رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثيرا ما ارتكب الغرب فضائح وفظائع تغضب الإسلاميين من أصحاب الإيمان الحي والحركة الدءوب لنصرة الحق في العالم، ومن ذلك قضية استلحاق الأمة الإسلامية بالمشروع الغربي في الإدارة والتجارة، والصناعة والزراعة، والفن والإعلام، والقوانين والتشريعات حتى تم الاعتداء السافر على ثوابت الأمة عربيا وإسلاميا، وتم توظيف عملاء في شكل أنظمة منذ أيام نابليون بونابرت عندما اقترح استقدام خمسمائة من أذكياء مصر والعرب يدرسون في فرنسا وينبهرون بالفوارق الحضارية؛ فيعودون يدافعون عن ثقافة وقوانين ونظام فرنسا بدلا من قتل كليبر ومقاومة الحملة الفرنسية ودحرها في رشيد وغيرها مما يكلف الغرب الكثير، وبهذا يكون أبناء البلد حملة مشروع فرنسة مصر، وبعدها الجزائر وسوريا ولبنان، وصارت سياسة غربية عامة فقامت بريطانيا وأمريكا بالأمر نفسه حتى صار لهما أنصار يدافعون عنهما في بلادنا أكثر من البريطانيين والأمريكيين أنفسهم وصاروا بالمصري "ملكيين أكثر من الملك"، ومما يغضب الإسلاميين قضية اغتصاب الصهاينة فلسطين، وما جرى لها من تبن كامل من بريطانيا لتأسيس المشروع الصهيوني بفلسطين، وتبنت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية ترسيخ المشروع الصهيوني فاعتبرت إسرائيل جزءًا من أمن أمريكا، وصار كل مرشح للرئاسة الأمريكية يغازل اليهود والصهاينة بالتصريح المباشر بهذا الجنوح والتبني اللاأخلاقي، ويؤكد كل رئيس أمريكي بعد استلام السلطة ذلك بالقول والعمل، وهذا مما يغضب الإسلاميين أيضا غاية الغضب من الدعم المفتوح المفضوح للكيان الصهيوني، ولكن الغرب لم يفقه الفرق بين ما يغضب الإسلاميين فيتحركون بوعي وخطة مدروسة وردود أعمال ممنهجة وفقا للشريعة الإسلامية والمصالح والمفاسد، والتدرج في التغيير والإصلاح، لكن غباء بعض الغربيين لم يدرك بعد ما يلهب حماس المسلمين أجمعين، فيقدُم بين الحين والآخر على حماقات من الطراز الرديء، وأفعال من العيار الثقيل التي تثير كل مسلم ثورة عارمة، وذلك مثل ما حدث قبل في بريطانيا من آيات شيطانية، والرسوم المسيئة للرسول في الدنمارك، وتبول الجنود الأمريكان على المصحف في سجن جوانتنامو وأفغانستان وقيام القس الأمريكي الأحمق "جونز" بحرق المصحف، وأخيرا هذا الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة فجة رديئة سخيفة هابطة مضللة مجافية لكل الحقيقة، واختاروا البدء في ذكرى عام "الفيل" الأمريكي في أحداث سبتمبر، وبدأت الشرارة من بعض مجرمي الصهاينة وأخساء أقباط المهجر، وتغيرت الدوافع بين الإسلاميين العقلاء الذين دعوا للاحتجاج الراشد بأعلى صوت، وحث فخامة الرئيس مرسي سفير مصر بأمريكا على رفع قضية على منتجي الفيلم، والمفروض على جميع السفراء للدول الإسلامية أن يتكاتفوا في رفع القضية، والاحتجاج الحاد على الحكومة الأمريكية التي تزعم أن هذا من حرية الرأي الذي لا يسمح بأي عمل ضد هؤلاء المجرمين، لأنه رسول الله ورسول للأمة، وليس لأهل مصر وحدهم، وقال الرئيس محمد مرسي في قلب أوروبا لأمريكا وأوروبا والعالم إن رسول الله خط أحمر، وطلب النائب العام بمصر الجديدة إدراج أسماء المجرمين مسعري الفتنة من بعض أقباط المهجر ضمن المطلوبين جنائيا، وطالب العلماء بحملة توعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغات عدة تتبناها السفارات والجامعات والمدارس والأعمال الفنية المحترمة من الفنيين الغيورين على رسول الله، لكن غضبة كثير من المسلمين لا يمكن ضبطها لأن الغرب الذي يسيء اليوم إلى رسول الله هو الذي حرص على توسيع دائرة المسلمين البسطاء المنفرطين لا الإسلاميين الأتقياء المنظمين الوسطيين، وهؤلاء لا يستطيعون في يوم وليلة أن يقوموا بحجب وترشيد هذا التيار الهادر من المسلمين الغيورين على رسولنا الكريم، فالجناية على رسول الله من الغرب خاصة أمريكا وإسرائيل، والجناية منهم وإليهم من المسلمين الذين حرقوا السفارات وقتلوا السفير الأمريكي بليبيا، عكس مناشدة الإسلاميين الراشدين هؤلاء الثوار، فهم أيضا من جناية أمريكا وأوروبا عليهم في تبني ودعم الأنظمة التي صنعت هذا التيار صاحب الإسلام المخدر، ولا يفيق إلا على المصائب الكبرى التي جعلتني أقول يوما وأنا طالب سنة 1981م لشاب مسيحي جاءنا في المدينة الجامعية يدعي أنه أسلم، ويقارن بين سيدنا رسول الله وسيدنا عيسى عليهما الصلاة والسلام، وينال من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولما هم الطلاب بقتله أنقذته من بين أيديهم، وطلبت له الشرطة في قسم الجيزة، ولما وصلوا ركبت معه السيارة وقلت له اسمعني جيدا: قل لمن أرسلك لا تغتر بغفلة كثير من المسلمين فهؤلاء طاقة غير عادية؛ فلو سمع مسلم سكِّير يشرب الخمر أحدا ينال من الرسول صلى الله عليه وسلم فلن يكمل الشرب بل سيكسر الزجاجة على رأس من يتعرض لنبيه الكريم، اليوم الأمة كلها تصطف خلف رسول الله ويتذكرون خبيبًا الذي أمسكه المشركون ليقتلوه ثم قالوا له: هل تحب أن محمدا مكانك "أي يقتل" وأنت في عافية في أهلك ومالك؟ فقال: والله ما أحب أن يشاك محمد شوكة واحدة، بل أقتل دونه، فهددوه بالقتل والتمثيل بجثته فأنشأ يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
الغرب لا يعرف أن الإسلاميين والمسلمين يأتون صفا واحدا خلف مقام الله تعالى، وخلف مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقداسة القرآن الكريم، وحرمة المسجد الحرام والنبوي والأقصى، وهذه نقاط اشتعال ولهيب تحرق بنارها من أشعل شرارة الإيذاء أو الاعتداء، ولتتحمل كل دولة ما تشاء من مخاطر ما يلهب المسلمين ويغضب الإسلاميين فنحن في النهاية نحب ديننا ونبينا، ولن ندع أحدا يعبث بمقدساتنا ورموزنا، بل أرواحنا فداء لرسولنا صلى الله عليه وسلم.
نصيحتي: قراءة ومدارسة سورة الأحزاب مع الأهل والأحباب والأصحاب وما فيها من قول الله تعالى لرسولنا صلى الله عليه وسلم: "وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا" (الأحزاب:48) وفي السورة أيضا قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا" (الأحزاب:57)، فاستمروا أيها المسلمون والإسلاميون في الغضبة الراشدة والاقتداء بأخلاق نبينا، وتذكروا واعملوا بهذه الآية من السورة نفسها التي تبين المقام الرفيع للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وواجبنا نحوه حيث قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب:56) فصلوا على الرسول، ودافعوا عن مقامه الرفيع تؤجروا في الدارين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12213
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11133
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3699
| 22 أكتوبر 2026