رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتكلم الكثيرون، من ساسة ومعلنين وصانعي القرار ومديرين ومسؤولين ودعاة، عن الجمهور وكأنه كتلة واحدة متجانسة ومتناغمة والواقع أن هناك جماهير مختلفة وعديدة ومتنوعة. فمصطلح الجمهور في الدراسات الإعلامية مر بمراحل عديدة عبر التاريخ، خاصة عبر تلك المحطات التي عرفت اختراعات لوسائل اتصال جديدة وآخرها الفيسبوك وتويتر ويوتوب وغيرها كثير، الأمر الذي أفرز أنواعا جديدة من الجماهير تتفاعل بأنماط وأشكال جديدة من الاتصال.
الجمهور في العملية الاتصالية هو العنصر الذي يتلقى الرسالة الاتصالية أو الإعلامية، ويتفاعل معها ويتأثر بها. وهو الجهة التي توجه إليها الرسالة وتقوم بحل رموزها، ولا شك أن فهم الجمهور وخصائصه وظروفه يلعب دورا مهما في إدراك معنى الرسالة، ودرجة تأثيرها في عقلية ذلك الجمهور. فنجاح العملية الاتصالية يجب ألا يقاس بما يقدمه المرسل، بل بما يقوم به المستقبل سلوكيا. ولا يمكن أن نتوقع أن الجمهور يصدق وينصاع تلقائيا للرسالة الإعلامية، فهو قد يرفضها، أو يستجيب لها، إذا كانت تتفق مع ميوله واتجاهاته ورغباته، وقد يتخذ بعض الجمهور موقف اللامبالاة من الرسالة ولا يتفاعل معها.
يرتكز مفهوم جمهور وسائل الإعلام في صياغته الشكلية وفي مضامينه الراهنة على جملة من الاعتبارات لها علاقة بالتطور السريع الذي تشهده المجتمعات الحديثة في مجالات الإعلام والاتصال الجماهيري، خاصة انعكاسات الاستعمال المكثف لتكنولوجيات الاتصال التي أدت إلى التفكير في إعادة صياغة العديد من المفاهيم السائدة حتى تتمكن من استيعاب العناصر المستجدة الناتجة عن هذا التطور؛ غير أن إعادة صياغة المفاهيم غالبا ما تضيف عناصر جديدة مستجدة، ولا تعني دائما وبالضرورة إلغاء و/أو تعديل العناصر السابقة التي تدخل في تكوين المفهوم. ورغم أهمية هذا المفهوم في العملية الاتصالية، إلا أن لأصله التاريخي دورا أساسيا في الدلالات المختلفة والاستعمالات المتعددة لمصطلح "الجمهور". وقد خضع المفهوم في تشكيله إلى مرحلتين مهمتين، حيث قسمتا كالتالي: مرحلة ما قبل ظهور وسائل الإعلام: كانت فكرة الجمهور في أصلها تعني هؤلاء الذين يقبلون على عرض درامي أو لعبة أو أي استعراض عام يستقطب عددا من الناس. وكان هذا الجمهور يتصف بعدة مميزات، إذ إن جميع أفراده معروفون بذواتهم ومحددون في الزمان والمكان، ذلك أنهم سكان لمدينة أو قرية ما، وكان تجمعهم لتشكيل جمهور العبادة أو المسرح أو الملعب أو السوق غالبا منضما بحكم العادة ومعين المواقع وفقا للمراتب والمراكز الاجتماعية، تشرف عليه سلطة دينية أو روحية أو إدارية، حيت كان يجلس سيد القبيلة في الأول ثم تأتي حاشيته ثم النبلاء حتى نصل إلى جميع الناس وقد أضفت تلك السلطات على الجمهور طابع مؤسسة تفرض سلوكات جماعية معينة. العديد من هذه الخصائص ما زال قائما في المفهوم السائد في الاستعمالات الراهنة للجمهور مع بعض التعديلات والتغييرات الشكلية في الترتيب والأهمية.
أما مرحلة ظهور وسائل الإعلام الجماهيري، فقد قسمت هذه المرحلة بدورها إلى أربع مراحل مهمة أسهمت في إضافة عناصر جوهرية وإدخال تعديلات شكلية على عدة خصائص ويتجلى ذلك في المرحلة الأولى التي تعتبر أهم مرحلة في تاريخ وسائل الإعلام الجماهيرية والتي تنعكس على تشكيل مفهوم الجمهور بشكل ما، إذ عرفت اختراع حروف الطباعة في القرن الخامس عشر على يد الألماني يوحنا جوتنبورغ، مما أدى إلى ظهور جمهور القراء بفضل التمكن من إصدار المنشورات والمطبوعات، بما فيها الصحف فيما بعد وتوزيعها على نطاق واسع. وقد أفرز هذا التطور النوعي تقسيما اجتماعيا واقتصاديا كان معروفا في السابق بين الأغنياء والفقراء والحضر والبدو وساعد هذا التطور على تكوين مفهوم أولي لما يعرف حاليا بالجمهور العام كفكرة أو رأي يربط بين عدد غير محدود من أفراد يوجدون ضمن السكان ويختلفون عن عامة الناس تبعا لاهتماماتهم ومستوى تعليمهم وتطلعاتهم الدينية أو السياسية أو الفكرية.
أما المرحلة الثانية، فتتمثل في التطور التاريخي الثاني الذي كان له التأثير البالغ في تشكيل الجمهور انطلاقا من الإفرازات الاجتماعية والثورة الصناعية التي أعطت دفعا قويا للطباعة، مما أسهم في تنمية وتسويق الصحافة، خاصة الصحافة الشعبية أو الموجهة إلى أفراد المجتمعات الجماهيرية "Mass society " الجديدة التي نمت حول المدن الصناعية الكبرى المكونة، خاصة من شتات المهاجرين الذين كانوا ينعمون بروابط عائلية وصلات اجتماعية قوية وأصبحوا يعيشون في مدن ومجتمعات حديثة تتميز بالتباين بين أفرادها لغياب قيم ثقافية وتقاليد وأعراف اجتماعية مشتركة. في هذه المرحلة التاريخية بدأت الصحافة تتخذ شكلها الجماهيري الذي ما زال يلازم وسائل الإعلام والاتصال إلى الوقت الراهن مع بعض التعديلات الشكلية. أما المرحلة الثالثة فميزتها العوامل التي أسهمت في تشكيل مفهوم الجمهور ورسم معالمه الحديثة بظهور في عشرينيات القرن الماضي وسائل الإعلام الإلكترونية كالإذاعة والتلفزيون. وبذلك أصبح الجمهور غير محدد في المكان، حيث باعد البث الإذاعي والتلفزيوني بين أفراد الجمهور من جهة وبينهم وبين المرسل أو القائم بالاتصال من جهة أخرى، فظهر شكلان جديدان من أشكال الجمهور، هما المستمعون والمشاهدون الذين لم تعد الأمية والحواجز الطبيعية تحد من تعرضهم للرسائل الإعلامية، كما كان الشأن بالنسبة للصحافة المكتوبة. وتتميز المرحلة الرابعة بالعنصر التاريخي الرابع في اعتناق نظريات الديمقراطية السياسية التي تعتبر وسائل الإعلام وحريتها أحد أهم مظاهرها، فقد انعكس تطبيق الأفكار الديمقراطية في أنظمة الحكم على مهام ووظائف وسائل الإعلام وعلى الرقابة السياسية والاجتماعية ومبادئ الوصول إليها والمشاركة فيها، كما انعكس على وعي المجتمع ككل بأهمية الإعلام ودوره في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية. فلم يعد الجمهور مجرد مجموعة من قراء الصحف ومستمعي الإذاعات ومشاهدي قنوات التلفزيونية، وإنما في الوقت نفسه أصبح يتضمن ناخبين ومستهلكين للسلع والخدمات، حيث ظهرت مصطلحات لها علاقة وطيدة بتنوع الجمهور، مثل جمهور الناخبين "mass electorate " وجمهور السوق - المستهلكون "mass market "....إلخ. إن هذه المراحل الأربعة التي ذكرناها لا تعني أن تطور مفهوم الجمهور قد توقف عند هذا الحد وإنما لا تزال هناك تطورات في هذا المفهوم مع تطور تكنولوجيات الاتصال، حيث بدأت تظهر بعض المصطلحات التي ترتبط بتقنية الإنترنت، مثل جمهور الواب "web audience " و"ubiquitous audience " و "netizen "و "online audience " و "offline audience "وغيرها من المصطلحات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12171
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10650
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026