رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصدر الفكرة هو العقل، إنما طريقة بروزها إلى النور فهي العاطفة، ولكي تؤثّر في الرأي الآخر عليك أولاً بإثارة عواطفه، ومن ثَمّ تخاطب عقله، وبهذه الطريقة تضمن استحكامك وتأثيرك في الرأي الآخر، لذلك قال أرسطو: «لكي يكون الإقناع مؤثراً يجب توافر ثلاثة عناصر: «الثقة، المنطق، العاطفة». الرأي العام هو ظاهرة إنسانية قديمة جداً تمتد بامتداد الزمن الإنساني، لكن الإنسان بدأ يتلمس طريقه في الإمساك بمدلولاته، بشكل أكثر حكمة، مع أواخر القرن الثامن عشر، مع انتشار ظاهرة النمو السكاني السريع والعيش في المدن الكبرى التي أخذت فيها العلاقات الرأسمالية تتغلغل في النسيج الاجتماعي نتيجة النمو الصناعي الهائل الذي أحدثته الثورة الصناعية. ولم يكن التعبير عنه بمسماه الذي نتناوله ولكنه اقترب منه مثل «العقل العام» كما سماه مونتسكيو (1689 - 1755)، أو «الإرادة العامة» كما جاء عند جان جاك روسو (1712 - 1778)، وتشكل الثورة الفرنسية ومن ثَمَّ الثورة الأمريكية أبرز حدثين كانا قد عبرا عن دور وقوة الرأي العام، وكيف أنه يفعل المعجزات إذا ما وجد القوة الحقيقية المعبرة عنه، ومنذ ذلك الحين أصبح للرأي العام دور كبير في صناعة الحوادث وفي توجيهها، كما أصبح محل استجداء من الحكومات والأحزاب نحو شعوبها.
والواقع أن الحكومات العربية، تتعامل مع الشعوب وفق نظرية صناعة الرأي العام، فيبدأ الموضوع بصناعة حدث مهم ليكون قضية الساعة والتي تهم شريحة كبيرة من المجتمع، ثم تقوم الجهة التي هي وراء إثارة القضية بتوجيه المناقشات التي تدور حول هذا الحدث بما يخدم أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها، وحصيلة تلك المناقشات والآراء تُكون الرأي العام؛ الذي ينتج من خلال التفاعل بين الأفراد والجماعات مما يؤدي إلى رغبة الناس في إيصال آرائهم ومشاعرهم بالطريقة التي يرونها ملائمة بالنسبة لهم.
ولأن صناعة الرأي العام تقوم على مخاطبة العقل والعاطفة لدى الجمهور، تعمل الأنظمة الحاكمة وخاصةً المستبدة في الدول الإسلامية أحياناً على توجيه خطبة الجمعة؛ لأن فيها يرتبط العقل بالوجدان، والرأي العام يرتبط بهما، فالعقل يؤكد على المعلومات المتعلقة بالقضية، والوجدان يمد القضايا بالوقود النفسي اللازم لاستمرار القضية بحيث لا تنطفئ جذوتها، فعلى سبيل المثال؛ عندما سمح السلطان الصالح عماد الدين إسماعيل للصليبيين الفرنجة بشراء السلاح من أهل دمشق، خطب الشيخ العز بن عبد السلام (ت. 1262م) وأفتى بتحريم التعامل مع الصليبيين باعتبارهم محتلين، وقد كان لخطبته أثر كبير في الناس وتناقلوا حديثه، مما دعا الصالح عماد الدين إلى اعتقاله. المثير هو أن الفرنجة عندما علموا بقوة تأثير الشيخ العز بن عبد السلام قالوا لصديقهم الصالح عماد الدين إسماعيل «لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها».
ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي أُدخِلت تحسينات متطورة، ومؤثرات عديدة، وأساليب جديدة، وتقنيات حديثة، في عمليات صناعة الرأي العام أو إعادة تشكيله وفق مصالح وأهداف، إما سياسية أو عسكرية أو تجارية. وقد ساهمت التحولات التي عاشها الإعلام العربي منذ التسعينيات في التبشير بالتأثير الإيجابي للفضائيات خاصةً في الرأي العام العربي بما يخدم تغيير وإصلاح الأوضاع المزرية في المنطقة العربية ككل. واليوم نستطيع تسمية عصرنا الحاضر بعصر المؤثّرات الإعلامية؛ ذلك لأنّ الإعلام وبفضل التقنية الرقمية والإنترنت أصبح سمة من سمات العصر الحالي، وأصبح المتحكّم في العقول والعواطف، اليوم أضحى الإعلام هو القوّة المؤثّرة التي لا يقلّ تأثيرها عن الأسلحة المدمرة.
في الحقيقة لا وجود لإعلام محايد فإما أن يكون الإعلام وسيلة لتحرير وعي الجماهير وتقديم الحقائق كما هي وتعرية واقع الظلم والاستبداد، وكشف ملفات الفساد والتشهير بالفاسدين، أو أن يكون وسيلة تدجين وتعتيم للحقائق ووسيلة للتلاعب بالعقول، وتزييف وعي الأمة وإشغالها عن همومها الحقيقية بأنواع من التسلية والترفيه وصناعة الاهتمامات التافهة التي تساهم في تبديد الوقت في غير طائل في اللغو والعبث الفارغ، وتتويه العقل في عمليات خداع ومبالغات وتضخيم لقضايا ثانوية وتهوين لما يستحق التعظيم.
فالسلطات التسلطية تتفنن في خداع المجتمع وتزييف الوعي وتحويل وسائل الإعلام إلى طبول وأبواق في زفة النفاق، وإشغال الناس عن قضاياهم الحقيقية بالحديث عن المنجزات الورقية، وتضخيم بعض الانجازات، والمبالغة في الحديث عن أخطاء ثانوية، وتجاهل الكوارث الكبيرة وفق ما يسمونه بالإمساك بصغار السمك والتغاضي عن الحيتان الكبيرة. ومن مظاهر تزييف الوعي الذي تمارسه ماكينة إعلام الهيمنة؛ المبالغة في الحديث عن انجازات وهمية أو ثانوية، وإلهاء الرأي العام عن المشكلات الحقيقية والإخفاقات المتوالية للنظام في أكثر من صعيد، وتبديد ثروات الأمة في أمور لا طائل منها وتضر أكثر مما تنفع.
ولعل أبرز من وظفوا واستثمروا وسائل الإعلام في تزييف الوعي هو جوزيف غوبلز (1897 - 1945) وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر (1933 - 1945) وصاحب شعار «اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس»، فلا أحد يستطيع أن يفرض علينا أن نؤمن بما لا نريد، ولكن يستطيع وبسهولة أن يخدعنا لنؤمن بما يريد وبما يتماشى مع مصالحه، وهو يستند إلى تزييف المعلومات التي نبني عليها رؤيتنا للحياة، وبالتالي تصبح إرادتنا تابعة لمصدر هذه المعلومات الزائفة.
ومن الطرائق التي تساهم في قوة التأثير الإعلامي ما يعرف بالتأثير الكمي من خلال التكرار، وهو ما عبر عنه قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين (1870 - 1924) «تصبح الكذبة حقيقة إذا تم تكرارها بما يكفي»، حيث تقوم وسائل الإعلام بتقديم رسائل إعلامية متشابهة ومتكررة حول قضية ما أو موضوع ما أو شخصية محددة بحيث يؤدي هذا العرض التراكمي إلى التأثير على المتلقي على المدى البعيد، دون إرادة منه، شاء أم أبى، ومهما كانت قوة حصانة المتلقي ضد الرسالة الإعلامية، فيحدث هناك تسيير لا إرادي للمتلقي وتأثير شامل عليه بمعنى أن الإعلام يحاصره في كل مكان، ولهذا فإن كل تلك العوامل تؤدي إلى تقليل فرصة الفرد المتلقي في أن يكون لنفسه رأياً مستقلاً حول القضايا المثارة، وبالتالي تزداد فرصة وسائل الإعلام في تكوين الأفكار والاتجاهات المؤثرة في الرأي العام وفى سلوكيات الأفراد أنفسهم.
ومع تطور وسائل الإعلام ووجود شبكة الإنترنت، اكتسحت تلك الرسائل المقنعة العالم وازدادت كيفية التأثير على كم هائل من الناس في الوقت نفسه، ازديادا مذهلا، وهذه الثورة المعلوماتية نتج عنها انفجار معلوماتي وأصبح الناس مواجهين بآلاف الرسائل يومياً وأصبح عليهم أن يستوعبوا هذه الرسائل ويعالجوها أسرع، وبعدها لا وقت لديهم للمزيد فالأسهل أن يختصروها بقبولها فورًا وبدون التفكير فيها.
والجدير بالذكر أن وسائل التواصل الاجتماعي تمكنت من أخذ هذا البعد على صعيد التأثير على الرأي العام نتيجة حلول الثورات العربية على تلك المجتمعات، فشبكات التواصل اكتسبت عبر مواكبتها مجريات الثورات وتطوراتها في مختلف الأقطار العربية، بعداً جديداً ربما لم تكن تتوقعه عند تأسيسها، ولعل توظيفها قدرتها التعبوية وتمكُّنها من تجييش العقول من خلال التركيز على سرد مساوئ الأنظمة القمعية وتفصيلها بالصوت والصورة والكلمة، غالباً ما كان تمهيداً لتحرك فعلي خارج عن إطار الطابع الافتراضي لشبكات التواصل. من هنا يمكن اعتبار أن الثورات العربية أحدثت نقلة نوعية في طابع هذه الشبكات، عن طريق تحويلها من تواصل افتراضي إلى واقع حسي ملموس ومعاش. وإذا كانت هذه الوسائل سميت في بداياتها بالعالم الافتراضي، لكنها أثبتت أنها ليست بمعزل عن الواقع المعيش، بل إنها شكلت في كثير من الأحوال مرآة لهذا الواقع يلجأ إليها الباحث لتحسس نبض الشارع والناس العاديين. لقد علمتنا السلطات الوطنية أن ننسى مأساتنا وأن نشعر أننا أقزام أمام حضرة القائد، وأن كل رئيس هو منقذ وممثل لسلطة إلهية لا يمكن تجاوزها، ولا مجال لنا أن ننتقد الكامل والأمل والحلم الذي انتظرناه طويلاً ونحن خير أمة قد أخرجت للناس. لكن الذي يريد أن يبني أمةً ومجداً لا يلغي العقول التي هي مفاتيح المجد، والذي يريد أن يبني أمة لا يوجه خطابه إلى ما دون العقل ولا يستدر العواطف، فإن فعل إنما قصد أن يبني مجده الشخصي ويبحث عن مصالحه الذاتية، ولا سبيل إلى الأمجاد الشخصية إلا بإلغاء العقول ومحاربتها وتهجيرها، لأن مثل هؤلاء يريد شعباً كالقطيع وعقولاً كالبالونات الفارغة. وقد أثبتت التجارب الإنسانية فشل هذه السياسة قصيرة النظر على الصعيد السياسي لأن أساليب التخدير والاستقطاب، اعتماداً على فرضية أن العقل الجمعي ساذج وبالإمكان اقتياده كما القطيع، «فقد تستطيع العبقرية أن تقلب الباطل حقاً إلى حين، لا إلى الأبد».
( المصدر: الجزيرة نت )
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12099
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
7824
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2838
| 22 أكتوبر 2026