رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نواصل الحديث عن أسباب هلاك الأمم ولماذا كثرة المترفين لا تبعث على التفاؤل؟
.4 وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ – فصلت (51)
وهنا تأكيد للشرح السابق، فالإنسان عندما ينعم الله عليه ويستغني ينسى ويصيبه الغرور والكبر. والكبر، بطر وإنكار، نتيجته الإعراض عن المنعم، أي إنكار فضله والابتعاد عنه ظنا منه لم يعد بحاجة إليه.
.5 وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ – النحل 112
* وهنا تفسير آخر وأوضح لما نقول، وهو هذه القرية التي كانت تنعم بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي، متعدد المصادر، ولكنها كفرت بتلك النعم، ولم يقل إنها كفرت بالله مباشرة، وذلك بعدم شكر النعم، أي عدم الاعتراف بها للمنعم أو بالنسيان، الذي يترتب عليهما عدم طاعته فيما أنعم. فتبدل الحال، فانقطعت مصادر الإمداد، وذهب الأمن والاستقرار. والطمأنينة هي السكينة والاستقرار، وهو أمر مرتبط إلى حد كبير بالارتياح للتوقعات المستقبلية وعدم القلق، أو حالة اليقين عن المستقبل، وهو شرط للاستثمار والتجارة، والرواج والازدهار.
* ولاحظ هنا أن الأمن والاستقرار يأتيان أولا، في أول الآية، وهما شرطان لضمان الإمداد والإنتاج، ورواج التجارة والازدهار؛ وفي آخر الآية، ونتيجة للكفر، يأتي الجوع قبل الأمن، والجوع أشد بطبيعة الحال لأنه يمثل تهديدا مباشرا لحياة الإنسان، وهذا يتفق مع مثلث مازلو الشهير للاحتياجات البشرية، الذي يضع الجوع أو الحاجة إلى الطعام قبل الأمن. كما أن المجاعة، ويمكن تصنيفها كمرحلة متقدمة جداً من مراحل الركود أو الانكماش الاقتصادي الحاد، وندرة الإنتاج وتعطل الإمداد، وتمثل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار الداخلي، فلا أمن ولا استقرار ببطون خاوية. وقد رأينا اندلاع كثير من الاحتجاجات والمظاهرات والثورات وحالات عدم الاستقرار، وارتفاع معدلات الجريمة وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بسبب غلاء الأسعار ونقص المواد الأساسية، وتدهور مستويات المعيشة. وأسباب المجاعة قد تكون متعددة وأشمل وأكثر تعقيداً من فقدان الأمن أو زعزعة الاستقرار. فقد تكون بسبب كساد، أو فساد مستشرٍ، أو خلل أو أزمات اقتصادية، أو أوبئة أو كوارث طبيعية، أو جدب وقحط، أو حصار أو حرب، أو غير ذلك.
* والخلاصة أن الأمن والاستقرار شرطان للرفاه الاقتصادي، ولكنهما غير كافيين لضمان استدامته. كما أن الرفاه الاقتصادي لازم ولكنه غير كافٍ لضمان الأمن والاستقرار. الملفت في هذه الآية، أيضا هو أن الرزق يأتي لهذه القرية من كل مكان، ومن غير المعلوم إن كان المقصود أنها لا تنتجه، ولكنه يجلب إليها عن طريق وسائط الإمداد، كما يبدو من ظاهر الآية، وكما هو حال مكة كما يشير بعض المفسرين إلى أنها القرية المقصودة في الآية، أو أنه يأتي إليها سواء كان إنتاجا محليا أو مستوردا، وهو أعم وأشمل، فهو رزق أتى إليها بقدرة الله ومشيئته. وعلى الأرجح أن القرية لا تنتج، ولكن تأتيها احتياجاتها ورزقها إلى عندها وكأنها هدية مهداة، وهذه ذروة النعمة وأوجب للشكر، وإن كان المقصود بالقرية هو مكة، فهذا لا يمنع من تعميم التجربة لأخذ العبر والدروس، بل لذلك ضربها الله مثلا يبقى على مر العصور، كقريةٍ أيا كانت.
* ولكن إن كان مصدر الرزق خارجيا بالمعنى الحرفي، أي إمدادا من خارج دائرة الإنتاج المحلي، فهذه هي صفة الدولة الريعية بالمصطلح الاقتصادي الحديث، إذ تُّعرف بتلك التي تحصل على دخلها من مصدر خارجي، أي ذلك الذي يتخطى دائرة الإنتاج المحلي، كأن تكون مداخيل بيع في الخارج لموارد طبيعية استخرجت محليا، أو إعانات أو تحويلات من الخارج، أو نحو ذلك. ويبدو أن هذا هو أقصى درجات النعم، إذا كنت لا تنتج أو ليس لديك القدرة ولا إمكانية الإنتاج، لأية أسباب كانت، كشح الموارد الطبيعية، من مياه أو أراضٍ خصبة أو طبيعة قاسية، أو غير ذلك، ولكن يهيئ لك الله أن يأتي إليك رزقك رغداً دون عناء ومشقة، فهذه من أجلّ وأتم النعم التي تستوجب الشكر، وهذه من سمات الاقتصادات الريعية، كما هو حال مكة قبل الإسلام، وكما هو حال الدول الريعية اليوم، وهذا أوجب لشكر النعم، ومكة كانت لا تنتج غذاءها ولا تنتج شيئا، ولكن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا)، وهنا الأمن أتى قبل، والرزق بعده خاص من عند الله، وهو حال مشابه لحال الدول التي لا تكاد نتنج شيئا، ولكنها تستخرج النفط والثروات المعدنية وتبيعها في الخارج، وتستورد في المقابل كل ما تحتاج إليه (من سلع استهلاكية، ورأسمالية، وعمالة من الخارج)، ويأتيها كل شيء من شتى بقاع الأرض، وهي لا شك أنها تنعم قبل ذلك بالأمن والاستقرار في بحر متلاطم حولها بعدم الاستقرار، ولو تغير شيء من ذلك، لربما تغيرت الأحوال، فهذه قمم من النعم تستوجب الحمد والشكر، والعمل الجاد على المحافظة عليها.
.6 وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ – القصص (58)
* البطر هو التكبر، والتكبر طغيان، والطغيان هو تجاوز الحد. والبطر بالشيء هو الطغيان به، والبطر بالمعيشة أو بالنعمة هو التكبر والطغيان بها، أي تجاوز الحد المسموح به من المنعم بها، وهذا في حد ذاته يستوجب زوالها، لأن فيه إنكارا للنعمة والمنعم، نتيجته وضع النعمة في غير ما جعلت له، وهذا قد يحتمل عدة أوجه ودرجات، من الاستخفاف بها (ويدخل فيه الهدر والتبذير)، إلى استخدامها في معصية المنعم، إلى محاربته بها، وهذا قمة الجحود والطغيان، وهذه جميعا مؤداها إلى زوال النعمة، وقد ينتهي الأمر بالهلاك، والسبب المبدأي في ذلك كله هو الجحود، أي «كفر» النعمة.
والكفر هو الإنكار أو عدم الاعتراف الذي يترتب عليه المعصية وعدم الطاعة، وهو عكس شكر النعمة الذي يستوجب أولا، الاعتراف بها للمنعم، ثم طاعته فيما أنعم، أي اتباع الوصفة أو التعليمات أو الإرشادات المصاحبة التي وضعها المنعم لكيفية التعامل مع نعمته، إن صح القول، ومقابلتها بالشكر والعرفان. وبطر المعيشة استخفافاً بها، غروراً وكبراً وطغياناً، هو جحود وكفر للنعمة يستوجب زوالها. والمعيشة قد تحتمل الحد الأدنى لما يبقي على الحياة، فكيف يكون بطرانها؟ والكبر يعني بالضرورة الإنكار، فالمتكبر إنما ينسب ما أوتي لنفسه ولفضله، قصداً أو نسياً، ولا يعترف به لمن أنعم به عليه، قولاً أو عملاً، وهذا يعني العصيان والتمرد على المنعم، وهو لو تواضع وتذكر لما تكبر، بما لا يرضي المنعم، ولكن المال والغنى يعميانه وينسيانه، كما قال قارون إنما أوتيته على علم عندي، فنسب الفضل لنفسه وأنكره على المتفضل، وكان ذلك سبباً في هلاكه. إذن فبطر المعيشة أو النعمة هو كفرها. فالمسألة مرة أخرى ودائما تدور حول الكفر.
* من هم المترفون؟
7. فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ- هود (116)
وهنا الترف مرة أخرى، هو السبب المسيطر والعامل المهيمن في الهلاك عبر العصور والأمم السابقة، فقط أقلية كانوا هم المصلحون الذين ينهون عن الفساد في الأرض، أما الأغلبية الساحقة عبر القرون السابقة، فقد أغوتهم حياة الترف والدعة، وانغمسوا في الشهوات، والملذات، واتهمهم القرآن بالظلم، والإجرام.
8. وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ – الأنعام (123)
وهنا الوصف أشمل، فلم يصفهم بالكفر، ولكنهم مجرمون، وهؤلاء عادةً هم الطبقة المتمكنة التي تتحكم في المجتمع وتقوده، وهي التي تحارب الأنبياء والمصلحين، ككفار قريش وغيرها من الأمم السابقة. وهي الطبقة التي تتصدى لمحاولات التغير والإصلاح في المجتمع، كالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى، كالثورات التي تؤدي إلى تحولات كبرى، لأنها تؤدي إلى تغيير الأوضاع السائدة لغير صالح هذه الطبقة المتمكنة، وبالتالي هي ترى فيها تهديدا لوضعها الاقتصادي والسياسي، وستحاربها بكل ما أوتيت من قوة من أجل تعزيز الأوضاع السائدة وتثبيتها لأطول أمد ممكن لأنها مستفيدة منها. هذه الفئة موجودة اليوم في كل مجتمع، وهي تقاوم الإصلاح والتغيير، وتحاول تثبيت الأوضاع القائمة خشية فقدان وضعها ومكانتها الاقتصادية والسياسية، وتقود الثورات المضادة للإصلاح والتغيير في المجتمع بعد إزاحتها، وفي هذه الحالة لا تستقر أمور الإصلاح في المجتمع إلا بالتخلص من قادتها وقطع رؤوس الأفاعي التي تقودها، وهي تتقاطع بطبيعة الحال مع المترفين، كما رأينا من الآيات السابقة.
نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 3 - 3
التوسع الاقتصادي والعمراني على حساب البيئة أواصل في هذا الجزء الثالث من المقال حول حماية البيئة البرية، حديثي... اقرأ المزيد
1956
| 11 مايو 2023
نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 2 - 3
أهمية التثقيف وتعزيز القوانين والرقابة البيئية سأتناول في هذا الجزء من مقالي حول حماية وتنمية البيئة البرية، ثلاثة... اقرأ المزيد
1194
| 10 مايو 2023
نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية (1 - 3)
رياض قطر.. مرابع الأجداد والارتباط الوجداني مع نهاية موسم التخييم والربيع لهذا العام، أعد هذه المراجعة التي أتناول... اقرأ المزيد
2187
| 08 مايو 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10413
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3495
| 22 أكتوبر 2026