رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتمثل الازدواجية في سياق هذا المقال في أن الإرهاب الأول هو إرهاب الدولة، إرهاب الكيان الصهيوني، أما الإرهاب الثاني فهو الإرهاب الإعلامي والفكري الذي تمارسه الآلة الإعلامية الغربية – مع بعض الاستثناءات-على عقول البشر في جميع أنحاء المعمورة. فأقل ما كان ينتظره المراقب والمشاهد والمتابع لحرب الكيان الصهيوني على غزة هو تقديم الواقع مثل ما هو من قبل وسائل الإعلام العالمية التي عادة ما تشكل الرأي العام الدولي. فالصور كانت غنية عن كل تعليق وأطفال أبرياء قتلوا أمام الملأ وهم يلعبون في شواطئ غزة. ما قدمته وسائل الإعلام الغربية مع الأسف الشديد هو خروج عن الموضوعية وحرية التعبير والصحافة وخروج عن عمل إعلامي وإخباري محترف ومسؤول وملتزم، كما افتقر الإعلام الغربي للضمير المهني وعجز عن تقديم وجهات النظر المختلفة عن ما يجري بين شعب اغتصبت أرضه بالقوة، شعب شُرد وطُرد من أرضه وشعب اغتصب أرض غيره وشرد أهلها. جرت العادة أن معظم الأخبار في القنوات الإعلامية الغربية الفاعلة في الفضاء الإعلامي الدولي لا تقدم سياق وخلفية تضع فيها الخبر في سياقه الصحيح؛ بل نلاحظ التركيز على "التأطير" framing ووضع القصة الخبرية في إطار أيديولوجي سياسي يتماشى مع أجندة المؤسسة الإعلامية السياسية والاقتصادية والتجارية. أين هي الموضوعية؟ وأين هو الضمير المهني؟ وأين هي أخلاقيات المهنة والالتزام بالبحث عن الحقيقة وتقديمها للجمهور؟ كلها مصطلحات ومفاهيم تتبخر عندما يتعلق الأمر بفلسطين والكيان الصهيوني والصراع العربي الإسرائيلي.
الوسائل الإعلامية الأوروبية والأمريكية، معظمه وليس كلها- تفننت في "فبركة" واقع الحرب على غزة، الحرب العنصرية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بما يتماشى مع الموقف الرسمي لحكوماتها ودولها - وهذا أمر ليس بجديد- بحيث أن تعامل الغرب مع العرب والمسلمين كان دائما جزء من الصراع العربي الإسرائيلي وموقف لا يخرج عن الإطار الذي حددته الآلة الدعائية الصهيونية ولا يخرج عن إطار السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وسياسة الاتحاد الأوروبي والتي عادة ما يرسمها صهاينة في الكونغرس والبيت الأبيض وأروقة وكواليس برلمانات الدول الأوروبية البرلمان الأوروبي. وانطلاقا من هذا الواقع المضلل والمزيّف و "المفبرك" أصبح الجانب الفلسطيني هو المعتدي بينما الجانب الإسرائيلي هو الطرف الحريص على الديمقراطية والسلام والوئام والأمن والآمان وهو الضحية والمعتدى عليه. ونتيجة للتغطية المضللة فإن الرأي العام الغربي مقتنع تمام الاقتناع أن الفلسطينيين هم الذين اغتصبوا أرض إسرائيل وأن الضحية هي الكيان الصهيوني والمعتدي والجلاد والمغتصب هم الفلسطينيون. هذه هي قمة الإرهاب الإعلامي والإرهاب الفكري الذي تتعرض له البشرية جمعاء عندما يتعلق الأمر بفلسطين وإسرائيل. هكذا إذن أفرزت وتفرز وسائل الإعلام الغربية في تغطيتها للانتفاضة العداء والكراهية للفلسطينيين والعرب والمسلمين حيث إنها قلبت الحقائق وعكست المنطق حيث أظهرت أن الإسرائيليين هم الضحايا والمقاومة الفلسطينية والعرب والمسلمين هم عصابة من المتوحشين والمجرمين وقطاع الطرق. إن عملية الضليل والانحياز للكيان الصهيوني ليست جديدة وإنما هي ممارسة إعلامية وإرهاب فكري منذ وعد بلفور. والتاريخ مع الأسف الشديد يعيد نفسه. صور استشهاد الطفل البريء محمد الدرة قبل سنوات على سبيل المثال قرأتها وسائل الإعلام الأمريكية بطريقتها الخاصة وفق ما صرحت بها مادلين أولبرايت – وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك- عندما قالت بكل سخافة ووقاحة أن الطفل قُتل خلال عملية اشتباك وتبادل إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والواقع والصورة يقولان غير ذلك تماما. تقر أولبرايت ووسائل الإعلام الأمريكية بطبيعة الحال أن موت محمد الدرة كان بالخطأ وغير مقصود وكان نتيجة عملية الدفاع عن النفس. هذه المرة تفاجئنا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومثل ما فعلت من قبلها مادلين أولبرايت، تقول أن إسرائيل في حربها على غزة تقوم بالدفاع عن النفس، الدفاع الشرعي ضد الإرهابيين وهي بذلك تقوم بعمل مشروع وليس اعتداءً على أبرياء ومدنيين عزل.
من المفارقات العجيبة كذلك في تغطية الإعلام الغربي للحرب على غزة هو المساواة بين دولة الإرهاب وإرهاب الدولة والمقاومة الفلسطينية من حيث الأسلحة والعتاد الحربي واللوجيستي كما أنها لا تتكلم بتاتا عن الضحايا وهم في معظمهم أطفال ونساء وشيوخ وأبرياء عزل. فالضحايا الفلسطينيين هم من المدنيين العزل وثلثهم من الأطفال، أما الضحايا الإسرائيليين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة فهم جنود مدججون بالسلاح وليسوا من المدنيين.من جهة أخرى نلاحظ في التغطية المنحازة لوسائل الإعلام الغربية للحرب على غزة تجاهل الأعمال الوحشية التي قام بها المستوطنون الإسرائيليون ضد المدنيين الفلسطينيين وهذا شيء ليس بجديد على الإطلاق في تاريخ تغطية الوسائل الإعلامية الأمريكية والغربية للصراع العربي الإسرائيلي. فالكيان الصهيوني يعتز بوجود وسائل إعلام أمريكية وغربية تشد على أياديه وتؤازره في كل الأعمال الإرهابية والوحشية التي يقوم بها. وسائل الإعلام الغربية تتعمد عدم إبراز عدم التكافؤ الموجود بين جيش مدجج ومدنيين عزل فالكاميرات الأميركية ترّكز دائما على غضب وعصيان الأطفال الفلسطينيين وتصفهم بالهمجية والوحشية وكل الصفات السلبية ولا تظهر الدبابات والأنواع المختلفة من الأسلحة التي تستعملها إسرائيل ضد أطفال لا يملكون سواء الحجارة وإيمانهم الراسخ باسترجاع أرضهم المغتصبة إلا نادرا، فالعنف الإسرائيلي هنا يبرر بأنه الدفاع الشرعي عن النفس.
مختصون وملاحظون عبروا عن استيائهم بشأن أخطاء مهنية تسببت فيها بعض وسائل الإعلام العالمية في تغطيتها للحرب على غزة مما أدى إلى نقل صورة مشوهة للرأي العام العالمي عن الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة. الانحياز الكبير للإعلام الغربي من قنوات إعلامية مختلفة ووكالات أنباء أدى إلى تزييف الحقائق وفبركة الوقائع وفق أجندة محددة وأطر مرسومة مسبقا. وتفاوتت فداحة تلك الأخطاء التي ارتكبتها وسائل الإعلام تلك، بين بث معلومات خاطئة مثل تنسيب مشاهد من الدمار الذي لحق بالمواطنين العزل في غزة جراء القصف الإسرائيلي لبيوتهم وتقديمه للمشاهد على أنه لضحايا إسرائيليين طالتهم صواريخ المقاومة الفلسطينية، وبين المساواة بين الضحية والجلاد، من خلال تصوير ما يجري على أنه حرب بين قوتين متكافئتين.فقد نقلت قناة "أي بي سي" الأمريكية خلال نشرة أخبار رئيسة الثلاثاء 8 يوليو الماضي معلومات مضللة، تمثلت في عرض مشاهد من الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، وقدمته على أنه اعتداء وعدوان همجي من قبل المقاومة الفلسطينية أو حسب تعريفهم " المنظمة الإرهابية حماس".
وعلقت المذيعة بالقناة، ديان ساويير خلال بث حي لنشرة الأخبار على صور لعائلة فلسطينية، تحاول جمع بعض ممتلكاتها من بين حطام بيتها المهدم إثر غارة إسرائيلية قائلة "إنها لأسرة إسرائيلية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه". وتابعت المذيعة مخاطبة المشاهدين بينما كانت القناة تعرض صورا للدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي على قطاع غزة: "نأخذكم إلى الخارج الآن، حيث الصواريخ تمطر إسرائيل اليوم، بينما تحاول إسرائيل التصدي لها". وفي نفس الإطار أخطأت المذيعة في تقديم سيدة فلسطينية
تقف وسط حطام بيت مهدم قائلة "سيدة تقف عاجزة عن الكلام وسط الركام"، مما يوحي للمشاهد بأن السيدة ضحية إسرائيلية لقصف المقاومة الفلسطينية. واضطرت القناة للاعتذار لمشاهديها لاحقا عن هذا الخطأ بعد أن تم تداوله في وسائط التواصل الاجتماعي.
كما عنونت وسائل إعلام عالمية مختلفة تقاريرها وأخبارها عما يجري بطريقة توحي للقارئ بتكافئ القوى بين طرفي الصراع، ف "وول ستريت جورنال" مثلا استخدمت العناوين التالية "صواريخ غزة تصل العمق الإسرائيلي"، و "الغارات الجوية تهدف إلى إضعاف ترسانة حماس"، متجاهلة الأعداد المتزايدة للقتلى المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ وعجزة في قطاع غزة. في 8 يوليو الفائت مثلا عنونت صحيفة "نيويورك تايمز" تغطيتها للصراع "إسرائيل وحماس يتبادلان الهجمات في ظل تزايد التوتر"، و "إسرائيل وحماس تتبادلان إطلاق النار". هذه الممارسات هي في واقع الأمر أخطر أنواع الإرهاب والذي يتمثل في تضليل وتشويه صارخ لما يجري في أرض الواقع وهذا ما يؤدي إلى تضليل ومغالطة الرأي العام.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2814
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2117
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1344
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026