رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جديع بن خالد القرفي الهاجري

مساحة إعلانية

مقالات

36

جديع بن خالد القرفي الهاجري

في بيوتنا كهوف

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

من أقسى ما يشعر به الأب أو الأم أن يكون الأبناء تحت السقف نفسه، لكنهم بعيدون عنهم.

يدخل الابن إلى البيت، يسلّم على والده، وربما يقف معه دقائق، ثم يتجه إلى غرفته ويغلق الباب. وتدخل البنت، تسأل أمها إن كانت تحتاج شيئًا، ثم تعود إلى غرفتها. لا خصام، ولا قطيعة، ولا كلمة جارحة؛ لكن اللقاء أصبح عابرًا، والكلام قليلًا، والمسافة بين أفراد الأسرة تكبر بهدوء.

يجلس الأب في مجلسه بعد يوم طويل، وينتظر أن يدخل ابنه ويجلس معه. لا يريد منه مالًا ولا خدمة، ولا يريد أن يفتش في حياته أو يحاسبه. يريد فقط أن يسمع صوته، وأن يعرف ما يشغله، وأن يشعر أن ابنه ما زال قريبًا منه.

وفي مجتمعنا القطري، الذي يجمع بين الطابع البدوي والحضري، قد تتنوع اللهجات وتتغير تفاصيل الحياة، لكن القيم التي تربينا عليها واحدة: الدين، وبر الوالدين، واحترام الكبير، وصلة الرحم، والكرم، والنخوة، والوقوف مع الأهل.

في بيوت آبائنا وأجدادنا، كان الابن قريبًا من والده؛ يرافقه، ويعينه، ويتعلم منه كيف يفهم الحياة ويتعامل مع الناس. وكانت البنت قريبة من أمها؛ تساعدها، وتتعلم منها، وتجد عندها الأمان والكلمة الطيبة.

ولم يكن المجلس مكانًا للضيافة فقط. كان مكانًا يتعلم فيه الأبناء ما لا تعطيه الكتب: كيف يُحترم الكبير، وكيف يُستقبل الضيف، وكيف تُحفظ الكلمة، وكيف يقف الإنسان مع أهله وقت الحاجة. يسمعون قصة من الأب أو الجد، أو قصيدة فيها حكمة، فتترك فيهم أثرًا لا ينسى. فكانت كما يقال "المجالس مدارس".

كانت البيوت أصغر؛ غرف قليلة، ومجلس ومطبخ. لكنها كانت أوسع بأهلها، وبقربهم من بعض، وبرحابة صدورهم. أما اليوم، فقد اتسعت البيوت وكثرت الغرف، وصارت فسيحة ومريحة، لكن بعض البيوت ضاقت بأهلها. لكل واحد غرفة، وشاشة، وهاتف، وعالم خاص لا يدخله أبوه ولا أمه.

حتى المائدة التي كانت تجمع أهل البيت بدأت تختفي. كان الطعام قليلًا أحيانًا، والصحن صغيرًا، لكن الجميع يأكلون معًا، ويتحدثون ويضحكون، وتبقى بركة الاجتماع في البيت. أما اليوم، فيطلب بعض الأبناء طعامهم إلى غرفهم، أو يأخذ أحدهم طعامه من المطبخ ثم يعود ويغلق بابه. وقد يجتمع بعض أهل البيت على غداء الجمعة أو في مناسبة، لكن اجتماعهم اليومي على المائدة أصبح نادرًا.

وقد قال النبي ﷺ: «فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه». رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد.

ولا ألوم الأبناء وحدهم. فالحياة تغيرت، والأب مشغول بعمله، والأم مثقلة بمسؤولياتها، والأبناء يعيشون ضغوط الدراسة والعمل والأجهزة والعالم المفتوح. لكن علينا أن نعترف بأن شيئًا مهمًا بدأ يضيع: الجلسة العائلية، والكلمة الصادقة، ووجود الابن أو البنت إلى جانب والديهما.

الغرفة ليست خطأ، والخصوصية حق. لكنها تصبح كهفًا حين تعزل الابن أو البنت عن أهلهما، وحين يصبح الهاتف أقرب من الأب والأم، وحين يمر يوم الجمعة أو السبت فلا يرى الوالدان أبناءهما إلا دقائق.

الوالدان لا يحتاجان أبناءهما عند المرض أو الكبر فقط. يحتاجونهم الآن؛ في جلسة صادقة، وفي سؤال بسيط، وفي وجبة تجمعهم، وفي وجود يشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم داخل بيوتهم.

وفي يوم من الأيام، سيجلس هذا الابن في مجلسه وينتظر ابنه. عندها سيعرف أن والده لم يكن يريد منه شيئًا كبيرًا؛ كان يريد فقط أن يبقى قليلًا.

مساحة إعلانية