رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن حرية التعبير عن الرأي مصداق لأهم الحريات التي تفصح عن ذات الإنسان وشخصه وما يؤمن به، وهي من المبادئ الأساسية التي توضح مقدار إيمان القابضين على السلطة بحقوق الأفراد فان كانت في أفضل حالاتها فيعد هذا دليلا على ديمقراطية نظام الحكم وان كان العكس فذلك يعني اتجاه الدولة نحو النظم الشمولية والدكتاتورية.
ويمثل العالم الافتراضي على مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وسطاً خصباً لممارسة حرية الرأي والتعبير وأداة للاتصال والتواصل ونشر المعلومات أو تلقيها، وهو بحق أحد أهم وسائل وأدوات المجتمع المدني، بل يمكن للحكومة ان تستثمر هذه الفسحة لإحداث التغييرات الثقافية التي تستهدفها وتقضي من خلالها على السلوكيات السلبية في المجتمع، كما يمكن ان يستفيد منها الصحفي والإعلامي والمدافع عن حقوق الإنسان وتستثمر في مجال معارضة السياسات الحكومية غير المشروعة.
ويمكن الاستفادة من الفضاء السبراني في مجال مكافحة الفساد والقضاء على صور محددة من الجرائم، وفي الوقت الذي تطورت فيه هذه الوسائل ووصلت إلى ما هي عليه الآن نجد ان وسائل الرقابة والتضييق على حرية الرأي والتعبير الالكترونية تطورت هي الأخرى وأخذت ابعادا خطيرة تمثلت بوسائل للتصنت أو التجسس وانتهاك الخصوصية والاعتداء على حرية الفرد بالتفكير أو التعبير أو الاتصال بالآخرين.
وتعرف حرية الرأي والتعبير على انها قدرة الشخص على التفكير وأن يقول ما يفكر به دون أي تضييق عليه، وتتمثل هذه الحرية أيضاً في القدرة على تقصي الأخبار والمعلومات وتلقيها ونشرها باي وسيلة دون التقييد بحدود الدولة الجغرافية أو غيرها، بعبارة أخرى هي قدرة الفرد على التعبير عن أفكاره ومعتقداته بحرية تامة وبالوسيلة التي يختارها، ومن مظاهر حرية الرأي السبراني ما يأتي:
1 - حرية الطباعة والنشر الإلكتروني.
2 - حرية الإعلام والصحافة.
3 - حرية الأعمال الفنية دون رقابة أو قيود.
4 - حرية التجمع السلمي.
5 - حرية التنظيم الالكتروني
فمما لا شك فيه أن الانترنت والعالم الافتراضي يمثل قيمة كبيرة لضمان حرية الرأي والتعبير وهو عبارة عن مجتمع كبير متعدد الطوائف والأفكار وملتقى للجميع، غير ان الانترنت الآمن بات يمثل تحدياً لحرية الرأي والتعبير فكما يوجد على الانترنت أناس طيبون يتواجد المجرمون والمؤسسات الإجرامية وترتكب عشرات الجرائم من خلال الانترنت كالترويج للفكر المتطرف أو تجنيد المرتزقة والإرهابيين والترويج للمخدرات والجنس وغيرها من الجرائم الخطيرة ، فالأمر لا يخلو من خطورة على نحو ما، وما تقدم يوجد للسلطة الحاكمة الذريعة لتحاول ان تتدخل بحجة قمع الإجرام ومنع الأضرار بالغير والمصالح العامة، وبالتالي قد تمس حريات الأفراد تحت طائلة الرقابة الحكومية للوسائل الالكترونية مما يدفعنا إلى القول بضرورة الموازنة بين ضرورات الرقابة لمنع الجريمة وحتمية توفير الحماية للحريات الشخصية اللصيقة بحق الإنسان في التعبير.
أولا- الحق في الحصول على المعلومة
ويتصل بحرية التعبير عن الرأي بالوسائل السبرانية الحق في الحصول على المعلومة لاسيما تلك المعلومات التي تتعلق بحقوق المواطنين الأساسية والأموال العامة والتصرفات التي تجري عليها والتي بطبيعة الحال تتطلب الوضوح والشفافية في العمل وبخاصة ما له علاقة بالتحصيل والإنفاق كونها مملوكة وكأصل عام أموال الشعب حيث تنص المادة (27) من دستور العراق النافذ على ان للأموال العامة حرمة وحمايتها واجبة، ومن هذا المنطق القانوني المجرد نستطيع الجزم انه من الحقوق المؤكدة للشعب ان يعلم بجرائم الفساد والمفسدين ليتسنى محاسبتهم شعبياً فهم قد خانوا ثقة الشعب التي أودعت بهم، وما تقدم لا يتحقق بلا إطلاع الرأي العام بكل الوسائل على كل ما يتعلق بعمل السلطات العامة وبدون ذلك ستبقى التصرفات الصادرة عنها مجرد أسرار لا يعلم بخفاياها إلا بعض الموظفين والمسؤولين الإداريين.
إذن نحن بحاجة إلى توافر ثلاثة عناصر (شخص عنده معلومة معينة وهو مستعد لاطلاع الرأي العام عليها، ووسط ناقل للمعلومة من الشخص الذي حصل عليها ليمكن الشعب من استقائها، وقواعد قانونية تكفل ممارسة حرية الرأي والتعبير ونقل المعلومات إلى الغير بكل حرية وبلا قيود أو معرقلات))، بعبارة أخرى نحن بحاجة إلى (مصدر للمعلومة، ووسيلة نشر، حماية قانونية للمصدر والمتلقي) وبدون العناصر المتقدمة لن تتحقق الضمانة المرجوة للحق في الحصول على المعلومات بل ستبقى دائماً سرية، فيغيب دور المجتمع والشعب في التأثير في القرار السياسي والإداري والتشريعي ويحرم الشعب من ممارسة سلطته الرقابية على نوابه وممثليه والمتحكمين بأمواله.
ويذكر ان الحصول على المعلومة من مصادرها المختلفة حق كفلته الوثائق الدولية حيث ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 في المادة (19) (لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة دونما اعتبار للحدود)) وتم تأكيد الحقوق ذاتها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 في المادة (19)، أيضا ومما تجدر ملاحظته ان العراق ملتزم بما تقدم لمصادقته على العهد الدولي بوصفه اتفاقية دولية بموجب القانون رقم (193) لسنة 1970.
بيد ان ما يحصل ويتكرر في التطبيق العملي ان كثيرا من المواطنين ممن يتمكنون من الحصول على معلومات محددة ولاسيما من الناشطين في ميدان الدفاع عن أسس المجتمع المدني ومن ثم يقومون بإطلاع الرأي العام عليها يتصدى لهم بعض السياسيين لقمع الأصوات المناهضة الرامية إلى الإصلاح بشتى السبل ويستخدمون نفوذهم للتأثير عليهم وإسكات أصواتهم بل قد يصل الأمر إلى تصفيتهم جسدياً أو التهديد بذلك، ولربما لا أكون مبالغاً ان بعض السياسيين بات متربعاً على رأس جيش من الأتباع السبرانيين والذين تتلخص مهمتهم بالترويج له بشكل مباشر أو غير مباشر والتصدي للمناوئين بشتى الوسائل غير المشروعة بضمنها انتهاك خصوصيتهم عبر التجسس أو التلاعب بالمحتوى وهو ما يعرف اصطلاحاً بـ(التهكير).
ولا شك ان اعتراض ومراقبة الاتصالات الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بنحو غير قانوني أو تعسفي ومحاولة جمع المعلومات عن أصحابها تنتهك حق الخصوصية الذي كفله الدستور العراقي بالمادة السابعة عشرة، ويعد هذا السلوك منافياً لحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومة بل يتنافى مع أسس ومبادئ المجتمع الديمقراطي ، فالحق في الخصوصية بموجبه ينبغي ألا يتعرض الشخص للتدخل التعسفي في شؤونه الخاصة أو في شؤون أسرته او بيته او مراسلاته وما يؤمن به أو يعتقده صحيحاً، ونخلص مما تقدم الى ان الرقابة الشعبية لا تقل شأناً عن أي سلوك رقابي فاعل إدارياً كان أم برلمانياً أم قضائياً متى تتمتع بشروط النزاهة والاستقلال والفاعلية والشفافية التامة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026