رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد بن راشد الخاطر

د. خالد بن راشد الخاطر

مساحة إعلانية

مقالات

666

د. خالد بن راشد الخاطر

هلاك الأمم.. المترفون المتسبب الأول 2-2

26 مارس 2025 , 02:00ص

نواصل الحديث عن أسباب هلاك الأمم ولماذا كثرة المترفين لا تبعث على التفاؤل؟

.4 وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ – فصلت (51)

وهنا تأكيد للشرح السابق، فالإنسان عندما ينعم الله عليه ويستغني ينسى ويصيبه الغرور والكبر. والكبر، بطر وإنكار، نتيجته الإعراض عن المنعم، أي إنكار فضله والابتعاد عنه ظنا منه لم يعد بحاجة إليه.

.5 وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  – النحل 112

 * وهنا تفسير آخر وأوضح لما نقول، وهو هذه القرية التي كانت تنعم بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي، متعدد المصادر، ولكنها كفرت بتلك النعم، ولم يقل إنها كفرت بالله مباشرة، وذلك بعدم شكر النعم، أي عدم الاعتراف بها للمنعم أو بالنسيان، الذي يترتب عليهما عدم طاعته فيما أنعم. فتبدل الحال، فانقطعت مصادر الإمداد، وذهب الأمن والاستقرار. والطمأنينة هي السكينة والاستقرار، وهو أمر مرتبط إلى حد كبير بالارتياح للتوقعات المستقبلية وعدم القلق، أو حالة اليقين عن المستقبل، وهو شرط للاستثمار والتجارة، والرواج والازدهار.

* ولاحظ هنا أن الأمن والاستقرار يأتيان أولا، في أول الآية، وهما شرطان لضمان الإمداد والإنتاج، ورواج التجارة والازدهار؛ وفي آخر الآية، ونتيجة للكفر، يأتي الجوع قبل الأمن، والجوع أشد بطبيعة الحال لأنه يمثل تهديدا مباشرا لحياة الإنسان، وهذا يتفق مع مثلث مازلو الشهير للاحتياجات البشرية، الذي يضع الجوع أو الحاجة إلى الطعام قبل الأمن. كما أن المجاعة، ويمكن تصنيفها كمرحلة متقدمة جداً من مراحل الركود أو الانكماش الاقتصادي الحاد، وندرة الإنتاج وتعطل الإمداد، وتمثل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار الداخلي، فلا أمن ولا استقرار ببطون خاوية. وقد رأينا اندلاع كثير من الاحتجاجات والمظاهرات والثورات وحالات عدم الاستقرار، وارتفاع معدلات الجريمة وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بسبب غلاء الأسعار ونقص المواد الأساسية، وتدهور مستويات المعيشة. وأسباب المجاعة قد تكون متعددة وأشمل وأكثر تعقيداً من فقدان الأمن أو زعزعة الاستقرار. فقد تكون بسبب كساد، أو فساد مستشرٍ، أو خلل أو أزمات اقتصادية، أو أوبئة أو كوارث طبيعية، أو جدب وقحط، أو حصار أو حرب، أو غير ذلك.

* والخلاصة أن الأمن والاستقرار شرطان للرفاه الاقتصادي، ولكنهما غير كافيين لضمان استدامته. كما أن الرفاه الاقتصادي لازم ولكنه غير كافٍ لضمان الأمن والاستقرار. الملفت في هذه الآية، أيضا هو أن الرزق يأتي لهذه القرية من كل مكان، ومن غير المعلوم إن كان المقصود أنها لا تنتجه، ولكنه يجلب إليها عن طريق وسائط الإمداد، كما يبدو من ظاهر الآية، وكما هو حال مكة كما يشير بعض المفسرين إلى أنها القرية المقصودة في الآية، أو أنه يأتي إليها سواء كان إنتاجا محليا أو مستوردا، وهو أعم وأشمل، فهو رزق أتى إليها بقدرة الله ومشيئته. وعلى الأرجح أن القرية لا تنتج، ولكن تأتيها احتياجاتها ورزقها إلى عندها وكأنها هدية مهداة، وهذه ذروة النعمة وأوجب للشكر، وإن كان المقصود بالقرية هو مكة، فهذا لا يمنع من تعميم التجربة لأخذ العبر والدروس، بل لذلك ضربها الله مثلا يبقى على مر العصور، كقريةٍ أيا كانت.

* ولكن إن كان مصدر الرزق خارجيا بالمعنى الحرفي، أي إمدادا من خارج دائرة الإنتاج المحلي، فهذه هي صفة الدولة الريعية بالمصطلح الاقتصادي الحديث، إذ تُّعرف بتلك التي تحصل على دخلها من مصدر خارجي، أي ذلك الذي يتخطى دائرة الإنتاج المحلي، كأن تكون مداخيل بيع في الخارج لموارد طبيعية استخرجت محليا، أو إعانات أو تحويلات من الخارج، أو نحو ذلك. ويبدو أن هذا هو أقصى درجات النعم، إذا كنت لا تنتج أو ليس لديك القدرة ولا إمكانية الإنتاج، لأية أسباب كانت، كشح الموارد الطبيعية، من مياه أو أراضٍ خصبة أو طبيعة قاسية، أو غير ذلك، ولكن يهيئ لك الله أن يأتي إليك رزقك رغداً دون عناء ومشقة، فهذه من أجلّ وأتم النعم التي تستوجب الشكر، وهذه من سمات الاقتصادات الريعية، كما هو حال مكة قبل الإسلام، وكما هو حال الدول الريعية اليوم، وهذا أوجب لشكر النعم، ومكة كانت لا تنتج غذاءها ولا تنتج شيئا، ولكن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا)، وهنا الأمن أتى قبل، والرزق بعده خاص من عند الله، وهو حال مشابه لحال الدول التي لا تكاد نتنج شيئا، ولكنها تستخرج النفط  والثروات المعدنية وتبيعها في الخارج، وتستورد في المقابل كل ما تحتاج إليه (من سلع استهلاكية، ورأسمالية، وعمالة من الخارج)، ويأتيها كل شيء من شتى بقاع الأرض، وهي لا شك أنها تنعم قبل ذلك بالأمن والاستقرار في بحر متلاطم حولها بعدم الاستقرار، ولو تغير شيء من ذلك، لربما تغيرت الأحوال، فهذه قمم من النعم تستوجب الحمد والشكر، والعمل الجاد على المحافظة عليها.

.6  وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا  فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا  وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ  – القصص (58)

* البطر هو التكبر، والتكبر طغيان، والطغيان هو تجاوز الحد. والبطر بالشيء هو الطغيان به، والبطر بالمعيشة أو بالنعمة هو التكبر والطغيان بها، أي تجاوز الحد المسموح به من المنعم بها، وهذا في حد ذاته يستوجب زوالها، لأن فيه إنكارا للنعمة والمنعم، نتيجته وضع النعمة في غير ما جعلت له، وهذا قد يحتمل عدة أوجه ودرجات، من الاستخفاف بها (ويدخل فيه الهدر والتبذير)، إلى استخدامها في معصية المنعم، إلى محاربته بها، وهذا قمة الجحود والطغيان، وهذه جميعا مؤداها إلى زوال النعمة، وقد ينتهي الأمر بالهلاك، والسبب المبدأي في ذلك كله هو الجحود، أي «كفر» النعمة.

والكفر هو الإنكار أو عدم الاعتراف الذي يترتب عليه المعصية وعدم الطاعة، وهو عكس شكر النعمة الذي يستوجب أولا، الاعتراف بها للمنعم، ثم طاعته فيما أنعم، أي اتباع الوصفة أو التعليمات أو الإرشادات المصاحبة التي وضعها المنعم لكيفية التعامل مع نعمته، إن صح القول، ومقابلتها بالشكر والعرفان. وبطر المعيشة استخفافاً بها، غروراً وكبراً وطغياناً، هو جحود وكفر للنعمة يستوجب زوالها. والمعيشة قد تحتمل الحد الأدنى لما يبقي على الحياة، فكيف يكون بطرانها؟ والكبر يعني بالضرورة الإنكار، فالمتكبر إنما ينسب ما أوتي لنفسه ولفضله، قصداً أو نسياً، ولا يعترف به لمن أنعم به عليه، قولاً أو عملاً، وهذا يعني العصيان والتمرد على المنعم، وهو لو تواضع وتذكر لما تكبر، بما لا يرضي المنعم، ولكن المال والغنى يعميانه وينسيانه، كما قال قارون إنما أوتيته على علم عندي، فنسب الفضل لنفسه وأنكره على المتفضل، وكان ذلك سبباً في هلاكه. إذن فبطر المعيشة أو النعمة هو كفرها. فالمسألة مرة أخرى ودائما تدور حول الكفر.

* من هم المترفون؟

7.  فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ  وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ- هود (116)

وهنا الترف مرة أخرى، هو السبب المسيطر والعامل المهيمن في الهلاك عبر العصور والأمم السابقة، فقط أقلية كانوا هم المصلحون الذين ينهون عن الفساد في الأرض، أما الأغلبية الساحقة عبر القرون السابقة، فقد أغوتهم حياة الترف والدعة، وانغمسوا في الشهوات، والملذات، واتهمهم القرآن بالظلم، والإجرام.

 8. وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ – الأنعام (123)

وهنا الوصف أشمل، فلم يصفهم بالكفر، ولكنهم مجرمون، وهؤلاء عادةً هم الطبقة المتمكنة التي تتحكم في المجتمع وتقوده، وهي التي تحارب الأنبياء والمصلحين، ككفار قريش وغيرها من الأمم السابقة. وهي الطبقة التي تتصدى لمحاولات التغير والإصلاح في المجتمع، كالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى، كالثورات التي تؤدي إلى تحولات كبرى، لأنها تؤدي إلى تغيير الأوضاع السائدة لغير صالح هذه الطبقة المتمكنة، وبالتالي هي ترى فيها تهديدا لوضعها الاقتصادي والسياسي، وستحاربها بكل ما أوتيت من قوة من أجل تعزيز الأوضاع السائدة وتثبيتها لأطول أمد ممكن لأنها مستفيدة منها. هذه الفئة موجودة اليوم في كل مجتمع، وهي تقاوم الإصلاح والتغيير، وتحاول تثبيت الأوضاع القائمة خشية فقدان وضعها ومكانتها الاقتصادية والسياسية، وتقود الثورات المضادة للإصلاح والتغيير في المجتمع بعد إزاحتها، وفي هذه الحالة لا تستقر أمور الإصلاح في المجتمع إلا بالتخلص من قادتها وقطع رؤوس الأفاعي التي تقودها، وهي تتقاطع بطبيعة الحال مع المترفين، كما رأينا من الآيات السابقة.

 

اقرأ المزيد

نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 3 - 3 نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 3 - 3

التوسع الاقتصادي والعمراني على حساب البيئة أواصل في هذا الجزء الثالث من المقال حول حماية البيئة البرية، حديثي... اقرأ المزيد

1956

| 11 مايو 2023

نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 2 - 3 نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية 2 - 3

أهمية التثقيف وتعزيز القوانين والرقابة البيئية سأتناول في هذا الجزء من مقالي حول حماية وتنمية البيئة البرية، ثلاثة... اقرأ المزيد

1194

| 10 مايو 2023

نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية (1 - 3) نحو سياسات بيئية وقائية لحماية البيئة البرية القطرية (1 - 3)

رياض قطر.. مرابع الأجداد والارتباط الوجداني مع نهاية موسم التخييم والربيع لهذا العام، أعد هذه المراجعة التي أتناول... اقرأ المزيد

2187

| 08 مايو 2023

مساحة إعلانية