رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ كنا صغارا في المدارس كان أساتذتنا الأجلاء يحدثوننا -على الدوام- أحاديث قلبية عن ضرورة الاتحاد والعدل و نبذ التفرق والظلم ويأتون لنا بقصص طريفة جاذبة للانتباه فنسربها ونعود إلى بيوتنا فننقل بعضها إلى آبائنا وأمهاتنا وأسرنا على الغداء أو في السهرة المسائية , وعندما نتذكراليوم – ونحن كبار- ما يجري في معظم بلادنا العربية من مآس وهيمنة بعض القوى المتحدة على الباطل الظالمة على كثير من مقدراتنا – سواء كانت دولية أو إقليمية أو محلية – فإننا نعيد شريط الذكرى إلى الماضي لنربط الأحداث بعضها ببعض ولا نخجل من ذلك فقد دعانا القرآن و السنة للإفادة من أخبار وقصص السابقين لنتفادى الأخطاء والأخطار, وفي هذا يقول الزعيم الهندي "المهاتما غاندي": إن من ليس له ماض فليس له حاضر ولا مستقبل. وفي هذا الأسبوع بالذات يوم الجمعة الماضي تم في سوريا تحرير مشفى جسر الشغور في ريف إدلب بعد أن تحدى الأسد السفاح بأنه سيحرر من فيه من المحاصرين الأبطال وفيهم من يحمل الرتب العالية مدنيا وعسكريا, إضافة – إلى ما نقل – بعض من هم من الضباط و المستشارين الإيرانيين وغيرهم, ولكن الذي حدث فعلا وبعد أكثر من أسبوعين من محاولات اللانظام الطاغي ومَن وراءه من الأسياد المعروفين لم يقدروا على شيء بل عند ما قامت المحاولة الأخيرة يوم الجمعة فر الجنود كالفئران و الأرانب ووجد الآخرون من المنهزمين كمائن لجيش الفتح تطوقهم وتقتلهم أو تأسرهم وضربت الروح المعنوية التي أراد النظام البشاري أن ينفخها في أنصاره وأخفقت جميع التعزيزات العسكرية لحلفاء اللانظام وانقلب السحر على الساحر ولم ينج إلا اثنا عشر واحدا منهم ذكرهم التلفزيون السوري المخادع أنهم أول دفعة للتحرير وهو يدري أنه لا دفعة بعدهم أبدا! وقد تم ذلك رغم أن الطائرات الحربية كانت خمسا ونفذت أكثر من 22 غارة عدا الحوامات التي تلقي البراميل المتفجرة لكن دون جدوى. ولاشك أن جسر الشغور منطقة كبيرة و استراتيجية بالنسبة إلى اللانظام حيث إن سقوطها يفتح الباب للثوار إلى خوض المعركة الكبرى في الساحل السوري على البحر المتوسط لأنه معقل طائفة الأسد, وطبعا في هذه الأيام القلائل الماضية تمت السيطرة على "تدمر" المدينة الكبيرة المعروفة بسجنها الدامي الذي خصصه حافظ الأسد وبشار لتعذيب السياسيين من الرجال و الشباب والنساء والشواب - وخصوصا الإسلاميين -, هذا وإن كانت داعش هي التي وضعته بأيديها لكننا – ورغم ما تم من معارك مع اللانظام يصعب علينا أن نقبل أن يتم التنازل عن تدمر ببساطة فربما كان سيطرة حقيقية وربما كان في الأمر شيء آخر ستفسره الحوادث و الأيام المقبلة . بيد أن المراقب والمطلع المحايد يندفع إلى القول: إن ما يجري الآن من تراجع مزر جديد لطغمة الطغاة إنما هو يأس أو شبه يأس من كسب النزال في الحلبة, وأنه لا بد من التقسيم – لا سمح الله – في سوريا مع احتفاظ الأسياد للعبيد ببعض المواقع المهمة على البر والبحر والتي بها يضمنون مصالحهم ومصالح سيدتهم الأولى (إسرائيل الصهيونية) وخصوصا فيما يتعلق بالأمن والتمدد ويذرون السنة في الوسط محاصرين من الأسياد و العبيد وعندها في أممهم المتحدة على الجور ومجلس خوفهم الذي لا أمن فيه ينتهي الخطب السوري في هذا العصر الباطني الدموي الذي ترأسه الصهيونية العالمية ويقوم فيه الكبار والصغار-ومنهم الصفويون- ممثلين على المسرح ليس إلا. و أظهر طغاة العرب تفوقا في العمالة و العبودية لهم لا نظيرلها ووفروا عليهم الجيوش والخسائر! ونحن إذا رجعنا إلى قراءة ما يجري بتأن وعقل وحكمة عرفنا أن كل حاكم طاغية فرعوني لا يمكن إلا أن يكون داعية تفرقة على عنوان (فرق تسد) بل يجعل من نفسه إلها أوله صلة بالإله كيلا يعترض عليه أحد , ومن أهم ظلمه هنا أنه يستخدم السلطة الفاشية للتلبيس على الشعب و تعميق محو الوعي الجماهيري بالطغيان و القسوة وهو ما يفعله سفاح سوريا حتى اليوم كما يُطلب منه تماما, ومنها كذلك التقليل من حجم ومكانة المعارضة مع شدة الخوف منها كما فعل فرعون وحكى عنه القرآن (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56): الشعراء. وكما قال الأستاذ محمد زكريا النداف في كتابه "الأخلاق السياسية" . ص: 202 : فإذا كانوا قلة فلماذا يخاف منهم ويحشر الجيوش لقتالهم؟ ولكن فرعون كل زمان يفعل ذلك وخصوصا في الجانب الإعلامي حيث يفسر الأحداث لصالحه و ينسب الفساد دائما إلى أعداء السلطة , وهنا - وبهذه المناسبة فإن قناة الجزيرة وحدث العربية خصوصا- تُشكران على فضح هؤلاء الفراعنة بالصوت والصورة مما يعد من الجهاد الإعلامي ولم يعد ذلك خافيا حيث إن الجرائم الكبرى التي ارتكبها الطغاة فاقت كل وصف وتصور وكما أعلن عضو شؤون حقوق الإنسان في البرلمان الألماني وأحد مؤسسي محكمة الجنايات العليا ومندوب الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في أفغانستان و في البوسنة سابقا (توم كونيفز) الذي يعتبر أحد خبراء القانون الدولي في ألمانيا وأوربا و العالم : أن حوالي 500 ألف صفحة تشمل تقارير و دراسات إضافة إلى وثائق تثبت ارتكاب رئيس النظام السوري بشار الأسد فظائع حرب ضد شعبه و إبادة جماعية منذ عام 2011 وبما في ذلك القصف بالكيماوي رغم أنه يكذّب ذلك ....وقال توم : وقد تم جمع هذه الحقائق والوثائق منذ عام 2012 حتى شهر مارس 2015 ومازال الجمع مستمرا من قبل محامين سوريين وغيرهم مما يؤكد أن مافعله بشار من مظالم يفوق إبادات "رواندا" و"يوغوسلافيا" السابقة وقد قامت سويسرا بجمع تواقيع خمسين دولة بما فيها ألمانيا لتقديم هذا الطاغية إلى محكمة "لاهاي" بالرغم من وضع موسكو واستعمالها حق النقض (الفيتو) بمجلس الأمن الدولي. طبعا نحن ننقل ما ذكر وبصائرنا لا تنسى أبدا الاتفاق بين الطاغية وإسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران على تغطية هذا الهول الشنيع, كما بدأ وا من أول الثورة وتآمروا عليها , وفاقد الشيء لا يعطيه , وهل ننسى ما قاله المستر "أوباما" مؤخرا بتصاريحه المعسولة أنه سوف يغادر منصبه وسيبقى النظام السوري؟ أوهل ننسى التصريحات الأمريكية الحكومية المسؤولة مؤخرا أن تَقدُّم المعارضة المسلحة في سوريا يقلقها. و من قديم الزمان قال الشافعي – رحمه الله – عن اللؤماء والباطنيين :
و لا ترج السماحة من لئيم فما في النار للظمآن ماءُ
ومن هنا تكون التصريحات عند أرباب التضليل الإعلامي مرة هكذا ومرة هكذا... إنه أسلوب فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)غافر فالفساد حسب هواههم وليس حسب المصطلح العلمي الموضوعي , وهكذا يجري أذنابهم مثل تصاريح الأمين العام لما يسمى حزب الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة. وكما ينقل الدكتور سيف الدين عبد الفتاح في : النظرية السياسية من منظور إسلامي. ص: 412: إن هذه محاولات للتعريف حسب الهوى والمصالح الضيقة كما في استعمال مثل هذه المصطلحات اليوم:
"مصلحة الجماهير, الإرادة الشعبية, الشرعية, الاستقرار السياسي ..." إن كل ما يجري من الظلم لن يدوم لأن الظلم مرتعه وخيم عاجلا أو آجلا وإذا كانوا يريدون لنا أن نيأس فمعاذ الله من ذلك لأن اليأس هو الانتحار المحرم والكفرالممنوع , وإن معظم السوريين اليوم قد فهموا المعادلة بينهم كمظلومين وخصوصا – أهل السنة – وإن العديد من الشيعة العرب اليوم هم ضد أمين عام ما يسمى حزب الله والمالكي والعبادي – وإن الأحرار ضد السيسي ولن يقفوا مهما بلغت التضحيات وإن أبطال اليمن سيحررونها بإذن الله من الحوثيين والمنافقين وسوف يخيب فأل الصهيونية وأمريكا وروسيا وايران وإنما تعتبر الأقوال والأعمال و الأحوال بالمآلات كما يقول الإمام الشاطبي – رحمه الله – ولو كان بشار السفاح عنده بعض العدل لا الظلم لما ثار الشعب وتحملوا الألاقي والشدائد حقنا للدماء, ولكن ماذا تفعل إذا كان الحاكم مأمورا وعبدا لأسياده الذين ربوه ، إذا فلا بد من الاتحاد و هو ما لاحظناه بين الكتائب و الفصائل وكذلك الحكم بالعدل وهو الغالب عليهم - ولنا كلام آخر في هذا العدل الدنيوي والأخروي لاحقا بإذن الله .
جوهر الحضارة ورياحين النفوس
في تجربتنا الإنسانية على هذه البسيطة، جميلٌ أن يُدرك المرء أن الفنون جوهر الحضارة ولبّها الأصيل، يرتفع بها... اقرأ المزيد
36
| 02 يونيو 2026
رحلتي وعودتي من الحج.. ذكريات لا تغيب
عندما غادرت أرض الوطن متوجهاً إلى الديار المقدسة، كنت أحمل شوقاً طال انتظاره إلى بيت الله الحرام، لكنني... اقرأ المزيد
33
| 02 يونيو 2026
قطر تدين اقتحام المسجد الأقصى
في امتداد لموقفها الثابت والتاريخي الداعم للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس ومقدساتها، أدانت دولة قطر اقتحام متطرفين إسرائيليين... اقرأ المزيد
51
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3408
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2601
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1626
| 29 مايو 2026