رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحكي مسيرة الطالب الهمام سعيد بن همام قصة من قصص التميز التقليدي في البيئة العربية التي يتكرر فيها ظهور الأشخاص الذين ينجحون فقط لكونهم ملتزمين بمعايير التفوق الدراسي فقط.
الطالب همام سعيد هو أحد الطلاب المثاليين الذين يعزفون على وتر التفوق الدراسي كل عام.
لم يكن يعرف في حياته سوى الكتاب المدرسي والواجبات الدراسية
ولأن النجاح في مدارسنا قائم أساسا على جمع الدرجات (نظام تحصيلي) فإن الطالب الهمام سعيد بن همام لم يكن لديه أدنى شك في أن إمكاناته الذاتية سوف توصله لتحقيق جميع أهدافه.
تخرج من الثانوية بنسبة عالية وفي الجامعة تخصص في كلية الآداب قسم اللغة العربية واختار النحو وحقق تفوقا علميا وتخرج بامتياز مع مرتبة الشرف.
أراد أن يكمل مسيرته التعليمية فالتحق ببرنامج للماجيستير ثم الدكتوراة.
وكعادته حقق التفوق، واستطاع أن يحظى بوظيفة أستاذ جامعي.
حدثته نفسه المزهوة دائمة بانتصاراتها أن باب النجاح قد فتح أمامه على مصراعيه وأن الأوان قد آن لكي يستريح بعد تلك السنوات الطويلة في المذاكرة والحفظ والمراجعة.
قال لنفسه مزهوا بانتصاراتها الكبرى في مجال الكتب المنهجية وماذا تريدين أكثر من ذلك؟!
راتب كبير وفيلا فارهة على حساب الجامعة مع سيارة أحدث موديل وموقع وظيفي ممتاز.
ها هي أحلامي كلها تحققت مرة واحدة، صحيح تعبت في مسيرتي الدراسية لكن ها أنذا أقطف ثمار التعب!
أخذ الأستاذ الجامعي همام بن سعيد نفسا عميقا وقرر أن الأوان قد آن لكي يحظى بالراحة بعد سنوات التعب.
ولأن أمنياته توقفت أمام هذه المرحلة التي عدها تتويجا لمسيرة صعبة فلقد كانت محاضراته عادية جدا.
كان يلقي محاضراته بشكل عادي وكان ملتزما بالمنهج الجامعي لا يكاد يضرب مثلا واحدا خارج المنهاج لطلابه.
بالمسطرة والقلم كان يمكن تتبع كلماته التي يلقيها في محاضراته.
بالمسطرة والقلم كان يمكن تتبع عباراته التي كانت نسخة منطوقة لكل كلمة مكتوبة بالمقرر الدراسي.
وقف أحد الطلاب يوما وقال: دكتور سعيد بإمكاننا أن نقرأ في بيوتنا ما هو موجود في المنهاج نريد منك أن تثرينا من خبراتك وأن تمنحنا فرصا لنتعلم من شخصك الكريم، الجامعة ليست مكانا لتدريس المقررات فقط هي مكان لصناعة الإنسان وإشباع نهمه ليعرف أكثر عن الحياة.
كانت هذه الكلمات بمثابة الخنجر الذي طعن خلايا التفكير في عقل الدكتور همام بن سعيد. ماذا يقول هذا الطالب المتحمس، وكيف يجرؤ أن يطلب منه هذه المطالب التافهة التي لا علاقة لها بالمقرر الدراسي؟!
تجمد الدكتور همام للحظات خاطفة في مكانه ثم استجمع شجاعته وبصوت واضح تردد صداه في القاعة الكبيرة قال:
يا لك من طالب جاحد لا يقدر نعمة التحاقه بجامعة. أنت طالب لا تعرف قدر المكان الذي أنت فيه، وظيفتك الوحيدة في هذا المكان العظيم أن تبذل جهدا مضنيا لنيل أعلى الدرجات الدراسية ولا شيئ غير ذلك.
الطالب: لكن بإمكاني أن أحقق الدرجات العلمية المرتفعة وأستفيد من خبرات أساتذتي في تكوين رؤى أكبر عن الحياة، أريد أن أتعلم من خبرات الاساتذة ومواقفهم تجاه ما يدور حولنا في الحياة.
د. همام: وهل الحياة سوى جد وتحصيل لنيل أعلى الدرجات العلمية وأكبر الشهادات الدراسية؟
الطالب: وما قيمة الشهادات إذا كان صاحبها لا يملك رأيا محددا لما يجري حوله في الحياة، الجامعة يجب أن تكون مكانا لإعداد الطلاب للحياة الحقيقية، وليس فقط مؤسسة لإعطاء شهادة بكالوريوس في أحد المجالات العلمية.
د. همام: لقد بدأت أفقد صبري معك، إذا لم تصمت فسوف أضطر لطردك.
الطالب: سأصمت في مادتك فقط لكنني سأبحث عن مدرسين آخرين يرون أن من واجبهم توسيع آفاق الطلاب.
د. همام: أيها الطالب المشاكس، اخرج من القاعة فورا، لا أريدك هنا.
خرج الطالب مغضبا واتجه لمكتب رئيس قسم اللغة العربية.
طرق الباب واستأذن بالدخول وأذن له، بعد أن ألقى التحية قال: يا دكتور جابر لدي شكوى وأريد أن أعرضها عليك.
الدكتور جابر: هيا تقدم بشكواك.
الطالب: طردني الدكتور همام سعيد لأنني طالبته كسر إطار الجمود في محاضراته وأن يناقشنا في القضايا الكبرى التي تدور خارج أسوار الجامعة.
الدكتور: ما كان جوابه؟
الطالب: لقد طردني، وقال إن الجامعة مكان لتحصيل الدرجات العلمية، وليس أكثر من ذلك.
الدكتور جابر: ما اسمك يا بني
الطالب: عبدالله حامد
الدكتور جابر: لا تنتظر من الدكتور همام أكثر من ذلك، لقد عاش عمره بين كتب المدرسة وكل كتاب حر كان يعتبره عدوه اللدود، لا تنتظر منه شيئا غير شرح المقررات الجامعية.
الطالب: لكن نحن الطلاب نحتاج لخبراتكم أيها الاساتذة، الجامعة مكان لتخريج الرجال وليس فقط لتخريج حملة الشهادت الجامعية.
الدكتور جابر: كم أنا فخور بك يا بني أريدك أن تعمل معي في تحرير مجلة اللغة العربية التي يصدرها القسم وهناك صفحات للرأي أريد أن تحررها بمعرفتك؟ فما رأيك؟
الطالب: هذا شرف لي
الدكتور جابر: بل شرف لي أنا يا بني، شرف لي أن يطرق باب مكتبي طالب يتكلم بمثل هذا الثبات والشجاعة الادبية والقوة في طرح رأيه الصائب والعميق.
الطالب: إذن أنا لم أخطئ بحق الدكتور همام سعيد كي استحق الطرد؟!
الدكتور جابر: لا يا بني أنت لم تخطئ أبدا، بعد نهاية المحاضرة سأتحدث مع الدكتور همام وأطلب منه أن يسمح لك بحضور محاضراته، لكن لدي طلب.
الطالب: تفضل
الدكتور جابر: لا تطلب من أحد القيام بدور خارج دوره الذي حدده لنفسه مبكرا، الدكتور همام سعيد دوره معكم لن يتعدى المقرر الدراسي، هذه دائرة الأمان والنجاح بالنسبة له هو لا يريد مغادرة هذه الدائرة ابدا.
الطالب: فهمت قصدك، حتى لا يضطرني مرة ثانية على أن اصمت وأضع رأسي في المقرر الدراسي.
الدكتور جابر: معه فقط لأنه اختار ان يعيش بين المقررات الدراسية.
ليس كل الناس يقبلون العيش منغلقين ومنسحبين من الحياة دون مشاركة واضحة وتفاعل حقيقي معها.
الطالب: سوف أكتب عن الحياة الحقيقية وليس الحياة المتجمدة في حروف لا يريد قارئها أن يربطها بالحياة.
الدكتور جابر: بوركت بوركت أيها الطالب الحر، هكذا فلتكن أهداف طلابنا محلقة نحو القمم، وليس مرسومة بالمسطرة والقلم.
هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟
نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى... اقرأ المزيد
27
| 16 يناير 2026
السيكودراما وذوو الإعاقة
السيكودراما (Psychodrama) هي طريقة علاجية جماعية تعتمد على التمثيل الإيجابي والتجسيد الدورى للمشاهد الداخلية والعلاقات بين الناس. اخترعها... اقرأ المزيد
12
| 16 يناير 2026
خطورة التربية غير الصحية
هناك فرق كبير بين التركيز على الجهد وليس النتيجة في التربية وتلبية الاحتياجات الأساسية وليس كل الرغبات والرفاهيات... اقرأ المزيد
15
| 16 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1482
| 14 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
816
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
813
| 13 يناير 2026