رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن الاستبداد هو الاستبداد مهما كان نوعه وفي أي زمان ومكان ومن أي حاكم صدر، ولما كان فرعون موسى عليه السلام أبشع صورة من صور الاستبداد فإنه أصبح المثل الأسوأ المتبادل في التاريخ للتحذير من كل فرعونية تهلك البلاد والعباد كما يذكر الدكتور سيف الدين عبدالفتاح في كتابه النظرية السياسية من منظور إسلامي ص 420، ونحن منذ البداية نشعر بأن هؤلاء الفراعنة المستعبدين حيثما حلوا دفعت الشعوب ثمن ظلمهم واستبدادهم كل غال ونفيس وأصبح الناس عبيدا أمام أولئك الأسياد، ومن المعروف في علم الإدارة والقيادة مدى خطر القيادة الإرغامية التي يمثلها كل فرعون أمام القيادة الإقناعية التي مثلتها الملكة بلقيس بكل حوار وشورى في دعوة سليمان عليه السلام حيث أدى بها عقلها الراجح إلى إسلامها في النهاية. ولعل في عقد مقارنة سريعة بين الذي كنا نلاحظه في قيادة القذافي على جميع المستويات في ليبيا والذي لمسناه وما زلنا نكتوي بناره في عهد حافظ الأسد وابنه بشار في سورية كنموذجين فرعونيين، فإن ذلك يضعنا على أهم صفات المستبدين الذين لا يفكرون إلا بنرجسيتهم غير مكترثين بالقيم والقوانين، فهم وحدهم النظام المعصوم الذي يعتبر كل من يدلي فيه برأي خارجا عنه ويجب أن يعاقب باسم القانون والوطن والحفاظ على هيبة الدولة! لقد اعتبر فرعون الأول أنه الوحيد الصالح للتخطيط والرأي السديد بل هو الحاكم المتأله المستكبر على الضعفاء (فقال أنا ربكم الأعلى)، "النازعات: 24".
(ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، "غافر: 29"، والعلو الذي يدعيه جعله يفرق بين الرعية حتى لا يتفقوا على كلمة واحدة خدمة لمبدأ فرق تسد وبهذا يضمن خوف الشعب منه، وكذلك أدى به ذلك إلى استضعاف معظم الشعب إلا الفئة التي تلتقي مصالحها بمصالحه، ثم تسليط القسوة والبطش والذبح كأسلوب منهجي لسحق الآخرين، وأعوانه جاهزون لأنهم منتفعون ببقائه، هامان، السحرة، رجال القصر الذين عبر القرآن عنهم بالملأ (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون)، "الأعراف: 127".
ومن المعروف أن مثل هؤلاء يكونون سببا قويا في تسلط الحاكم الذي لا يملك قدرة فاعلة من دونهم إضافة إلى الهمج الرعاع الذين يعتبرون بكثرتهم الظاهرية عناصر فاسدة وإذ هم عامة الشعب الذي يعجز عن رد فرعون عن ظلمه ولا شك أن صورة اليوم وقد رأيناها في ليبيا القذافي وما زلنا نعاني منها في سوريا الأسد من الفوقية وما يغار الناس بعضهم على بعض والاستعانة بالنخب المنافقة وبالكثرة العاجزة والخائفة هي الوجه القبيح لتعامل الحاكم الظالم مع شعبه بالطريقة الإرغامية التي تجعل الناس يسمعون له إما بسبب الخوف أو الطمع وذلك بعكس القيادة الإقناعية التي يطيع الناس فيها تلقائيا برغبة ومحبة وراحة ورضى وهذا ما يؤدي إلى رفع معنوياتهم، خاصة في الحروب والمواجهات أيا كانت ولذا نقل اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله في كتابه بين العقيدة والقيادة ص 42 أن نابليون بونابرت كان يرى أن قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية 75% ثم جاء اللواء (فولر) وقرر أن هذه النسبة 50% لكل منهما بعد التطور الهائل في عالم الأسلحة وهكذا ففعالية الجيوش في القيادة الإقناعية أعلى كفاءة منها في القيادة الإرغامية كما ينقل الأستاذ محمد زكريا النداف في كتابه الأخلاق السياسية ص 292، فإذا عرفنا ذلك أدركنا مدى ارتفاع معنويات الثوار الليبيين المقتنعين بأهدافهم تحت قيادة النوع الأول في مواجهة كتائب القذافي المرغمة والمرتزقة تحت القيادة الثانية مما جعلها في النهاية مهزومة مأزومة وقد هلك القائد والمقود وكذلك فإن الجيش السوري المبني على الأفكار الفاسدة والطائفية من قبل من يرغمهم ما كان متوقعا منه بناء على ذلك أن يصبح مؤهلاً لحرب مع اسرائيل منذ عقود فهو غير مقتنع في معظمه بأن قائديه وطنيون مخلصون بل بات يعرف حق المعرفة أنهم هم حماة إسرائيل لا أعداءها والتصريحات في هذا غزيرة والأفعال أقوى من الأقوال وكذلك فإن ما نراه من انشقاقات زادت كثيرا مؤخراً إلا دليل على أن القيادة الفرعونية الإرغامية سوف تضمحل وأن الإنسان الشريف في الجيش لا يمكن أن يسهم في قتل المتظاهرين والمدنيين.
ثم يضاف إلى ذلك أن منطق الحاكم الفرعوني يقوم على عدم أو ضعف الاهتمام بحجم المعارضة ولكن مع شدة خوفه منها!
قال فرعون الأول: (إن هؤلاء الشرذمة قليلون وإنهم لنا الغائظون وإنا لجميع حاذرون)، "الشعراء: 54-56"، أي حذرون خائفون ولكن كيف يكونون قلة وفرعون خائف منهم متأهب لقتالهم!
إنه المنطق الحكومي نفسه في سورية حيث يزعمون أن عدد المتظاهرين والمعارضة قليل جدا مع أنهم أصبحوا بمئات الآلاف ثم يخدع النظام من لا يعرف سورية بمظاهرات ومسيرات تأييد في دمشق وحلب مباهيا بكثرة عددها وأنها خرجت عفوية تأييداً للأسد وإن كل حر في سورية لا يغيب عنه أنها مُسيَّرات وليس مسيرات بل تقول بالإجبار وتفرز وسائل النقل من كل مكان لنقل الموظفين والطلاب والعمال للمشاركة ثم يا ويل من لم يفعل على نفسه ورزقه و..، ثم أننا نتحداهم بكل قوة: إن مظاهراتكم محروسة ومحمية حتى بالحوامات ولكن مظاهرات الأحرار مستهدفة بالرصاص الحي يوميا، فإن كنتم صادقين فاسمحوا بالمسيرات دون قمع وقتل وستجدون، خاصة الآن ملايين السوريين في وجهكم وهذا ما يعني سقوطكم الفوري وهل دام حكمكم لولا الإرهاب والقمع والفرعونية؟
إن الناس باتوا جميعا يعرفون أن قيادتكم الإرغامية إلى زوال كما زال من قبلكم في تونس ومصر وليبيا والأيام بيننا ودماء الشهداء لن تذهب هباء وإن قيادتكم الإرغامية هذه هي التي جعلت سورية مناحر للمذابح والمجازر اليومية وخاصة في حمص وحماة وادلب ودرعا والرستن وريف دمشق ثم لا يخفى على أحد تضليلكم الإعلامي خاصة في قناة الدنيا كما كان القذافي يضلل الآخرين في تليفزيون الجماهيرية على مسلك تصريحات فرعون الذي يعتبر الإصلاح إفساداً لأنه يخالف السلطة ولابد من اقناع الرعاع بضرورة القضاء على المصلحين (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)، "غافر: 26".
تلك هي الظاهرة الفرعونية وفق الهوى لا وفق الشرع والقانون ثم لا ننسى نغمة الفراعنة من اتهام المخالفين من المعارضة بالتآمر دون أن يقيموا أي اعتبار لعقول البشر التي عرفت أن الثورة السورية ثورة شعبية عفوية ضاق صدرها حتى اختنق أمام هذا الاستبداد الشنيع.
هكذا قال فرعون لموسى (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله...) وهكذا فإن كل من يتعشق السلطة يعتبر كل تذكير ونهي له مؤامرة انقلابية داخلية أو خارجية ثم ما أسهل أن تصاغ لها ادعاءات العصابات المسلحة والإرهابيين والعملاء، أما هم فملائكة أطهار لا نظير لديمقراطيتهم التي تعتبر فيها الشورى شكلانية وأعضاء مجلس الشعب ليسوا فيها إلا دمى وهل ننسى في ظل القيادة الإرغامية عضو مجلس التهريج في الخطاب الأول، حيث قام وقال للرئيس يا سيادة الرئيس العالم العربي قليل عليك تحكمه أنت يجب أن تحكم العالم كله يا سيادة الرئيس!!
لقد كاد الأجدر بالقذافي قبل أن يبلغ مصارع الطغاة والأجدر بالأسد أن يتبعا القيادة الإقناعية ولا يتكبرا على أمثالهم من الآخرين بوصفهم أشباه رجال. وأن يقنعوا شعوبهم بسجع الحمام لا بزئير الأسود كما قال وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو لبشار: ليس المهم أن تقنعني، لكن المهم أن تقنع شعبك، وهل من استفادة من مسلك الملكة بلقيس الإقناعي لا الإرغامي؟
وهل تتحرر الجامعة العربية فتقنع بشار بإيقاف حمام الدم وأنها مع الضحية لا مع الجلاد؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2721
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1482
| 25 أكتوبر 2026