رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نجحت الموارد غير التقليدية للنفط والغاز في إحداث تحولات كبيرة في قطاع صناعة الطاقة خلال السنوات العشر الماضية، ومن خلال تقنيات التكسير الهيدروليكي وتقنيات الحفر الأفقي شهد الصناعة طفرة غير مسبوقة في الطريقة التي يتم من خلالها استخراج النفط والغاز من تلك التشكيلات والتكوينات الجيولوجية التي كانت وحتى سنوات قليلة ماضية تعتبر ذات أهمية إنتاجية متدنية، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الفرص الكبيرة المتاحة يرافقها بروز تحديات جديدة ينبغي مواجهتها والتصدي لها.
يكمن التحدي الأساسي في تقديرنا بموضوع إدارة حلول المياه، من أين نحصل عليه وكيف نستخدمه وكيف نتخلص منه بالشكل الآمن، كما يتزايد الاهتمام حالياً بكيفية إعادة تدويره وإعادة استخدامه، ونستطيع القول بأن الحصول على الماء وحسن إدارته بطريقة مُستدامة وعلى نحو يتسم بالكفاءة الاقتصادية يُعد أمراً بالغ الحيوية ولا مناص من التطرق إليه ومعالجته، خاصة وأن التطورات التكنولوجية في مجال التكسير الهيدروليكي تتم بسرعة مذهلة ولا بد أن تواكبها التطورات والإبداعات في مجال إدارة حلول المياه.
تتطلب عملية التكسير الهيدروليكي توفير مزيج من الماء والرمل وبعض المواد المُضافة، ويتم حقن هذا المزيج تحت ضغط عال في التشكيلات الصخرية الكتيمة غير النافذة، وذلك من أجل تحرير كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي، وتبلغ كمية الخليط اللازمة لإحداث التكسير الهيدروليكي في بئر أفقية نظامية واحدة حوالي 2 – 5 ملايين جالون، أي ما يقدر ما بين خمسين ألفاً إلى مائة وعشرين ألف برميل.
إن توفير الماء اللازم لهذه العملية يمكن أن يكون من أصعب التحديات التي يجب التصدي لها وخاصة في المناطق التي تشهد نقصا في توفر موارد المياه الطبيعية، خاصة وأن عملية التكسير بذاتها تحتاج لهذه الكميات خلال فترة قصيرة حيث تستغرق عملية التكسير عدة أيام محدودة لإتمام تجهيز البئر بما يتيح له الاستمرار في الإنتاج لعدة سنوات تالية.
تبذل الشركات المعنية جهوداً متواصلة من أجل التطرق لمعالجة التحديات المتعلقة بالجوانب البيئية لعمليات نقل المياه وعمليات التخلص من المياه المستخدمة، وتشهد الصناعة المزيد من التركيز على نشاطات الاستخدام المستدام للماء وعلى البراعة البيئية في معالجته بالإضافة إلى تشديد الاشتراطات الخاصة باستخدام الأراضي، وكل هذه الاعتبارات تقود الجهود لإحداث التغييرات المطلوبة في ممارسات إدارة حلول المياه.
تبلغ نسبة الخليط المستخدم في التكسير الهيدروليكي التي تعود إلى السطح في شكل الماء المُستخرج من الحقل ما بين 10 إلى 80 بالمائة بحسب المنطقة، ولهذا فإن البدائل المتوفرة لعملية إدارة هذه الكميات من المياه تتراوح ما بين التخزين المؤقت في خزانات صنعية أو في الحفر الهندسية المخصصة وكذلك الحقن ضمن آبار مخصصة للماء المنصرف، ووصولا إلى عمليات إعادة التدوير وإعادة الاستخدام في الموقع بذاته، وهذا يعني أن مجال العمليات ذات الصلة بهذا النشاط يعتبر مجالاً واسعاً وأن التحديات المرتبطة بحُسن إدارة المياه تعتبر تحديات عظيمة لا يُستهان بها.
تسعى عمليات التكسير الهيدروليكي بكل ما أوتيت من قوة من أجل الوصول إلى إعادة استخدام المياه كلما كان ذلك ممكناً من الناحية الفنية والتقنية وأيضاً مجدياً من الناحية الاقتصادية، والفوائد التي يمكن أن تجنيها من ذلك واضحة ومتعددة لا جدال في ذلك، من حيث إن إعادة استخدام المياه تعني تقليل الاعتماد على موارد المياه العذبة وتقليل متطلبات التخزين السطحي وأيضاً التوفير في تكاليف النقل وعدد مرات استخدام الطريق وبنهاية المطاف تقليل كميه المياه العادمة التي ينبغي حقنها في الآبار الجوفية المخصصة.
وتجدر الإشارة في هذا المُقام إلى أن التجارب المبدئية في الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت بالوصول إلى نسبة 100% في إعادة استخدام الماء المُستخرج من عمليات التكسير الهيدروليكي، مع ضرورة التذكير بوجود عوامل محلية أو إقليمية تؤثر في نوعية الماء المُستخرج وتركيبته الكيميائية بما قد يمنع أو يحد بقدر كبير من نجاح عملية إعادة التدوير والاستخدام، وتشمل لائحة التحديات الخاصة بهذه العملية كلا من الاعتبارات التالية: مدى توافقية سائل خليط التكسير الهيدروليكي المستخدم، الجدوى الاقتصادية والبيئية لعملية المعالجة وما يتصل بها من تداخلات مثل استهلاك الطاقة اللازمة لعملية التدوير والتحكم في المنصرفات الناتجة والمتولدة منها.
تتطلب عملية الاستثمار في تطوير وتنفيذ برنامج مجد اقتصاديا لتدوير وإعادة استخدام المياه تضافر الجهود من قبل المهندسين والفنيين وخبراء تنفيذ العمليات، وقد وجدت الشركات العاملة في هذا المجال أن توحيد الجهود ضمن عملية متكاملة الأطراف يعتبر أساساً جيداً نحو تكوين إستراتيجية فعالة لإدارة حلول المياه بحيث تتضمن الدورة الكاملة للماء بدءاً من توفير الماء، ونقله وتخزينه وإعادة إستخدامه ووصولا إلى مراحل التخلص منه.
تتوفر حالياً مجموعة من البدائل والخيارات الخاصة بنشاطات إعادة التدوير وهي تتنوع بحسب التكوين الكيميائي والفيزيائي للماء المُستخرج، وتعمل الشركات جاهدة لبيان ما إذا ما كان الماء قابلاً لإعادة التدوير وما هي الطريقة الأمثل لتحقيق ذلك من خلال التقنيات المختلفة المتوفرة، حيث إن الماء المُستخرج يمكن إعادة استخدامه بدون معالجة في حال إذا ما كان تركيبه الكيميائي والفيزيائي متوافقاً مع الخليط المستخدم بالتكسير الهيدروليكي، ومن ناحية أخرى تدرس بعض الشركات إمكانية استخدام ماء معتدل الملوحة بدلاً من الماء العذب في عمليات تحفيز الآبار للإنتاج.
وبالنسبة للمواقع الإنتاجية الكبيرة يمكن اللجوء إلى توفير محطات مركزية لمعالجة المياه متصلة من خلال شبكة أنابيب مع رؤوس الآبار، ويمكن للنظام المركزي تحديد الماء المنصرف الناتج من كل من الآبار ويقوم بمعالجته وإعادته إلى البئر بحيث يكون ملائماً لمتطلبات العمليات الخاصة بذات البئر.
وتدل التجارب على أن جهود إدارة المياه الخاصة بالنفط الصخري يمكن أن تكون مفيدة بيئياً ومجدية اقتصاديا في نفس الوقت، ويروج عدد من صانعي وموردي هذه التقنيات إلى مكاسب مزودة تتحقق من خلال دمج أنظمة معالجة تحقق الاستدامة والكفاءة الاقتصادية معاً. ولابد من الإشارة إلى أن التحديات المرتبطة بإدارة حلول المياه عادة ما تكون خاصة ومتفردة بما يناسب موقع جيولوجي خاص وآبار معينة، وأن الحلول التي قد تصلح في ظروف حقل ما، قد لا تصلح في ظروف حقل آخر، وفي نهاية المطاف سوف تكون عمليات التكسير الخالية من الماء هي الملاذ الأخير وذلك عندما تتطور التقنيات الخاصة بها لتصبح مجدية فنياً ومنخفضة التكلفة.
وختاما،، نستطيع القول إن التكاليف المرتبطة بنظام إدارة حلول المياه سوف تكون العامل الاقتصادي المهيمن فيما يخص نشاطات استخراط النفط والغاز الصخري وذلك لعدة سنوات مقبلة، وبخاصة إذا ما بقيت أسعار النفط الخام منخفضة عند مستوياتها الراهنة، وهنا تبرز أهمية وجود مقاربة منهجية متكاملة تشمل تعزيز فريق إدارة حلول المياه بخبرات من مهندسي موارد المياه ومهندسي عمليات معالجتها إضافة إلى الجيولوجيين وخبراء جيولوجيا المياه والمختصين في الاستدامة المائية بحيث يتم التعرف على خطوات لتخفيض الكلفة ورفع الكفاءة التشغيلية وتطوير منهجية في إدارة المياه تأخذ بعين الاعتبار توفر موارد المياه محلياً، والضغوط المحتملة على استخدامها، وتوفر بدائل مثل استعمال المياه المعتدلة الملوحة وإعادة تدوير وإعادة استخدام الماء المُستخرج من الحقول.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026