رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يترافق العمل المؤسسي المحوكم مع قواعد وأسس معيارية لتصنيف وتنظيم وترتيب كافة الجوانب المتعلقة بذلك العمل، لاسيما في وضع المعايير المتعلقة بتسكين الوظائف وتقييم وتأهيل الموظفين والاعتبارات المرتبطة بالمؤهلات وكفاءة حامليها، الأمر الذي يشكل تحديا كبيرا أمام الفروقات الشخصية والاختلافات الفردية والاستثناءات الظرفية.
كما أن فهم واستيعاب نظام العمل المؤسسي قد يؤدي احياناً إلى استغلاله والالتفاف عليه وتلبية متطلباته الشكلية، بما يتوافق مع مصالح الأفراد دون النظر لمصلحة المؤسسة وهو ما يتنافى مع مفهوم الحوكمة.
على أرض الواقع يتم تقييم شاغلي الوظائف العامة وفق معايير تستند في أساسها على المؤهل الأكاديمي والدرجة العلمية، الأمر الذي يعد بديهيا في ظل صعوبة تقييم الأفراد وفق معايير تستند للمهارات والخبرات والسمات الشخصية، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ضخامة العينة موضع التقييم وحجم المؤسسات وتعقيداتها الهيكلية، كما أن لتلك القواعد في التقييم جانبا إيجابيا يتمثل في حماية الموظف من تبعات الشخصانية وتحقق له الأمن الوظيفي المنشود.
في الوقت ذاته فإن لهذا المسلك، وكما لغيره، جانبا سلبيا يتلخص في أن تقييم المؤهلات قد يتم بالارتكان إلى قوانين وقرارات مضى على تشريعها وإصدارها ما يتجاوز الربع قرن، ما يمثل تحدياً أمام سرعة المتغيرات من حولنا، فضلا عن سلبيات أخرى، منها السعي الحثيث من قبل شاغلي الوظائف أو الباحثين عن عمل للحصول على مؤهل دون النظر في كفاءة المؤسسة التعليمية من جهة، وإغفال جانب تنمية المهارات والخبرات الذاتية من جهة أخرى، ناهيك عن الإشكالية التي بدأت تطفو على السطح في عدد من الدول كتزوير المؤهلات وشراء الشهادات وما يترتب على ذلك من مشكلات جسام.
خلال أزمة كورونا الراهنة، لجأ العالم أجمع للدراسة عن بعد وللتعليم المنزلي، كضرورة حتمية واستجابة سريعة لمتطلبات الأمر الواقع، ومع أن الوقت ما زال مبكرا لتقييم التجربة والحكم عليها بالنجاح أو الفشل، ولكن ما يثير الانتباه هنا هو مدى تجاوبنا مع المتغيرات وتطويع التكنولوجيا لخدمة الأهداف التنموية عبر الاستجابة للمتطلبات الظرفية الملحة. والسؤال الذي يتبلور هنا هو: لماذا لم ننتقل تدريجيا إلى تطويع التكنولوجيا كخيار استراتيجي بما يتوافق مع أهدافنا دون الارتهان للظروف الوقتية، سواء في الجانب التعليمي من جهة - وهو موضوعنا هنا - أو في كافة جوانب التحول الرقمي؟.
صحيح أننا قطعنا أشواطا في هذا المضمار، بيد أن التجربة أثبتت أن هناك تفاوتا في الأداء بين جهة وأخرى، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن دخول الانترنت إلى منطقتنا كان في منتصف التسعينات، ما يجعل سقف التوقعات يتجاوز الواقع.
إن الاشكالية القديمة المتجددة التي تواجه معادلة المؤهلات العلمية واعتماد الشهادت الجامعية المتحصل عليها عبر التعليم عن بعد أو التعليم الإلكتروني أو التعليم المفتوح، سمه ما شئت، كانت وما زالت تنبع من الاعتقاد الراسخ بعدم أهلية وكفاءة الخريجين من البرامج التعليمية المذكورة بسبب الاعتقاد بضعف مخرجات تلك الأساليب والطرق في تلقي المعارف.
وعلى الرغم من أن تلك الأساليب الحديثة آخذة في النمو والتزايد في كافة أقطار العالم حتى باتت معتمدة ومعترفا بها من قبل كبرى الجامعات عالميا، ظل البعض مصرا وثابتا على ذلك الموقف المتصلب ضد هذا النوع من التعليم. والآن حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد أصبح التعليم عن بعد أمرا واقعاً بعد ما أجبرتنا الظروف الراهنة وغير المتوقعة إلى اللجوء له باعتباره خيارا وحيدا لاستكمال التعليم، ليس على مستوى المراحل الجامعية وحسب، بل في المراحل التأسيسية أيضا.
إن الطريقة التي نتعامل بها مع المؤهلات الجامعية والحاصلين عليها تمثل هاجسا لنا، وتثبت لنا اننا غير متوافقين مع المفاهيم الحديثة في التعامل مع الإنسان وإمكانياته، واننا مستمرون في تبني النظرة التقليدية التي تكاد تختزل الإنسان في كونه رقما وظيفيا أو مؤهلا أكاديميا أو مجموعا تراكميا.
إن المفاهيم الحديثة للموارد البشرية ترتقي بالإنسان إلى ما هو أكبر من تلك الاختزالات في التقييم، وتعتبره موردا وثروة وعنصرا أساسيا في بناء المجتمع طبقا لقدراته وامكانياته، بغض النظر عن الطريقة التي حصل بها على درجته العلمية.
مؤخراً أقرت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية جديدة للتوظيف ترتكز على النظر في المهارات الشخصية بدل الشهادات الجامعية، بالتشجيع على إعطاء الأولوية للمهارات الوظيفية، دون الغاء تأثير الحصول على المؤهل في حظوظ التوظيف، ولكنه يجعل المؤهل أقل أهمية في مقابل المهارات.
والسؤال المطروح هنا، هل يمكننا اعتبار تلك الخطوة التي صدرت عن أكبر الدول اقتصادا وقوة، صحيحة أم خاطئة؟ ولنسأل أنفسنا قبل الإجابة.. هل ينبغي علينا التطلع إلى تجارب الآخرين دون أن يكون لنا إسهام في تجربة رائدة تتماشى مع طموحاتنا ورؤيتنا فيما يتعلق بحسن استغلال الموارد البشرية وتطوير المنظومة التعليمية؟.
لماذا يتوجب علينا دائما الأخذ بتجارب الآخرين واعتبار خلاصات تجاربهم معيارا قياسيا لنا لا يقبل التعديل ونطبقه حرفيا؟.
لماذا لا نبادر نحن بإصلاح منظوماتنا سواء التعليمية أو الإدارية أو التقييمية، وفق متطلباتنا وخبراتنا التجريبية واحتياجاتنا التنموية؟.
لا عيب في استقاء الخبرات من الآخرين والبناء على تجاربهم الناجحة، بل ان ذلك يعد سبباً من أسباب تحقيق النمو والازدها، ولكن وعلى الجانب الآخر، لماذا ننتظر خوض الآخرين التجربة لنخوض خلفهم ونضع المعايير الاكاديمية والأنظمة الدولية في التعليم موضع التقديس وكأنها صنم معرفي يأبى أن يتزحزح من مخيلتنا؟.
لماذا لا نكون نحن مصدر التجارب الملهمة التي يقتدي بها الآخرون؟
إن إعلاءنا وانبهارنا المبالغ فيه بالجامعات الغربية وشروطها ومعاييرها في القبول قد يخدعنا ويؤثر على تقييمنا للطاقات البشرية وحسن استغلالها، فكم من شخص طابق المعايير الأكاديمية لأعرق الجامعات دون أن يحقق الحد الأدنى من التزاماته الوظيفية؟ وفي المقابل كم من موظف قد تعكس سيرته الذاتية هشاشة وضعفا وفق معاييرنا الحالية، ورغم ذلك فهو على أرض الواقع يقدم لوطنه ولأفراد مجتمعه الكثير مما لا يدرّس في أعرق الجامعات، ولكنه يقبع خلف مكتبه عاجزا عن تسلق السلم الوظيفي كغيره لأن سيرته الذاتية غير منمقة ولا تلبي المعايير المطلوبة لارتقاء ذلك السلم.
ينبغي الوقوف على هذه المسألة بموضوعية، كما أنه لا بد لنا قبل الخوض فيها أن نفرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، فالعلوم الطبيعية لها متطلبات تختلف اختلافا كليا عن متطلبات العلوم الانسانية، وعلى سبيل الايضاح فإنه من الاستحالة بمكان لمن أراد ممارسة الجراحة أن يتلقى التدريبات التطبيقية عن بعد أو عن طريق التعليم المنزلي، وفي مقابل ذلك إذا ما افترضنا أن موظفاً قد اصطدم بمتطلبات ارتقاء السلم الوظيفي وأراد مواصلة دراسته في التخصص الذي يعمل به في فرع من فروع العلوم الإنسانية، فإنه لا محالة سيواجه ويصطدم بمتطلبات صعبة وقاسية، والسؤال هنا، ماذا سيستفيد الموظف الذي أراد مواصلة دراسته في تخصص الإعلام مثلا، من تسكعه في أزقة القاهرة أو عمّان، فقط ليلبي متطلبات معادلة المؤهل، وهل سيساعده ذلك في زيادة استيعابه لنظريات الإعلام والاتصال؟ وماذا سيقدم لجهة عمله وهو يمدد الإجازة تلو الأخرى؟ ليثبت فقط انه "طالب نظامي" إذا ما قورن بالموظف الذي يواصل تحصيله الأكاديمي وهو على رأس عمله، ويتلقى نفس المادة العلمية غير أنه "مخالف للأنظمة والقوانين" وبالتالي لن يلبي المتطلبات لمعادلة شهادته، وسيظل معلقا لا إلى الأرض ولا إلى السماء مربوطا بقرار وتوقيع ينتشله من وضع إلى آخر.
لقد أقرت محكمة التمييز الموقرة في حكمها الصادر في مارس من العام الماضي قاعدة مهمة تتعلق بمعادلة الشهادات الأكاديمية ومستوى الجامعة المانحة للمؤهل "دون أن يكون هناك أثر لنظام التعليم المتبع في الجامعة مصدرة الشهادة سواء أكان بنظام التعليم المفتوح أو بنظام الحضور ما دام المشرع لم يحظر الاعتداد بنظام تعليمي معين، والعبرة بالقيمة العلمية للشهادة دون النظام التعليمي المتبع في الجامعة"، كما أوجبت المحكمة تسبيب قرار رفض معادلة الشهادة وأن تُضمن الأسباب صلب القرار.
إن هذا القرار يعطينا مؤشرا واضحا على أهمية إعادة النظر ليس بمعالجة الإشكاليات بصورة فردية، ليضطر كل متضرر للجوء إلى القضاء ليحصل على حكم ينصفه، بل إنه يتوجب علينا المواجهة الشجاعة والجريئة لتلك القضية، وإعادة النظر في آليات تقييمنا للإمكانيات والطاقات البشرية لنحسن استغلالها بدل ان تذهب الطاقات الشبابية سدى، وألا ندع من لم تسمح له ظروفه بارتياد أعرق الجامعات لمواجهة مصيره وحيدا يلازمه الشعور بالغبن أمام رفض حصوله على التفرغ لمواصلة تحصيله الأكاديمي وتحسين وضعه الوظيفي نظراً "لحاجة العمل له" في مقابل تفريغ من " لايمثلون أي إضافة أو أهمية لعملهم" والسماح لهم بتحقيق النجاح الوظيفي وارتقاء السلم بكل يسر، وحتى لا يتحرر من حصل على مؤهل معتد به من التزاماته الوظيفية ويكتفي بما حققه في مسيرته دون شعوره للحاجة لتطوير إمكانياته، وحتى لا نطمس الخبرات ونهمش أصحابها.
إن الأهداف التنموية والغايات القانونية التي أقرت من أجلها القوانين، تحتم علينا التعامل مع الواقع بمرونة أكبر للوصول إلى الهدف.
يجب أن نضع أهدافنا نصب أعيننا ونبحث عن أفضل الطرق للوصول لها، فنحن نريد العنب ولا شأن لنا بالناطور، ينبغي لنا إذا ما أردنا تحقيق غايات التنمية من تنمية الإنسان وتعزيز قدراته أولا، وذلك بألا نعتبر من لم يوفق في تعليمه أو تحصيله الدراسي أو لم تسعفه الظروف لمواصلة مشواره الأكاديمي فاشلا، فيتماهى هو مع نظرة المجتمع ويتوافق مع توقعاته، فالأوطان لا تبنى الا بسواعد ابنائها، والنجاح يجب أن يكون له أكثر من طريق. فبجانب حاجتنا للطبيب والمهندس فنحن أيضاً بحاجة للعامل والفني وصاحب الموهبة التي لا تدرس في الجامعات ولا تكتب في الكتب.
ينبغي أن تتعدد طرق النجاح وأن تتسع القوانين والأنظمة وتعدل لتنصف كل صاحب مجهود، وأن توضع الخبرة والمعرفة والتفاني فوق الأوراق المصدقة والمختومة حتى لا يصبح المؤهل غاية بدلا من أن يكون وسيلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11232
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
3378
| 22 أكتوبر 2026