمعت فيه صفات الشعوب الاصيلة، وأودعكم كدبلوماسي وأبقى معكم كانسان قضى شطرا من عمره العملي وإنتاجه السياسي فى بلدكم المضياف، على أمل اللقيا قريبا في هذه الارض الطيبة التى تنعم بكل ما هو جميل، تحت رعاية وعناية الله ثم صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله وأبقاه، ولسان حالي يدعو له بكمال العافية والصحة حتى يواصل ما بدأه من مسيرة النهضة الشاملة لهذا البلد الكريم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11562
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
7092
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3708
| 22 أكتوبر 2026