رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعياد مرسي فرحة وبهجة وحرية وعدالة وسرور، وأعياد مبارك هم وغم وكبت ومظالم وشرور، أعياد مرسي تبدو على وجوه المصريين في نبرات الأمل، وأحزان مبارك تُرى على الوجوه في عبرات اليأس والخلل، أعياد مرسي فيها صلاة العيد كأنك تعيش في أفراح الروح، وأحزان مبارك صلاة العيد كأنها طلوع الروح، فقد كنا نصلي العيد يحوطنا الأمن المركزي بالبنادق والرشاشات التي ترعب المصلين، وتعطي رسالة عن عدم الرضا عن الصلاة ولا المصلين، وقد كان لأمن الدولة كل عام معارك مع الإسلاميين مع كل صلاة عيد حيث يقومون بإغراق الساحات الكبيرة بالمياه، لمنع تحقيق سنة بهجة العيد كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فتصدر التعليمات أن من اقترب من الساحة سوف يعتقل، وكنا نفوض أمرنا إلى الله تعالى، وكانت وزارة الأوقاف خاضعة جملة وتفصيلا لتعليمات أمن الدولة في النقير والقطمير لدرجة أنني بعد حصولي على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية لم توافق وزارة الأوقاف على منحي ترخيصا بخطبة الجمعة، وأصدروا قرارات باعتقال وسجن وتغريم من يخطب الجمعة بغير رخصة، وقبل الثورة بأسبوعين كنت في قريتي وطلب مني الشباب أن أعطي خاطرة في المسجد فقلت لهم: لا داعي حتى لا نسبب ضررا من أمن الدولة للإمام حيث يٌفصل الإمام من عمله لو سمح لي بالخطبة، وينقل من المسجد لو سمح لي بخاطرة، ولو صارت قاطرة ينقل ويخصم راتبه، فقال الشباب: "عندنا إمام زهقان من المسجد وعاوز ينتقل تعال اخبطه كلمتين خليه ينتقل"، فقلت لهم: إنني أحب فقه التخطيط لا التخبيط، أما اليوم فالرئيس مرسي يصلي التراويح في مساجد مصر ويؤم الناس حافظا، ويلقي الكلمات الإيمانية الفكرية، فيشعر الناس جميعا أنهم أمام عهد سعيد جديد فريد، أما في أيام مبارك فقد منع من الخطب والدروس الشيخ المحلاوي في الإسكندرية، والشيخ عبدالحميد كشك في القاهرة، والشيخان صلاح أبو إسماعيل وعمر عبدالكافي من الجيزة، وعمرو خالد من مصر، وغيرهم الكثير، وسادت أجواء الترصد والترقب والاعتقال دون سبب إلا أن يقولوا ربنا الله، ولاغرو فقد كان الرئيس منتميا إلى جماعات العند لا العلم، وهو الذي أرسل لنا رسالة واضحة مع د.مصطفى الفقي لأساتذة جامعة القاهرة لما اعتصمنا يوما بالجامعة عن التدريس نتيجة قيام وزير الداخلية زكي بدر بسلب ونهب أرضنا المرخصة لنا في نادي هيئة التدريس بحجة أنها أمام السفارة الصهيونية من الناحية الأخرى، وقد يطلق الأساتذة صواريخ أو مدافع على الصهاينة، وتم والله عقاب 12 ألف أستاذ لأن الإخوان انتخبوا أعضاء مجلس إدارة النادي وجاءت الرسالة: قل للدكاترة دول إن كان عندهم دكتوراه في العلم أنا عندي دكتوراه في العند، كانت الأعياد أيام مبارك لآلاف الأسر أسوأ أيام العام نتيجة الاعتقالات بالجملة، وكأن النظام كله كان حريصا أن يدخل على الأسر والبيوت من الحزن والأسى الكثير، لكن الدكتور مرسي أصر على إدخال السرور عليهم قبل العيد بالإفراج عن الكثير من المعتقلين، وقبل العيد بيومين يذهب رئيس وزرائه الهمام بعد الفجر فجأة إلى قسم شرطة بولاق تفتيشا فيجد ثلاثة في الحجز والسجن دون قيد أسمائهم أنهم بداخل السجن، فاستدعى مدير الأمن بالجيزة الساعة الخامسة صباحا، وتم الإفراج عن المظلومين، وقد كانوا والله عشرات الآلاف في السجون دون جريرة، واليوم هناك متنفس لكل مظلوم حيث ديوان المظالم التابع للرئاسة يتلقى عشرات الآلاف من الشكاوى فيرد عليها خلال أيام، حتى أن ابن الرئيس السابق محمد نجيب عندما يكتب شكواه يُحقق فيها فورا ويُعيَّن في الديوان الجمهوري ردا لمظلمته كواحد من ملايين ظلمهم حسني مبارك وزبانيته، ويكفي أن رجلا قال لحسني مبارك وهو يطوف مرة حول الكعبة: اتق الله فينا يا ريس، فاعتقلوه من الحرم المكي، وأخذوه لمصر ووضعوه تحت الأرض سجنا خمسة عشر عاما لكن أفراح العيد بالرئيس الورع مرسي جعلته من الأسبوع الأول لرئاسته يطلب من الداخلية والجيش حصر جميع من بالسجون وبدأ بالإفراج عن المعتقلين والمظلومين وأصدر قرارا ينهي مظلمة الشيخ وجدي غنيم وآخرين، مما جعل فرحة العيد بمرسي حقيقة لا وهما كما كانت أيام مبارك، أفراح العيد مع د مرسي جعلت جماهير المصريين يخصُّونه بخالص الدعاء وطيب الحياة مع مشروع النهضة، عكس ما كان يجري أيام مبارك حيث كان الشعب يجأر في صلاة العيد على المستبدين والمفسدين والظالمين والمخربين والسارقين، وكانوا يعنون بشكل واضح مبارك ونظامه وحاشيته وزبانيته، أعياد مرسي فيها أمان على البلد ففيها وزارء أكفاء – بسكون الكاف وهي جمع كفء – لا حكومة أكفَّاء – بكسر الكاف وتشديد الفاء وهي جمع كفيف - والفرق كبير بين الكفء والكفيف، وقد عاش الرئيس ثلاثين عاما لا يثق في مصري واحد أنه يصلح نائبا، واليوم نائب الرئيس الرجل المهاب القاضي الخبير المستشار الدكتور محمود مكي وذلك في أقل من خمسين يوما من رئاسة د مرسي، وهو تاج على رؤوس القضاة الحقيقيين لا المسيسين الذين أدخلوا البلد في لعبة الكلاكيع القانونية وحلوا ظلما وعدوانا مجلس الشعب الذي انتخبه ثلاثون مليونا ليعطوا سلطة التشريع لتسعة عشر من المجلس العسكري في سابقة من الفساد القضائي من رواسب تعيينات مبارك، لكن أفراح العيد جعلت من شجاعة وبراعة الرئيس مرسي أن يقيل المشير وعنان وأتباعهم وينهي الإعلان التكبيلي، حتى قال الطيب أردوغان لقد قام مرسي في شهر ونصف بأكثر مما أمضينا فيه 12 عاما، وقال عماد الدين أديب لقد اتخذ د مرسي قرارات في أربعين يوما أقوى وأخطر مما اتُخذ في مصر من قرارات في أربعين عاما، فهل بعد هذا يظل هناك من يلبس نظارة مبارك السوداء إلى اليوم أم نلبس نظارة مرسي البيضاء لنرى النور الجديد من رب رحيم بمصر وفلسطين والأمة كلها.
لكن في نفسي شيء من رئيسنا د مرسي حيث أسفت لاستمرار غلق معبر رفح أسبوعا من أجل العيد وهم إخواننا في الإسلام والعروبة والإنسانية والجوار والعداء للصهاينة، وكنت أود أن يشعروا بأول عيد أن حصار مبارك وسليمان وبني صهيون قد ذهب إلى الجحيم ليعيشوا معنا عيدًا في فجر الحرية والحب والإخاء والبذل والعطاء والرضا والهناء والسرور ووداعا لأيام القهر والشرور.
على كلٍ أقول للجميع: تفاءلوا بالخير تجدوه، وأعينوا الرئيس الدكتور مرسي لتحقيق النهضة الحقيقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026