رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثلاثة سيناريوهات محتملة في سوريا تعكسها قراءة التطورات الراهنة
أمهل الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي عقد يوم الاثنين الماضي بمقر الجامعة العربية بالقاهرة الحكومة السورية خمسة عشر يوما لعقد حوار وطني بمقر الجامعة لحل الأزمة السياسية العالقة في البلاد. كما قرر الاجتماع تشكيل لجنة برئاسة قطر لمراقبة الوضع.
وأشار معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية الذي ترأس الاجتماع الوزاري قائلا: "إن عقد حوار وطني خلال خمسة عشر يوما يعد من أهم القرارات التي اتخذت خلال اليوم". وستكون الخمسة عشر يوما المقبلة مهلة حاسمة لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد والفرصة الأخيرة لإيجاد حل سلمي للازمة وللرئيس الأسد للاستماع لما يريده الشعب السوري من حكومته.
ودعا حضرة صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مقابلة مع قناة الجزيرة الأسبوع الماضي إلى وقف عمليات القتل في سوريا قائلا: "إن هناك تحركا عربيا إزاء ما يحدث في سوريا"، وأضاف سموه: "طبعا الدول العربية وجامعة الدول العربية متحركة، لكن طبعا أهم شيء المطلوب الآن بشأن وضع سوريا هو غيقاف القتل وإيجاد مجال للناس لتناقش أمورها بين بعضها البعض وتبتعد عن عملية القتل شبه اليومية".
هذا وقد لقي ثلاثة آلاف سوري حتفهم منذ اندلاع الاحتجاجات في مارس الماضي وفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة مؤخرا. وأوضحت نافى بيلاي، المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أن 187 طفلا على أقل تقدير قد لقوا حتفهم ضمن هؤلاء. لذلك تعتبر أعداد الأطفال ضحايا القتل والعنف في سوريا خلال السبعة أشهر الماضية من الاحتجاجات غير مسبوقة. ولم تشهد دول أخرى -عدا ليبيا- التي لا تتوفر عنها احصاءات في هذا الصدد والتي اجتاحتها رياح الربيع العربي، مثل هذا الرقم المهول من الأطفال الضحايا.
فكم من الأطفال السوريين يجب أن يسقطوا قتلى كي يتخذ الأسد إجراء ملموسا لوقف نزيف الدماء في البلاد؟ لقد جاءه الفتح لآن من قبل الجامعة العربية للجلوس والتفاوض مع أطراف المعارضة لإيقاف قتل أرواح الأبرياء.
علماً أن الرئيس الأسد أجرى محاولات عديدة سابقة لتطبيق إصلاحات سياسية في البلاد، كما أصدر مؤخرا قرارا بتشكيل لجنة وطنية لصياغة دستور جديد خلال أربعة أشهر. إلا أن الدستور الذي يصنعه النظام قابل للتغيير أيضا بواسطة النظام نفسه حيث جرى تغييرا للدستور عندما أتى الأسد للسلطة. ولهذه الأسباب لا يثق الشعب السوري في وعود الأسد الإصلاحية والمتعلقة بالدستور الجديد.
وبالرغم من قرار الجامعة العربية بمنح سوريا فرصة لوقف نزيف الدم وبدء حوار حقيقي مع المعارضة، إلا أن سوريا تبدو ممتعضة من هذا القرار، حيث قال يوسف أحمد سفير سوريا لدى الجامعة العربية في تصريح له: "إن أي حوار وطني يجب أن يجري داخل سوريا فقط". كما أبدى قلقه حيال الدور الذي تلعبه قطر فيما يتعلق بمراقبة الأوضاع في بلاده ، معلنا أن توقيت الاجتماع "غريب ومثير للريبة". وقد اتهمت سوريا علناً قطر بانحيازها ضد الأسد وامتلاكها لأجندة خاصة في البلاد.
غير أن معالي رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أشار إلى أن الاجتماع لم ينعقد وفقا لأية أجندة خاصة بل لإبداء القلق تجاه ما يجري في سوريا والشعب السوري، مضيفا "يرغب أشقاؤكم في مساعدتكم".
وإن كان لقطر أية أجندة خفية في هذا الصدد، ما كان لها أن تنتظر طيلة هذه المدة لكي تتخذ إجراء حيال سوريا وكان بمقدورها أن تتحرك منذ بدء الاحتجاجات في مارس الماضي، إلا أن سياسة قطر الخارجية واضحة دوما منذ البداية حيث إنها تتفق مع سياسات الجامعة العربية أو المؤسسات الدولية على شاكلة ما حدث في ليبيا.
وقد قال صاحب السمو الأمير في خطابه مؤخرا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: "من ناحية كانت لنا دائما سياسة واضحة في قواعد التعامل العربي والإقليمي والدولي، تقوم على قواعد التفاهم والتصالح والتوافق بين الشعوب والدول، وفي الوقت ذاته لم نكن نحن أو غيرنا قادرين على أن نغلق السمع والبصر إزاء نداءات جريحة تلتمس نجدة القريبين والبعيدين للمساعدة ضد قهر استبد وطغى".
وهنا لا بد من الاشاره الى أن معدلات القتل شبه اليومي وحملات المداهمة والقمع ضد المحتجين ومعدلات القتل العالية بين الأطفال هى ما دعت قطر للتحرك والمساهمة في إيجاد حل لوقف نزيف الدم وإنهاء العنف.
ونحن نكرر نداءنا مرة أخرى للمجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بعدم الالتفات لتهديدات الأسد واتخاذ مواقف قوية وفورية قبل فوات الأوان، خاصة بعد أن منحت الجامعة العربية حكومة الأسد فرصة للتفاوض للتوصل إلى حل يؤمن إجراء الإصلاحات المطلوبة في البلاد.
وبعد قراءتنا للأوضاع والتطورات الراهنة، نرى أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة الوقوع فيما يتعلق بالأوضاع في سوريا:
الأول: أن تنخرط حكومة الأسد في حوار وطني مباشر مع قادة المعارضة تحت إشراف الجامعة العربية. وعندها لا بد أن تتخذ الحكومة السورية إجراءات جادة وتفي بوعدها بإجراء الإصلاحات المطلوبة في البلاد بهدف وقف نزيف الدم والعنف.
غير أن هذا الأمر مشكوك في حدوثه، حيث كان بمقدور حكومة الأسد أن تفعل ذلك من قبل إن كانت جادة في تطبيق تلك الإصلاحات. واليوم مضت عشر سنوات على وصول الأسد للسلطة دون أن تطبق أية إصلاحات. إن الأمل بعيد في أن تطبق تلك الإصلاحات في الوقت القريب بالنظر لما تقوم به الحكومة الحالية من تصرفات وأفعال.
الثاني: وقوع حرب أهلية شاملة في سوريا كالتي حذرت منها الأمم المتحدة من قبل. وسوف يستمر الاقتتال لزمن طويل بين مختلف الجماعات في البلاد، الشيء الذي تريده الحكومة لتقسيم البلاد وتقنين شرعية حكمها للبلاد كما حدث في كل من السودان، الصومال، ولبنان.
الثالث: استمرار الاحتجاجات السلمية تحت مظلة المجلس الوطني السوري. وربما تنشق بعض المجموعات عن الجيش ويقدم بعض السفراء على النأي بأنفسهم عن الحكومة. وسيؤدي ذلك إلى توليد المزيد من القمع والعنف. كما سيؤدي تدهور الأوضاع إلى إرغام المجتمع الدولي على التدخل وفرض عقوبات قاسية على سوريا مثل فرض منطقة للحظر الجوي كما حصل في ليبيا والاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل رسمي وشرعي للشعب السوري.
وعليه فإن مهلة الخمسة عشر يوما قد لا تمثل شيئا لحكومة الأسد تعني المجتمع الدولي قبيل البدء في اتخاذ موقف متشدد حيال سوريا، لأن الأسد إن كان يرغب فى إجراء إصلاحات، لأقدم على ذلك منذ توليه السلطة قبل عشر سنوات مضت.
في الوقت نفسه لا نملك إلا انتظار الأيام القليلة المتبقية من المهلة لنرى كيف تسير الأمور. إلا أننا نشعر أن الأوضاع ستستمر على ما هي عليه حتى يتم حدوث تغيير حقيقي وملموس في النظام الحاكم.
لقد قالها صاحب السمو الأمير في خطابه الذي ألقاه لدى زيارته خلال الأيام الماضية إلى مقدونيا إن وطننا العربي "ينشد هذه الأيام لشمس الحرية وهو على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخه"، معربا سموه عن أمله في أن تنقُلَهُ شمس الحرية إلى آفاق أرحب في الإبداع والعمل والإنتاج والحُكم الرشيد.
رئيس تحرير جريدة البننسولا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4935
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026