رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن النظرة المتعمقة التي يجب أن تسود في أوساط الحكومات العربية والإسلامية، خصوصا إذا أرادوا ألا يكونوا كالنعامات التي تطمر رؤوسها في الرمال، هي ألا يستمر غرورهم بسراب أمريكا في السابق والحاضر وألا يخدعوا ببرقها الخلب، فما هي بالصادقة يوما.
وإن معظم الشرور إنما تشتعل علينا بسببها، لاسيما أنها الطائعة الملبية للمنظومة اليهودية الصهيونية، ولكننا لا نزال نثق بأقوالها ومؤتمراتها، بل مؤامراتها ولكأنها حزام التي وصفها الشاعر العربي:
إذا قالت حزام فصدقوها فإن القول ما قالت حزامِ
ومن هذا المنطلق فإننا بدافع الدين والأخلاق والقيم العربية والإسلامية وبما عرفناه في المقال الماضي عن نظرة الإسلام إلى الإرهاب ودعوته إلى السلام، نؤكد من خلال الواقع وسبر التاريخ في الماضي والحاضر أن أمريكا لا تتوجه أبداً إلا لتحقيق مصالحها الإستراتيجية، وإن حروبها لتشهد عليها دوما، وأنه لا يعرف ما يدور وراء إستراتيجيتها من خفايا خبيثة تعد في الفهم الدولي إرهابا معنويا، فاستلاب أفكار الآخرين بالقوة والطغيان إرهاب كما هو الإرهاب بالتدخل الفعلي والاحتلال ولذلك فإن هذا التحشيد بهذه "البروباجندا" ضد ما يسمى داعش التي لا نؤيد توجهها في العديد من المواقف الفكرية الخوارجية وهو ضرر بعينه، إلا أننا لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بقبول إرهاب دولي لتحالف بأربعين دولة وتدخلها بحجة داعش واستثناء الإرهاب الشنيع في دول أخرى وعلى رأسها إيران التي أصبحت الدولة الواحدة والأربعين بعد أن اتفقت مصالحها مع المصالح الأمريكية، وكان مرشدها الأعلى يقول: إننا فخورون بعدم الانضمام لمن تلوثت أيديهم بالدماء يعني أمريكا ولكنه بين عشية وضحاها تتبدل الأفكار لأن أمريكا وإيران إرهابيتان وبلاشك وهما باطنيتان حقيقيتان حيال الغير الخاص بحسب التوجه والمآل ومن قرأ الكتاب المنهجي عن أمريكا والذي هو بعنوان "أمريكا بلد المتناقضات، طبع دار الفكر2007 للملف مازن موفق هاشم" وصل إلى ذلك بالأدلة والأمثلة، وأما إيران فإن كل تاريخها يشهد لذلك، لأن الباطنية دين لها، بل إن التقية عند الشيعة تسعة أعشار الدين ولا دين لمن لا تقية له كما في تفسير الحسن العسكري ص: 320 ونقلوا عن الإمام الباقر محمد بن علي الحسين، "خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية"، كما في كتاب الكافي 2/220، وإنهم يقولون: إننا ملتزمون بها تجاه الغير المخالف حتى يظهر الإمام المنتظر، فمن ترك التقية قبل خروجه فليس منا، كذا في كتاب إعلام الورى للطبرسي 2/241، ولذلك فهم يعتبرون اتباعهم لها مسألة دينية مقطوع بها ضد أهل السنة والجماعة، بل يتقربون إلى الله وإلى علي- رضي الله عنه وحاشاه من فعلهم - بها فيجب ألا يستغرب ما نراه من مواقفهم الكاذبة المنافقة الملتوية وتصريحاتهم الدينية والسياسية والأخلاقية التي تتلوى تلوي الحرباء وحسب الهوى وطلبا إلى بلوغ الدولة الشيعية الكبرى في العالم العربي والإسلامي، بل وتصدير ثورة الخميني والإرهاب الشيعي المؤسسي إلى العالم أجمع ولعل أفعالها أكثر دلالة على أقوالها، بينما لا نرى دولة سنية واحدة في العالم تعمل على هذا التصدير وافتعال الفتن ولم نر أي مجموعة سنية ذهبت إلى بلاد الشيعة الكبيرة والصغيرة لتشيع أهلها، فهم المعتدون البادئون بإثارة الخلاف الديني وتصوير مذهبهم أنه الأحق بالاتباع، تحت ستار حب آل البيت، هم منهم ومن افتراء اتهم براء، وحيث إنهم توصلوا أن الشعوب لا يمكن أن تنصاع لهم بالبرهان لأنهم فاقدوه، فقد رأوا أن لا مجال للوصول إلى ذلك إلا بالطغيان والقوة وإعدادها واتفقوا مع المشبوهين والعملاء في الوطن العربي والإسلامي وكذلك مع أمريكا واليهود والغرب وهند سوء أمورا معروفة بوثائقها، وأعلنوا خلاف ما يبطنون وأنهم دائما ضد أمريكا وإسرائيل وقوى الشر والاستكبار، بيد أن الحقيقة غير ذلك وهم وأمريكا من يتحملون مسؤولية نشر الإرهاب بشكل ممنهج مترافق مع نشر "بروباجندا" الحشد الطائفي من وسائل الإعلام، وإن الذي حدث ويحدث في سوريا ولبنان والعراق، واليمن كنماذج أكبر دليل على ذلك، ففي سوريا، كم أعانت إيران على إخماد الثورة - والتي لا تزال باقية قوية - والاشتراك مع اللانظام السوري الطائفي حليفها وشريكها على قتل السوريين، بل أصبح أطفالنا يذبحون بفتاوى إيرانية وأشركوا منذ عام 2011 جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر ومقاتلين آخرين من لواء أبي الفضل العباس ثم دخل حزب الله بشكل معلن فاقع منذ أبريل 2013 في القصير وريفها بعد جرائمه غير المعلنة قبل ذلك ثم دخل لواء ذي الفقار وكتائب حزب الله في العراق وكتائب سيد الشهداء وقوات الشهيد محمد باقر الصدر ولواء عصائب أهل الحق وشاركت بكل فعالية قوات الحرس الثوري الإيراني بفيلق القدس بقيادة قاسم سليماني، إضافة إلى مقاتلين شيعة آخرين من أفغانستان وباكستان واليمن (الحوثيون) وحتى من جنسيات إفريقية وارتكب هؤلاء أفظع الجرائم بحق السوريين والسوريات مما يندى له الجبين ودافعت إيران عن ذلك بحجة حماية المراقد مرة وبحجة الدفاع عن نظام ممانع مقاوم ضد إسرائيل مرة أخرى والمعروف نتيجة أن هذه الادعاءات كاذبة وإنما شاركوا لأن الأسد ونظامه فرع وامتداد لإيران والشيعة فقط وغضت أمريكا الطرف عن مساعدة الشعب السوري الذبيح ولم تصدق معه مرة واحدة، بل خذلته وتآمرت هي وإسرائيل وإيران عليه وقد قال السفير الأمريكي السابق في دمشق "روبرت فورد": إن أمريكا لا تريد إسقاط النظام، وما قيل في سوريا يقال في لبنان، حيث تغاضت أمريكا عن فعل حزب الله اللبناني الممثل في الحكومة اللبنانية ولم تناقشه مرة بحجة موقف لبنان من النأي بالنفس عن أحداث سوريا وقتل من قتل وجرح من جرح بسبب تدخله الذي كرر ادعاءات الشيعة نفسها، كيف لا وهو تابع لقم والمرشد خامنئي، ليثبت أن إيران في لبنان.
وكذلك العراق وما فعله المالكي ولا يزال مع رئيس الوزراء الجديد العبادي الذي لم يغير شيئا جوهريا في الحكومة، بل أبقى المالكي، طبعا بأمر أمريكا وإيران نائبا في الحكومة والدليل أنه فعال فيها أن الفلوجة ومدنا أخرى ما زالت ترمى بالقصف ويقتل ويشرد منها الأبرياء.
أما اليمن فلها حديث آخر وكل ما نشهده اليوم من سيطرة للحوثيين إنما جاء بمشاركة إيرانية منذ عام 2004 وسكوت أمريكي عما يحدث لإتمام صفقة باب المندب وإرجاع نظام علي صالح كثورة مضادة كما فعل بمصر ويفعل بليبيا وتونس.
إننا لا نشك أبداً أن أمريكا وإيران متفقتان على مصالح مختلفة وما الملف النووي إلا لذر الرماد في العيون وإنه إذا لم تستيقظ السعودية في الخليج والدول العربية الأخرى، بل والإسلامية، فسيندم الجميع على بسط سيطرة الشيعة - ويا للمأساة - ولات ساعة مندم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
14640
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1449
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
807
| 10 فبراير 2026