رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من خبر عاجل إلى خبر ماضٍ بين ليلة وضحاها هو غالبا ما يكون حال الاهتمام والتغطية الإعلامية للأزمات الإنسانية، بالرغم من امتدادها وازدياد الاحتياجات الإنسانية. ومع مرور عامل الزمن، يتلاشى الاهتمام وغالبًا ما تقع هذه الأزمات في خانة النسيان وبالتالي تزداد التحديات التي تواجه الأفراد الذين أجبروا على الفرار من ديارهم ونزحوا قسرًا مع انحسار الدعم.
لقد شهدت الأعوام الماضية تزايدا مؤسفا في النزاعات والأزمات التي دفعت بالملايين من الأبرياء إلى الفرار بحثا عن الأمن والأمان، معها ازدادت مسؤولية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووسعت نطاق عملياتها الميدانية لتقديم الاستجابة الإنسانية الطارئة للمتأثرين.
في العشرين من شهر يونيو من كل عام، نسلط الضوء على الصمود والشجاعة والثبات الذي يتّسم به النازحون قسراً ممن اضطروا إلى الفرار من ديارهم قسرًا. يهدف هذا اليوم إلى تكريم قوتهم وتصميمهم على إعادة بناء حياتهم وتحقيق أحلامهم أينما كانوا لبناء مستقبل أفضل لهم ولأسرهم. مع ذلك، وعلى الرغم من الجهود المستمرة والمساعدات الإنسانية، لا يزال عدد اللاجئين والنازحين في العالم يتزايد وتزداد معه الحاجة لتقديم الدعم.
أدى الصراع في أوكرانيا، والذي يمثل أحد أكبر وأسرع أزمات النزوح القسري منذ الحرب العالمية الثانية، إلى تفاقم أزمة النزوح العالمية، مما أدى إلى ارتفاع عدد النازحين قسرا إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، مع وجود أكثر من 5 ملايين لاجئ طلبوا الأمان خارج أوكرانيا ونحو 7 ملايين شخص نزحوا داخليًا، فتخطى عدد الأشخاص الذين أجبروا على الفرار من ديارهم ال 100 مليون شخص حول العالم لأول مرة في التاريخ وهو رقم قياسي لم نرغب في تحقيقه يوما.
ومع اضطرار أكثر من 1٪ من سكان العالم على الفرار، وفي ظل غياب الحلول المستدامة للأسباب التي تؤدي إلى نزوحهم، سيُوسم القرن الحادي والعشرون بعصر الهجرة القسرية، نظرًا للتزايد المستمر في عدد الأشخاص الذين اقتلعتهم النزاعات من جذورهم. وتتحمل الدول النامية المسؤولية الأكبر عندما يتعلق الأمر باستضافة اللاجئين، حيث تستضيف الدول منخفضة ومتوسطة الدخل الغالبية منهم (83٪). كما يدفع الأطفال ثمنًا باهظًا، حيث لا يزالون يتضررون ضررًا كبيرًا من النزوح القسري، ما يعرّض مستقبلهم بالكامل للخطر.
2022 هو عام آخر من الأزمات المتعاقبة، جديدة وقديمة امتدت وحالة طوارئ مناخية توازيها احتياجات انسانية متزايدة، فللحروب والأزمات وتغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي أثر كارثي على حياة الأشد ضعفًا من النازحين واللاجئين إضافة إلى التحديات المالية والاقتصادية الناتجة عن الجائحة والتي تستمر بالضغط على اللاجئين والنازحين الأكثر عوزًا، في عالم يواصل مسيرة التعافي.
فعلى سبيل المثال، إحدى أقدم الأزمات القائمة أفغانستان التي عانت من صراعات متتالية طيلة عقود من الزمن. فدفعت الأزمة الإنسانية المستمرة في أفغانستان حوالي 2.3 مليون شخص إلى البحث عن ملاذ في الدول المجاورة و3.5 مليون آخرين للنزوح داخل البلاد، تشكل النساء والأطفال 80٪ منهم، ويعتمد أكثر من نصف السكان حاليًا على الدعم الإنساني الأساسي المنقذ للحياة.
كما تشهد أجزاء أخرى من العالم حركة نزوح استثنائية بسبب الصراعات المستمرة والمتزايدة وندرة الموارد والصدمات المناخية. فنجد أن 95٪ من جميع حالات النزوح التي سببتها النزاعات الداخلية في عام 2021 حدثت في بلدان معرضة بشدة لتأثيرات تغير المناخ، ما يستمر في خلق مستقبل محفوف بالمخاطر للسكان في جميع أنحاء أفريقيا. يواجه حاليًا ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء في القارة، الذين سبق ويعانون من العديد من الصراعات والعنف في مناطق مختلفة، واقعًا قاسيًا بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الناجمة عن النزاعات والكوارث الطبيعية كالأعاصير والفيضانات والتي أثرت سلباً في الوصول الآمن إلى الخدمات الأساسية. فتواجه المجتمعات النازحة التي تعيش في مناطق معرضة لتغير المناخ تهديدات تمس استقرارها وسبل عيشها، وتدعو المفوضية إلى تكثيف الجهود المبذولة للتخفيف من انبعاثات الكربون ودعم سبل التكيف وبناء دفاعات لمن هم الأكثر تضرراً من أزمة المناخ ولتجنب العواقب الوخيمة التي قد تطول الملايين.
وتعاني بدورها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نصيبها المؤسف من الأزمات. فقد سبّب الصراع المستمر منذ 11 عامًا في سوريا وأكثر من سبع سنوات من الصراع في اليمن بتدمير ملايين الأسر، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية. وتواجه المنطقة أسوأ عام لجوء لها حتى الآن، حيث يوجد حوالي 4.4 مليون يمني نازح قسرا وأكثر من 13.3 مليون سوري نازح قسرا، منهم 5.7 مليون لاجئ تستضيفهم البلدان المجاورة لسوريا والتي تعاني بدورها من أوضاع اقتصادية صعبة.
تدعو هذه الأرقام للقلق، فهي تمثل الأمهات والآباء والفتيات والفتيان وكبار السن الذين انقلبت حياتهم رأسًا على عقب دون أي خطأ من جانبهم. الآن أكثر من أي وقت مضى، يجب أن نتمسك بالتزاماتنا لضمان وضع حلول مستدامة وعملية لمعالجة الأزمات المختلفة. فما يريده معظم اللاجئين هو العودة إلى ديارهم، ولكن بدون الإرادة السياسية لصنع السلام سيظل احتمال عودة أعداد كبيرة من اللاجئين إلى ديارهم في المستقبل القريب أمرًا صعب تحقيقه. على المجتمع الدولي معالجة الأسباب الجذرية التي تجبر الأبرياء على الفرار مع الاستمرار في تقديم المساعدة الحيوية والدعم لأكثر الفئات ضعفًا لضمان حصولهم على الخدمات الأساسية والعيش الكريم.
الجدير بالذكر أنه وعلى الرغم من التحديات الهائلة، كانت دولة قطر من أولى الدول التي قدمت الدعم المستمر ولعبت دورًا رئيسيًا في تقديم المساعدات الإنسانية العالمية. بفضل التمويل المرن المتعدد السنوات، تساعد قطر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على مواجهة الحالات الطارئة في الوقت المناسب واستخدام الأموال حيثما تشتد الحاجة إليها. كما دعمت دولة قطر ومؤسساتها التنموية والإنسانية مجموعة واسعة من برامج المفوضية في جميع أنحاء العالم، حيث وفرت التعليم والرعاية الصحية والمأوى والمساعدات النقدية والشتوية للفئات الأكثر ضعفًا في أفغانستان وبنغلاديش والعراق والأردن ولبنان وماليزيا وغيرها من الدول. تفخر المفوضية بالشراكة القوية التي تربطها بدولة قطر ومؤسساتها التي دعمت عملنا بسخاء لأكثر من عقد من الزمان وما زالت.
تعدّ الشراكات القوية مثل تلك التي تم تطويرها مع دولة قطر ومختلف مؤسساتها المتخصصة ذات أهمية قصوى لأنها تتيح لنا تطوير وتنفيذ مشاريع هادفة وذات تأثير كبير. فلم تعد الجهود الفردية كافية لضمان قيامنا بحماية ومساعدة جميع السكان المتضررين وإيجاد الحلول لهم. التخفيف من معاناة ملايين اللاجئين والنازحين حول العالم منوط بخطط الاستجابة العملية التي تركز على احتياجات الأشخاص المعنيين وتمكّنهم من إعادة بناء حياتهم.
فلننتهز هذه الفرصة للتضامن مع العائلات النازحة على صمودها ومثابرتها. يستحق هؤلاء النساء والرجال والأطفال فرصة في حياة عادلة والتعليم ورعاية صحية مناسبة وفرصة لتحسين حياتهم. لنقف معًا ونرفع أصواتنا تضامنا مع أولئك الذين أجبروا على الفرار، في يوم اللاجئ العالمي هذا وفي كل يوم من أيام العام.
ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في دولة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1953
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1668
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1173
| 11 أكتوبر 2026