رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طرحت الجامعة العربية هذا الأسبوع مبادرة لتسوية الأزمة السورية ووضع حد للعنف هناك، وذلك من خلال حث الرئيس السوري بشار الأسد على التنحي، و "تفويض صلاحياته إلى نائبه لتسهيل مهمة تشكيل حكومة وحدة وطنية". وقالت الجامعة أيضا إنها سوف تتوجه إلى مجلس الأمن، وألمحت إلى إمكانية فرض مزيد من العقوبات على سوريا.
وجاء الرد السوري برفض مبادرة الجامعة العربية واعتبروا أنها "تشكل تهديداً لسيادتها الوطنية، وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية وانتهاكاً صريحاً للأهداف التي أنشئت من أجلها جامعة الدول العربية، وخرقاً واضحاً للمادة الثامنة من ميثاقها".
ومن ناحية أخرى، أكد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أن الخطة السورية " "تشابه نوعا ما المبادرة الخليجية في اليمن"، والتي نتج عنها موافقة علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية على التنحي.
وهذا التشابه يشير إلى أن مبادرة جامعة الدول العربية بشأن سوريا قد تمت بقرار ودعم من المملكة العربية السعودية التي ألقت بكامل ثقلها في هذه المبادرة، وهي شبيهة بالمبادرة الخليجية الخاصة بالوضع في اليمن، في حين انسحبت قطر من المبادرة الخليجية. كذلك تلك الحقيقة المؤكدة بأن جميع الدول العربية باستثناء لبنان، والجزائر التي أبدت تحفظاً على أحد بنود المبادرة والمتمثل في إبلاغ مجلس الأمن لدعم الخطة العربية مما جعل سوريا تكيل الاتهامات للمملكة العربية السعودية بأنها قد مارست ضغوطا على الدول العربية. وعلاوة على ذلك، فإن العراق الذي اعتاد على الامتناع عن التصويت بشأن كل التوصيات السابقة الخاصة بالأزمة السورية، قد غيّر من موقفه وسياسته القديمة ووافق كذلك على مبادرة الجامعة العربية. ومع ذلك، فإن الوضع في سوريا يختلف اختلافا شاسعا عن ذلك الذي باليمن.
فمن جانب، فقد رفض الرئيس السوري الخطة بينما وافق عليها الرئيس اليمني، أحد أسباب ذلك هو أن الرئيس علي عبدالله صالح لم يكن يتمتع بدعم دولي قوي في حين أن سوريا تحظى بدعم كل من إيران وروسيا، كما أن الرئيس اليمني كان قد خسر دعم حميد الأحمر، الشخصية ذات النفوذ السياسي المؤثر، وذلك مع بداية انتفاضة الربيع العربي في البلاد.
أضف إلى ذلك الضغط المستمر من جانب المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، بجانب محاولة الاغتيال التي تعرض لها والتي أصيب على إثرها بجروح خطيرة في انفجار القنبلة التي زرعت في المسجد الرئاسي، تعتبر من الأسباب التي جعلت علي عبدالله صالح يضطر لقبول شروط المبادرة الخليجية، فهو لم يكن لديه خيار آخر خاصة بعد محاولة اغتياله تلك والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من النجاح.
أما ما يحدث في سوريا فهو مختلف، فحتى هذه اللحظة، ما زال القمع العنيف ضد المتظاهرين هناك مستمر، رغم وجود مراقبي الجامعة العربية.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب بشأن سوريا هذا الأسبوع، أن المملكة قد قامت بسحب مراقبيها من بعثة المراقبين العرب "لعدم تنفيذ الحكومة السورية لأي من عناصر خطة الحل العربي التي تهدف أساساً لحقن الدماء الغالية علينا جميعاً".
ورغم الاحتجاجات في سوريا، إلا أن الرئيس الأسد ما زال يتمتع بدعم شعبي وسند داخلي، كما أن شقيقه ماهر الأسد ما زال يحظى بسيطرته ونفوذه على الجيش السوري.
وقد ذكرنا في مقالاتنا السابقة بأن الوضع في سوريا ذاهب إلى مفترق طريق، وحتى اللحظة لا أحد يعلم في أي اتجاه ستمضي الأوضاع، فالاحتمال الأول هو أن يتنحى الرئيس الأسد ويقوم بالتالي بتسليم السلطة إلى حكومة وحدة وطنية، أو أن يعاند ويبقى في السلطة فتشتعل حرباً أهلية بين مختلف المجموعات.
أوضح معالي الشيخ حمد بن جاسم أن الاقتراح السابق من قِبل صاحب السمو أمير البلاد المفدى لإرسال قوات حفظ سلام، إنما هو نتيجة لأعمال العنف التي تشهدها سوريا بسبب الاستخدام المفرط والطويل الأمد للقوة من قبل قوات النظام السوري، والذي أجبر جزءا من الشعب على حمل السلاح والمواجهة من أجل الدفاع عن أنفسهم.
وأضاف معالي رئيس الوزراء: "أنا أعلم أن هذه فكرة متقدمة لأنها ستكون هي المرة الأولى التي تقوم فيها الجامعة العربية بإرسال قوة لحفظ السلام إلى بلد عربي". وأشار أيضا إلى نموذج قوات الردع العربية التي تم إرسالها إلى لبنان خلال الحرب الأهلية.
فإذا اتخذ النظام السوري قراره بالذهاب إلى حرب أهلية، فإن الحكومة السورية سوف تضعف وسيكون وضعها مماثلا لما حدث في لبنان عام 1976، عندما قامت الدول العربية بإنشاء قوات تدخل سريع سُميَّت بقوات الردع العربية، التي تألفت آنذاك من قوات من سوريا والسعودية والسودان والإمارات وليبيا، بناء على طلب من الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية، بسبب تصاعد الحرب الأهلية في البلاد وقتها، ولكن المعادلة مختلفة في سوريا.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك لمعالي الشيخ حمد بن جاسم، والدكتور نبيل العربي، قام مراسل لمحطة تليفزيون "سوريا الغد" بتوجيه سؤال لمعالي الشيخ حمد بن جاسم قائلاً: "إن الشعب السوري قالها بوضوح إنه يريد إعدام الرئيس ويريد إسقاط النظام..".
فقام الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي بمقاطعته ساخراً: "حسنا، اذهب واعدمه" في حين أن معالي رئيس الوزراء قاطعه قائلاً: "ومن الذي يمنعكم من إسقاط النظام؟".
كل هذه التعليقات تشير فيما يبدو إلى أن الوضع في سوريا على حافة حرب أهلية، وأن العنف سوف يستمر، وأن مختلف الفصائل السورية ستتقاتل للتنافس على السلطة في البلاد.
ومن أجل منع حدوث ذلك، ينبغي للبلدان التي تدعم سوريا، مثل إيران وروسيا، أن تمارس مزيداً من الضغط على الرئيس الأسد للتنحي لتجنب حرب أهلية دامية.
وبخصوص موقف كل من إيران وروسيا بخصوص الأزمة في سوريا، دعا معالي رئيس مجلس وزراء قطر، روسيا لتبني الحل العربي للأزمة السورية، وقال مشيراً إلى أن موسكو كانت قد طلبت في وقت سابق حلاً عربياً للأزمة: "أن قرارات روسيا محترمة وهي تعلم أنها طلبت تدخلا عربيا"، وتمنى كذلك أن تتماشى رغبات روسيا مع رغبات العالم العربي. كما دعا إيران إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن سوريا قائلاً: "يربطنا بإيران تاريخ وعلاقات"، وتمنى أن يكون تدخلها لمصلحة الشعب السوري.
فلذلك ينبغي على الأسد التفكير في مبادرة الجامعة العربية والنظر إليها بعين الاعتبار، فهذه المبادرة ربما تكون طريقه الوحيد للخروج من هذا الوضع المزري والمتدهور، ليس فقط بالنسبة له هو أو لأسرته - التي ستفقد الكثير إذا ما ذهب الاتجاه في سوريا نحو حرب أهلية - ولكن من أجل المواطنين السوريين الذين سيعانون كثيراً، ولا شك أن قيام حرب أهلية سيتسبب في انتكاسة كبيرة بالنسبة لاقتصاد البلاد الذي ربما يستغرق وقتا طويلا لكي يتعافى.
نأمل ألا يأتي ذلك اليوم الذي تعقد فيه جامعة الدول العربية اجتماعا آخر لإرسال قوات الردع العربية إلى سوريا بسبب الحرب الأهلية، يجب على الأسد أن يقبل بمبادرة الجامعة العربية وأن يتنحّى لمصلحة بلده وشعبه.
رئيس تحرير جريدة البننسولا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4284
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2634
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1635
| 29 مايو 2026